منبج خط تماس لصراعات متعددة

 

تخشى تركيا أن تجد جارها الجنوبي دولة كردية، وهي تراها دولة معادية لها بسبب أنها تعتبرها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور لديها، وهي تراقب الموقف عن كثب خلال الفترة الماضية بعدما تحولت منبج ومدن الشمال إلى مركز رئيسي في الحرب السورية، خصوصا وأنها مدينة استراتيجية تربط مناطق نفوذها شرق نهر الفرات بغربه.

أعلنت تركيا أنها لن تسمح بإقامة دولة كردية شمال سوريا، لذلك تكفلت بدعم الجيش السوري الحر، وتستثمر وحدات الحماية الكردية دحر تنظيم داعش إلى نشر قوة عسكرية من أفرادها يرابطون في منبج ومحيطها، وتركيا كانت منزعجة خلال الفترة الماضية من الدعم العسكري والجوي الأميركي لمجلس منبج العسكري وقوات سوريا الديمقراطية، رغم أن هناك عهود أميركية في نقلهم إلى شرق نهر الفرات.

تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن قواته ستتوجه إلى منبج بعد الانتهاء من معركة عفرين إلى منبج وصولا إلى الحدود العراقية، لكن الإدارة الأميركية حذرت من الهجوم على منبج وطالبت بضبط النفس، وطالبت أيضا أن تكون عملية عفرين محدودة وألا يطول أمدها.

بعدما نشرت الولايات المتحدة لها قوات في مدينة منبج وفي محيطها صعب مهمة التدخل العسكري التركي، نظرا إلى أن مثل هذا التدخل سيؤدي إلى صدام مباشر مع القوات الأميركية، وهو أمر لا ترغب فيه تركيا، لكن توصلت تركيا مع أميركا مقابل ذلك تسليم قوات سوريا الديمقراطية مجموعة من القرى تقع شمال غربي منبج إلى قوات النظام السوري بحماية روسية، وأصبحت هذه القرى بمثابة شريط عسكري فاصل بين الأطراف المتناحرة خصوصا وأن هناك رسالة روسية إلى دمشق ترسم خرائط التعايش مع الجيش التركي.

هناك عقد أميركية تركية أمام التفاهم على منبج، وبخروج تيلرسون من وزارة الخارجية الأميركية خسرت أنقرة حليفا سعى إلى إيجاد نقاط تقاطع معها توجت بزيارة وزير الخارجية الأميركي الأسبق تيلرسون إلى أنقرة أسفرت عن تشكيل لجان مشتركة لمعالجة القضايا الخلافية بين الطرفين، خصوصا ما يتعلق بالدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردي وتراجع الثقة بين الطرفين.

مع ذلك اتهمت أنقرة الولايات المتحدة بعدم تنفيذ تعهداتها من بينها سحب السلاح الثقيل من الوحدات بعد تحرير شرق سوريا من داعش، في المقابل تتهم واشنطن أنقرة بعدم خنق داعش وغلق الحدود السورية التركية أمامه.

فعفرين أسيرة تفاهمات بين أنقرة وموسكو، بينما منبج أسيرة تفاهمات بين أنقرة وواشنطن خصوصا بعدما أنشأت أميركا فيها قاعدة عسكرية لأهميتها الاستراتيجية تسير فيها الدوريات لمراقبة مناطق التماس الفاصلة بين مجلس منبج العسكري المتحالف مع سوريا الديمقراطية من جهة وبين فصائل درع الفرات الموالية لتركيا التي كانت مسيطرة على مناطق من منبج إلى الباب وجرابلس بين حلب وحدود تركيا، وهي لا تريد لروسيا وإيران مزيد من النفوذ في سوريا، وأيضا لمراقبة القاعدة العسكرية الروسية التي أقامتها موسكو في منطقة عريما قرب منبج تفصل بين قوات النظام السوري والقوات المتحالفة معها في ريف حلب.

في ظل هذه الصورة المعقدة هناك تفاهمات بين واشنطن وأنقرة تضمنت تلك التفاهمات تسيير دوريات مشتركة والتعاون الاستخباراتي والتنسيق بين خطوط التماس، إضافة إلى مستقبل المجلس المحلي في منبج.

رغم ذلك لا تزال هناك فجوة كبيرة قائمة بين واشنطن وأنقرة خصوصا وتركيا تطالب بإخراج وحدات الحماية من منبج إلى شرق الفرات بعد اطمئنان الوحدات أيضا من حلفاء تركيا من الفصائل في ريف حلب من أجل تسليم منبج للعرب بجانب إخضاع مناطق على حدود تركيا لفصائل عربية وإبعاد الوحدات.

صرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر ناورت بأن الولايات المتحدة قلقة جدا من تسبب الهجوم التركي على عفرين من نزوح جماعي، لكنها استدركت تصريحها وأكدت بأن تركيا حليف استراتيجي مع واشنطن ضمن حلف شمال الأطلسي، لكن جاء رد أردوغان بقوله إذا كنا شريكين استراتيجيين عليكم احترامنا والعمل معنا، واعتبر أن الولايات المتحدة تمارس مثل هذا الخداع ضد تركيا بتسليحها وحدات الحماية الكردية التي كانت تسيطر على منطقة عفرين، خصوصا بعدما أرسلت واشنطن ألفي شاحنة محملة بالأسلحة إلى وحدات الحماية الكردية.

