الوطني والإنساني في نص المطاردون

 

محاور كثيرة تستوقف المتلقي لنص “المطاردون” الذي وضع على غلافه تجنيس الرواية في الوقت الذي وجد فيه العمل أقرب للنوفيلا ،سواء بمحدودية الأشخاص وغياب رسمهم الخارجي ،فالرواية بمفهومها التقليدي تعني التعمق في وصف المكان والشخصية وتحديد ملامحهما الدقيقة .
بالنظر لعتبة النص الأولى “العنوان” الذي يشير غالبا للمحتوى، ويسعى المؤلف به لشحن المتلقي بالإيحاءات والرموز التي تحمله لمعنى النص الذي يكون أكثر عمقا كلما كان محملا بالدلالات التي تأخذ بالمتلقي لفضاءات تعددية التأويل.
“المطاردون” مفردة معبأة بمعان يمكن استمطارها كالخروج على القانون السائد، والهروب ،وغياب العدل ، وتفشي الظلم والمحسوبية وضياع الفرص والعدالة الى آخر خ الدلالات التي يمكن أن نحصيها ،فإذا من توقفنا من لوحة الغلاف التي تحمل هي الأخرى إيحاءات تعاضد العنوان ، وجدنا “المطاردون ” قد كتبت بخط أحمر على فضاء أبيض ملبد بالون الأصفر يفصل بين بحر فيه قارب يقف في وسطه رجل حاجز حديدي أقرب لشبك السجن ،وهذا ما يضفي الكثير على مضمون العنوان .
عنوان ” المطاردون” ابتداء ، ليس جديد الاستخدام ، فقد تناوله من قبل أكثر من كاتب وبهذا فهو يتعالق مع أعمال أدبية سابقة عليه التقت جميعا في طرح قضية مشتركة .
في هذا النص السردي نتابع حكاية الاستعمار الغاشم والتخلف الدامي والطموح المقموع والإرهاب الذي صار قدرنا ، وتباين المستويات الفكرية والمادية بين الناس وانعكاس البيئة وتوثيق إبداعي لفترة تاريخية هامة مرت على جزائر النضال والوطنية، من خلال حركة وعلاقات مراد وحورية – المرأة المكافحة التي تجاهد لتكون مختلفة وهي عنوان ناطق للتحمل والصبر والكفاح ، تتحمل المصاعب وتتحدى ظروفها القاسية وتعاني قسوة زوج الأب ،هذا الشخصية النمطية التي أصبحت مكرسة في أدبنا العربي – وشخصية عمي السعيد ، رمز الوطنية ، هذه الشخصيات الأبرز في النص بما تحمله كل منهما من فيوضات وإرهاصات .
في النص نقد للنمط الاستهلاكي لدى الشعوب ص 58 وتوظيف للمثل الشعبي ص 54 وإلقاء الضوء على العادات السلبية :التمسح بالأولياء ، وطرح قضية الإيمان بالجن والصراع بين العلم الخرافة وغياب الأمن وانتشار الخوف وهجرة الناس المدن خلال سنيّ الإرهاب ، والتركيز على قضية تنامي التوجه للجيش لأن المردود المادي هناك غيره في المؤسسات الوطنية الأخرى، في إشارة لتنامي دور الدولة البوليسية ، ومتابعة تفشي الرشوة وغياب العدل ومحاولة طرح السؤال المر : لماذا تقدم الغرب وتأخرنا ؟ ولماذا بدأ الإحباط يحاصر مجتمعاتنا وشبابنا؟
فنيا يلمس المتلقي تنوعا في توظيف الضمائر كضمير المخاطب والغائب ويجد توظيفا للمنولوج الداخلي والنفس السردي الطويل وإن كان الحوار موجودا بوضوح .
تعمّق النص في دواخل شخوصه ورسمها من الداخل كما وظف تقنية التشخيص بتميز .
الوصف الخارجي وإن كان قليلا إلا أن النص نجح في إعطاء المتلقي صورة واضحة للبيت ص 42،كما تميز النص بتوظيف الصور البيانية اللافتة ” صمت يفرد جناحيه في العتمة “.
يجد المتلقي بعض المباشرة والوعظ التي ما كان يجب الوقوع فيها في هذا النص القصيرة المكثف ص 87 ” روايات السندويش الإباحية السوقية كالأفلام التي تعرض على القنوات الكافرة ليس الهدف منها أكثر من تمزيق الأخلاق البشرية ” وبعض الإنشائية كما في ص 88.
ولما كان الحوار بالعامية الجزائرية فقد كان المتلقي العربي بحاجة لتفسير معاني بعض المفردات في الهامش لمفردات” الزردة والدشرةوالشخشوخة “على سبيل التمثيل .
هذه الملاحظات لا تصادر عمق النص ولا جدية طرحه وتميز ثيماته ، ولني أظن أنها التجربة السردية الأولى للكاتبة “لينده كامل ” التي تحمل هم الوطن وتتابع جراحات الإنسان فيه ، وهي تمتلك من الذائقة الفنية والحس الإبداعي الذي يبشر بالمتميز .
المطاردون
رواية من تأليف لينده كامل
صدرت في 122 صفحة عن المؤسسة الصحفية بالمسيلة 2017

المقال السابقيمرض التعليم ولا يموت
المقال التالىالعراق المستفيد الأكبر من تناقضات المنطقة ؟!!
*عضو رابطة الكتاب الاردنيين. * عضو اتحاد الكتاب العرب. * عضو اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا. *أكتب القصة القصيرة والدراسة النقدية والترجمة . * فاز أحد نصوصي بجائزة الملك خوان كارلوس الدولية للقصة القصيرة جدا. * صدر لي : * الزئير بصوت مجروح: قصص، دعم وزارة الثقافة ، الأردن، دار الينابيع ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد