منهج العقل العلمي و حركية المتغير الزمني و فروض تحرره

 

منهج العقل العلمي وقدرات الفعل

يستمد العقل وجوده من مركب زمني، بكل ما يختزنه من تجاريب وأحداث؛ وينطلق نهجه العلمي بالضرورة من إعادة ترتيب مجمل الخبرات السابقة والراهنة، ترتيباً يُحكم بأساليب العيش ومتطلباته، تجسيداً لمنطق اشتغال العقل في معادلات ذات توازن يمنح هوية ذاك العقل وشخصية صاحبه.

إنّ إشكالية معادلات العيش الإنساني المحكومة بمنطق بعينه، لا تترتب وظيفياً بالضرورة بتوازن ثابت.. ولكننا كثرما نجابه بكسر تلك التوازنات بصيغ مختلفة تربك الترتيب؛ فتعيد تنظيمه على وفق خيارات لا تدخل بالضرورة في إطار اقتضاء الفعل واتخاذ القرار الإرادي الواعي المستقل..

ونحن نتحدث هنا عن استقلالية القرار الذي يولد في رحم ما سبقه بغير انفصام تخريبي، ليكون مستعداً لولادة الآتي من بعده محكوماً بمنطق الاختيار الذي انتقاه سواء بالسلب أم الإيجاب في تسلسل الأفعال وطابع هويتها.. وفي خط الزمن سنجد حالات متعرجة ملتوية وأخرى متنامية بمنطق سليم..

وفي ثنايا الالتواءات، تتراجع بعض الوقائع بأصحابها لتستقر في زمن غير زمنها الواقعي.. وهنا سنجد حالا سكونياً سلبياً يجتر قوانين الماضي، ويعيد إنتاج واقعه محكوماً بـ((التراث)) وقوانينه وما فيه من خلطة تصنع اضطراباً في محددات معادلات العيش وفروض منطقها العلمي؛ فتولد راهنياً شخصية العقل المشوش وما يحيط به ويقيده من براقع وحُجُب أو أحجبة بخلاف العقل الصافي واقتضاءاته المعرفية الإدراكية من جهة والتفاعلية النفسية السليمة من جهة أخرى…

أما كيف يظهر التشويش والعقل المشوش واسترخائه خارج المنطق ومعادلاته، فذلك عادة ما ينتمي لشخصية سلبية تجتر (تحيا) وهْم الماضي وتعتاش على منجز ماضوي يتعارض بقوانينه الكلية وبكثير من جزئياته وتفاصيله الداخلية مع معادلات حلقات الزمن الأحدث..

إنّ العيش على وسائد التراث وحده لا يكفي قطعاً؛ على الرغم من ضرورة بل حتمية الاستناد إلى ذياك التأسيس بوجهه البنيوي الإيجابي وعلى الرغم من أن سلسلة تعاقب الوقائع والطابع الزمني الممتد بين المنطلقات ومخرجاتها هو المنطق الأنجع لاستمرارية توالد حلقاتها بالاستناد إلى صلاتها السببية… ذلك أنّ لكلّ حلقة ومرحلة زمنية بعينها ظروفها واشتراطاتها البنيوية التي تقتضي فعلا إنتاجيا مستقلا مخصوصاً؛ الأمر الذي يظل بفرض مطلب تحرر كل مرحلة مما يسبقها ويعقبها من قوانين مختلفة بقوانين زمنها..

بمعنى، أننا بالضرورة ينبغي ألا نقف عند أعتاب اجترار قوانين مرحلة بخط الزمن لنجعلها تحكم منطق حيواتنا في مرحلة أخرى. إذ أننا بتلك الحال، أما نقع في خطل القرارات واستيلاد أشكال اجتماعية \ إنسانية مشوَّهة، تخضع لمنطق العقل المشوش بما يعترض فعله السليم من عقبات كأداء أو نحيا منفصمين عن الوجود الإنساني في غيتوات مرضية تظل مصدراً وبائياً يتعارض وحركة الزمن وقوانين إنتاجه العقلَ الصافي أو المشوس بحسب سياقات خياراتنا بين العيش على وسائد التراث أو إبداء جهد إنتاج ما يلائم مرحلتنا..