تصر تركيا أنها لا نية لتسليم عفرين للنظام السوري، فيما هي تود إقامة منطقة آمنة حول مدينة منبج في شمال سوريا إذا أوفت واشنطن بوعودها، وتدعي تركيا أن الأكراد كانوا يودون تحويل عفرين إلى جبل قنديل ثان في إشارة إلى معقل حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

تواجه تركيا مطالبات أوربية بوقف عملية غصن الزيتون، لكن كان رد أردوغان قائلا لا تنفعلوا بلا طائل فنحن لن نخرج من هناك قبل تحقيق هدفنا، وهناك إدانة ألمانية للهجوم التركي على عفرين تنذر بتوتر جديد مع أنقرة، فيما يسعى البلدان إلى تحسين العلاقة بعد توترات وأزمة دبلوماسية بين البلدين، عندما اعتبرت المستشارة الألمانية ميركل ما حدث في عفرين أمرا غير مقبول، وقالت ميركل أمام البرلمان نحن ندين ذلك بأشد العبارات، وكذلك أدانت ميركل النظام السوري لما يدور في الغوطة الشرقية.

بينما يعتبر الأكراد بعد سيطرة أنقرة على عفرين بأن الولايات المتحدة خذلتهم عندما لزمت الصمت إزاء العملية العسكرية التركية، واعتبروه خذلان لهم من الولايات المتحدة بعد إلحاقهم هزيمة كبرى بداعش، لكن الحقيقة أن أمريكا أوزعت لهم بالانسحاب من عفرين وعدم مواجهة القوات التركية.

الولايات المتحدة زادت من عدد قواعدها العسكرية الخاصة بها في مناطق مختلفة من سوريا، وأن مروحيتين من طراز بلاك هوك قامتا مؤخرا بعملية إنزال جوي في حقل العمر النفطي لبناء قاعدة عسكرية دائمة وهو أكبر حقل نفطي في سوريا وهذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول إيجاد موطئ قدم لها بالقرب من موارد النفط والغاز الطبيعي وقامت برفع عدد قواعدها في المنطقة إلى 25 قاعدة عسكرية بحسب تصريحات العقيد الروسي الكسندر زيلين وأنهم يواصلون بناء قواعد جديدة، حيث تضم منطقة دير الزور أهم وأكبر الحقول النفطية، ومحطات التجميع في سوريا، حيث تضم المنطقة المحاذية للحدود العراقية 11 حقلا نفطيا مهما من بينها حقل العمر الذي كان ينتج ثلث كمية النفط المستخرجة في سوريا.

لذلك وسعت الولايات المتحدة منذ عام 2015 من وجودها العسكري في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيات الكردية، حيث أقامت قاعديتين جويتين في منطقة رميلان بمحافظة الحسكة، والثانية في بلدة خراب عشق جنوب غربي مدينة كوباني ( عين العرب) في محافظة حلب، وبغرض ضمان أمن هذه القواعد العسكرية تعلن في محيطها ما تسمى الأراضي المحظورة.

لذلك زار وفد أميركي في منبج لطمأنة الأكراد وتحدي أنقرة في الحفاظ على الأراضي المحظورة في 22/3/2018 في ريف حلب الشرقي وتأكيد أميركا لأهالي منبج بأن

مصيرها لن يكون على غرار عفرين وضم الوفد اللواء جيمي جيرارد ولاسفير الأميركي ويليام روباك وجاءت هذه الزيارة بعد تصريحات رجب طيب أرردوغان بأن قوات المعارضة المدعومة من تركيا ستتابع عملياتها في الشمال السوري وصولا إلى منبج وعين العرب ورأس العين والقامشلي لطرد وحدات حماية الشعب الكردية المنضوية ضمن قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على منبج بدعم أميريكي.

رغم ذلك لا تود أمريكا أن ترتمي تركيا في أحضان روسيا، خصوصا بعدما تعاونت تركيا مع روسيا حول درع الفرات ونجحت إلى حد كبير، وكانت هناك محاولات من إيران والنظام السوري لوأد الثورة السورية خصوصا بعد اغتيال القيادات الكردية مثل مشعل تمو وغيره القادرين على التفاهم مع القيادة التركية، أيضا هناك نزوح كثيف للمهاجرين إلى الحدود التركية الذين نزحوا من 42 قرية في شمال ريف حلب كانت سوريا الديمقراطية السبب في تهجيرهم بعد الاستيلاء على هذه القرى، وهم ينتظرون اليوم العودة بعد تحرير عفرين إلى قراهم.

وكان أحدث تنديد للهجوم التركي على عفرين من قبل دولة مصر، ومن قبل كان هناك تنديد أيضا من قبل أمين الجامعة العربية أبو الغيط في مؤتمر الأمن في ميونخ، لكن ردت تركيا بأنها لم تنتهك حقوق الإنسان، فيما جددت السعودية موقفها الثابت من حل الأزمة السورية وفق جنيف1 والقرار الأممي 2254، وفي نفس الوقت رحبت السعودية بجهود لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا في إعداد التقرير المتضمن توثيق الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان في الأراضي السورية، بما يحقق تطلعات الشعب السوري الشقيق ووحدة الأراضي السورية.

لا تعليقات

اترك رد