ماذا يعني أنّكِ امرأة؟

 

بعيداً عن الحديث عن حقوق المرأة، والكلام الّذي يدور حول احترام كينونة المرأة وقيمتها وحقّها في أن تكون مستقلّة وحرّة. لا بدّ من أن نلج عمقها الإنسانيّ ونتعرّف على ذاتها وقدراتها ولكن بمعزل عن الرّجل. فغالباً ما يتمّ الحديث عن المرأة نسبة للرّجل، بيد أنّها إنسان له خصوصيّته وامتيازاته سواء حضر الرّجل أم لم يحضر. وعند تقييم المرأة كإنسان يتمّ مقارنتها مع الرّجل ما يعيق التّعمّق في كينونتها الحرّة المستقلّة عنه. المرأة هي المرأة، والرّجل هو الرّجل، حتّى وإن كان الاثنان يكمّلان بعضهما في مكان ما، إلّا أنّها تبقى حاملة في شخصها قيمتها الخاصّة الجسدية والنّفسيّة والرّوحيّة. وعليها أن تسعى لتطوير هذه القيمة بنفسها دون أن تلجأ للرّجل كمخلّص لها، أو كعنصر أساسيّ في حياتها لا يمكن التّطوّر دونه. وإنّما الرّجل في حياة المرأة عنصر يكوّن معها صورة الإنسانيّة الكاملة، وبالتّالي ينبغي أن يكون ندّاً لها لا أن يكون سيّداً، أو مرجعاً لا تسير الحيا إلّا به. وبذلك لا نكون بصدد خلق مجتمع نسويّ يستبعد الحضور الذّكوريّ، وإنّما مراد القول إنّ المرأة الّتي يربّيها الرّجل والمرأة معاً تحتاج إلى أن تتعرّف على صورتها الإنسانيّة المستقلّة أوّلاً حتّى تتمكّن من مشاركة الرّجل في المجتمع والعائلة والوطن باتّزان وحضور مستقلّ فاعل لا مفعول به وحسب.

لو تأمّلت المرأة منهج حياتها سواء في العائلة أو العمل أو أيّ مجال اجتماعيّ، ستتيقّن من أنّها تنجز أعمالاً عظيمة نابعة من فطرتها. ولو تمّ صقل وتطوير هذه الفطرة ودعمها علميّاً وثقافيّاً، لتبيّنت قوّتها الكامنة في شخصها وجمالها الدّاخليّ الّذي ينبغي أن ينضح ويفيض على العالم، فيقوده إلى ما هو أفضل وأجمل. تمتلك المرأة مواهب خاصّة تمكّنها من خوض غمار الحياة واحتمال صعوباتها وإدارة مشاكلها تلقائيّاً. فعقلها قادر على استيعاب الأمور وتنظيمها وإعادة تشكيلها بديهيّاً. وروحها المنفتحة على المحبّة قادرة على الاحتواء دون قيد أو شرط. الأمّ الّتي تربّي عدداً من الأبناء متفاوتي الأعمار لا تجد صعوبة في التّعامل معهم على المستوى الفكريّ والنّفسيّ والرّوحيّ. وبإمكانها أن تحاكيهم كلّ حسب بلوغه ونضجه وطباعه المختلفة. وفي ذات الوقت تحاكي بشكل منفرد الزّوج الّذي هو الآخر يتمتّع بشخصيّته الخاصّة ويتفرّد بطباع فرديّة. لعلّ هذا ما يصل إليه عالم النّفس بعد سنوات عديدة من الدّراسات والقراءات والأبحاث. وأمّا هي فمفطورة عليه وتنجزه تلقائيّاً. إنّها الأم والطّبيبة والمعالجة والمعلّمة والمدبّرة، إلى ما هنالك من امتيازات تحملها في ذاتها قبل أن تنتهج امتيازاً خاصّاً يكوّن لها مستقبلها.