إن قضية العقل ومنطقه بثنائية متلازمة تصل حد الاندماج والوحدة في معادلة اشتغال الأول (العقل) ونهج منطقه العلمي القائم على ضبط التوازنات التي تحفظ لمعادلات وجودنا سلامتها.

لنلاحظ، كيف تكون الشخصية النكدية المحبطة شخصيةً ملتفتة إلى الوراء تجتر ماضيها بل أسوأ ما فيه تبريراً لسلبيتها وشلل قدرات الفعل عندها بخلفية خيار الاتكاء على ما يبرر سلبية حراكها المتحنط كما تدور بعض الكائنات حول نقطة بعينها غريزياً بلا اشتغال مدرك واعٍ للعقل.. إنها تتحرك وتبذل الجهد ولكنها تبقى حبيسة دائرة مرسومة لها من خارجها وبإقرار أو استسلام لما رُسِم لها.

وتجمع تلك الشخصية بين مركب مبررات مضلِّلة مخادعة تجمع فيها بين اجترار الماضي وإسقاط القدسية عليه طبعا ليس بالضرورة القدسية الدينية هنا ببعض الحالات.. ولكن اشتراطات تُحكم الأسر والتقييد ومن ثم التقوقع بالعيش في عزلة عن خط الزمن المتحرك المتغير المحدد أو المقيد إلى وهْمٍ لخط حركة دائرية مغلقة تراوح ببركة سرعان ما تتعايش وطابعها الآسن قدرياً جبرياً…

في هذه الإطلالة التنويرية لم تكن النية معقودة على تسجيل ومضة أخرى تضيء عامل التراث والماضي في تقييد العقل عند اتسلامه وخضوعه أو إكراهه على الالتفات إلى الوراء باستمرارية خرقاء؛ لكنني أردتُ أن أتحدث عن دائرتي الحركة الممتدة زمنيا بانفتاح بين الأزل والأبد أو اللابداية واللانهاية في المفهوم الشامل وبين المنطق التأسيسي والمخرجات المرتبطة بتعاقب سببي موضوعي يكون فيه العامل الذاتي أو هوية العقل بحال من الفعل وقدرة الأداء بمنطق بعينه في المفهوم المخصوص المحدد.. بخلاف النقيض الذي ينبغي تسجيله هنا حيث يكمن في توهم الحركة فيما هي مجرد حال دوران في بركة آسنة تجتر الفعل في تكرارية سلبية رتيبة…

ولعلنا قبل ذلك وبعده نبقى بحاجة للربط بين الفلسفي في تحديد أنماط العقل وطابعه من جهة وفي تحديد المنطق وهوية منهجه من جهة أخرى.. وذلك الربط الفلسفي هو ما يمكنه أن يتيح البحث في تفاصيل اليوم العادي للإنسان بوجوده الفردي \ الجمعي وما تسمح به تلك الثنائية من رسم العلاقات بين السايكولوجي والسوسيولوجي سواء بحالات انغلاق واختلاق اصطراعات بين تعارضات مفتعلة أم بحالات انفتاح وتفاعل بنيوي إيجابي المنحى.

وفي كلا الحالين نترسم مسار انفتاح في خط الزمن وحركة متغيراته ونقيضه القابع في منغلقات تستهلك الأفراد والجماعات في جهد عبثي ضائع.. كما ذكرت في الثنايا من مثال تكرارات حال الاجترار والدوران في دائرة لا تسمح إلا بحركة تتعارض وخط الزمن وحركة متغيراته فتمزق هوية الإنسان بوجوديه الفردي والجمعي وتأسره بقوقعة انتهاك إنسانيته..

بمعنى انتهاك منطق العقل ومنهجه العلمي على خلفية تتقد باستمرار بخطاب الكراهية وجرائم الثأر والانتقام وكل أشكال الاصطراع المرضي المعادي لطابع العقل وما يقرره ومنطق الفعل فيه مما يفرض انفتاحاً حتميا تعترضه حالات الانغلاق التي أشرنا إليها..

في خط الزمن وددت التوكيد على حقيقة أن استذكار تفاصيل تجربة من ماضينا في الغالب تخضع لمتغير وصفي تصل نسبته إلى 50% من حقيقة الواقعة.. وفي استدعاء قراءة واقعة تاريخية علينا أن نوظف تلك القراءة التحليلية السايكولوجية الممتزجة بمنهج قراءة تستنطق الماضي..

أقصد مثلا لا التشكيك في مصداقية الواقعة التراثية ولا تكذيب ما أفضت إليه من تجربة مباشرة في حينها ولكنني أقصد إدراك أن التراث لا يُكتب تسجيليا بخطاب انعكاسي كالمرآة ولكنه يُكتب باتحاد بين الواقعة ومن يصورها ويلخص وصفها برؤيته.. ولا توجد ذاكرة تحتفظ بالصورة سمتريا تماثليا تطابقيا ولهذا فإن الفرد بافشارة إلى المؤرخ وإلى أي عالم يتناول الحدث من زاوية تخصصه المعرفي العلمي وكذلك المجتمع يقدم تراثه قيميا كما تسود الرؤى ووسائل التحليل والاستنباط…

فلماذا يُخضِع المرء وجوده الفردي أو الجمعي لمسمى ماضٍ أو تراثٍ هو حاصل جمع رؤى مجتمعية إنسانيةي بعضها سلبي وفضلا عن ذلك فهي مصاغة بسياقات تمر بموشور الحاضر المشلول المنغلق على رؤية ملتفتة إلى الوراء مشدودة إليه متعارضة مع حركية تمضي إلى أمام بطبيعتها؟؟؟

لابد لنا من كسر هذه الدائرة المراوحة فيي بركتها كي نعاود الاتساق مع طبيعة العقل من جهة ومع سليم منطقه من جهة أخرى حيث نتبنى منعج العقل العلمي واشتغاله بسلامة، كما تقتضي ظاهرة وجودنا أحياء فاعلين نمارس وجودنا بالاتساق مع حركية غير مقيدة بالتفاتة رجوعية ماضوية…

إن نسبة متضخمة في مجتمعات التخلف تلقي بنفسها في بركة (الوهم) التي تتفاقم مع مزيد إمعان في الدجل وأضاليل المخادعة ومنطق الخرافة؛ والأنكى أنها تبدأ بالمشاركة في إنتاج الوهم بحركتها المقيدة للدائرة المغلقة.. إنّ تلك الجموع تستسلم باسترخاء لما تسميه تراثاً وما يُسقَط عليه من قدسية مزيفة متوهمة وضمنا هي تُخضِع آليات اشتغال العقل للتقييد بماض خاص مثلما التقييد بالتراث أو الماضي الجمعي العام طبعا بالإشارة إلى المختلق ومنطقه..

وربما بهذه العجالة لم نغطِّ جوانب الإشكالية لكنها بالتأكيد تتداخل وفصول هذا المؤلَّف لتضيء قراءة تأسيسية للعقل ومنطق يستقيم فقط باشتراطات المنهج العلمي واتساق خطواته وحركة المتغير الزمني المفتوح.

فشكرا لكل إضافة تومض في دروب التنوير والتقدم ولو بمجرد ضرب أمثلة عملية هي تطبيقات للرؤية المقترحة هنا تساعد على إعادة تشغيل العقل وإغناء المنطق بوساطة منهج علمي فاعل مؤثر يحيا بوساطته الإنسان فرديا جمعيا باتساق وفروض السلامة والنضج.

لا تعليقات

اترك رد