المرأة الّتي يمكنها إدارة شؤون عملها، وعائلتها، ومجتمعها في اليوم الواحد، تعبّر عن إنسان يتمتّع بخاصيّة التّفوّق والإبداع. ما يدلّ على عقل مركّب بشكل عجيب، يمكنه إدارة الأمور على مختلف أنواعها وصعوبتها دون ارتباك. فهي إنسان فاعل في العمل ومدبّر في العائلة وفعّال في المجتمع. ومقولة “المرأة نصف المجتمع”، لا يقيّم شخصيّها بوضوح وعدل. لأنّها بهذه القدرات المتفاوتة تشكّل أساساً للمجتمع من العسير استئصاله أو غضّ النّظر عنه. ولئن تميّزت بهذا التّكوين وهذه القدرات استحال أيّ تخصّص علميّ أو ثقافيّ مكمّلاً لما هي عليه في الأصل. ما يقودنا إلى تحديد قيمة المرأة أو مساواتها بالإبداع. فهي ليست مبدعة، وإنّما هي الإبداع الّذي منه تتفرّع شتّى الإبداعات الاجتماعيّة والفنّيّة والتّربويّة والتّعليميّة… ولعلّ الباحثين عن حقوق

المرأة يضيّعون وقتهم في الكلام الكثير بعيداً عن الفعل. فالمرأة حتّى يومنا هذا، أقلّه في مجتمعاتنا، في حالة ردّة فعل على نظرة المجتمع لها. في حين أنّه ينبغي عليها أن تنتقل إلى الفعل مهملة أيّة نظرة تسيء لكينونتها الإبداعيّة. فتتخلّى عن عبء هذه النّظرة، وعن مبدأ المرأة الضّحيّة. طالما أنّها مدركة لإبداعها الذّاتي الخاصّ، فهي تتمتّع بقوّة خارقة تمكّنها من إثبات نفسها وفرضها ككائن فاعل في المجتمع.

ولمّا كانت المرأة تتمتّع بهذه القوّة فلا بدّ لها من التّخلّي عن تضييع الوقت في محاربة الرّجل وانتشال حقوقها منه. فحقّها تتحصّل عليه بالمثابرة والنّضال والاجتهاد والتّثقيف الشّخصيّ وليس بالانغماس في التّجاذب مع الرّجل. لأنّها بذلك تثبت أنّه حاجة بيد أنّه ندّ يتمّ التّعامل معه فكرّيّاً ونفسيّاً وروحيّاً على هذا الأساس.

إذا كانت المرأة ما زالت تبحث عن حرّيتها وحقّها وقيمة وجودها من خلال الرّجل، وإذا كانت ما برحت تنتظر منه أن يمنحها هذه الحقوق والامتيازات، فلا ريب أنّها تؤسّس لاستعباد من نوع آخر ولكنّه استعباد غير مباشر. لا يستحقّ أيّ إنسان حرّيّته وقيمته الإنسانيّة إلّا بمبادرة شخصيّة منه، واجتهاد وسعيٍ بقرار حرّ في تحقيق الكينونة الإنسانيّة.

إنّ هذه المسألة أيضا ليست بهذه البساطة الّتي قد يتخيّلها القارئ أو القارئة إنّها مسالة معقّدة وتحتاج إلى النّضال الثّقافيّ والكفاح الاجتماعيّ والإصرار السّياسيّ، فما مرّت به المرأة عبر التّاريخ وساهم في صناعة شخصيّتها لن يتم التّخلّص منه بجرّة قلم، وتأسيس بديل عنه ليتحرّك المجتمع في فضاء مختلف. لكن لا بدّ من مواصلة طريق التّغيير لعلّنا نصل يوما إلى تلك الصّورة المرجوّة لرجل وامرأة، يشكّلان مجتمعا إنسانيّا دون أن يتحكّم بعقل أحدهما حبّ السّيطرة والآخر وهم التّحرّر من هذه السّيطرة.

المقال السابقبغداد الاولى بامتياز !
المقال التالىحكم النخبة
مادونا عسكر كاتبة لبنانية من مواليد 1974. تعمل كمدرسة لغة فرنسيّة وعربيّة. لديها العديد من المقالات مجلات وصحف إلكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد