بغداد الاولى بامتياز !


 

للعام العاشر على التوالي حلت العاصمة العراقية بغداد كأسوأ مدينة للعيش في العالم في المسح السنوي الذي أجرته مؤسسة (ميرسر) العالمية للاستشارات والتي شملت 231 مدينة بالعالم لتحديد المستوى المعيشي الأنسب للمواطنين .. يبدو الامر محزنا وصادما للوهلة الاولى لكن اذا ما نظرنا الى المعايير المعتمدة لتحديد هذه المستويات فان الامر يغدو طبيعيا جداً .. ذلك ان المعايير هذه تشمل الاستقرار السياسي والرعاية الصحية والتعليم والجريمة والاستجمام والنقل .. وهي شروط يجب توافرها في اي مدينة لتحديد مدى الرفاهية التي يتمتع بها ساكنوها .. واذا ما نظرنا الى كل من هذه المعايير على حدة نجد ان الاستقرار السياسي يمثل العمود الفقري لاية دولة و ان الدول التي تحظى باستقرار سياسي لا بد ان تحظى بمستويات عالية من الرخاء والرفاهية .. حكومات متعاقبة حكمت البلاد لم تستطع الوصول بالبلاد الى بر الامان بسبب الصراعات السياسية و تناسل الازمات و التحديات الامنية الخطيرة التي عصفت بالبلاد كلها عوامل جعلت من الاستقرار السياسي حلما للمواطن يسعى للحصول عليه و معه يدفع فواتير باهضه كل يوم .. واذا ما نظرنا الى المعايير الاخرى يأتي قطاع الرعاية الصحية على رأس القائمة اذ تنفق حكومت العالم المليارات للقضاء على الامراض و الحرص على ابقاء المجتمع نظيفا خاليا من الامراض .. واذا ما نظرنا الى الواقع في العراق نجد على رأس المشاكل هي مشكلة شحة الادوية والعلاجات الطبية في المستشفيات الحكومية حيث يعتمد المواطن العراقي في الغالب على العيادات الخاصة و الصيدليات الخاصة لشراء العلاج .. وسط سيطرة تامة لمافيات الادوية على هذا القطاع .. كما تعاني الكثير من المستشفيات من شحة الاجهزة الطبية الضرورية اذ يضطر المريض في احسن الاحوال الى انتظار دوره في الفحص بهذه الاجهزة فترة قد تمتد الى اكثر من شهر !! او اللجوء الى العيادات الخاصة لاجراء تلك الفحوص بمبالغ كبيرة لا يطيق تحملها المواطن البسيط .. و يعاني الآلاف من الاعاقة والتشوهات الخلقية خصوصا في المدن التي شهدت استخدام اسلحة محرمة دوليا اثناء الحروب اما نسب الاصابات بامراض السرطان فقد تصاعدت بشكل مخيف .. فيما تعاني اغلب المراكز المتخصصة بالامراض من فقر واضح بسبب قلة التخصيصات مما يدفع المواطن الى البحث عن بديل عبر السفر الى خارج العراق في رحلات علاجية ..

اما قطاع التعليم الذي يعد معيارا اساسيا لتحقق مستوى الرفاهية فحدث عنه بلا حرج اذ ربما يبدو من الصعب على البعض تصديق ان في بلد يحتل ثاني اكبر احتياطي للنفط في العالم ما زال ضم مئات المدارس الطينية حتى اليوم !! و قد لا تجد مدرسة حكومية لا تعمل بنظام الدوام المزدوج لاستيعاب اعداد الطلبة ومواجهة نقص البنايات المدرسية .. اضف الى ذلك الاف البنايات المدرسية المتهالكة والتي تحتاج الى اعادة ترميم او اعادة بناء ..ناهيك عن مشكلة التدريس الخصوصي و العنف ضد الطلبة والعنف ضد المدرسين ومشكلة تغيير المناهج الدراسية و مشكلة شحة الكتب المدرسية و المشكلة الاخطر شيوع الامية .. ووفقا لتقارير اليونسكو فان العراق كان يضم واحدا من اهم انظمة التعليم في المنطقة و نجح العراق خلال فترات السبعينيات والثمانينيات في القضاء على الامية لكنها اليوم ارتفعت بارقام تستوجب دق ناقوس الخطر .

اما مستويات الجريمة فتعاني بغداد كما مدن العراق الاخرى من ارتفاع مستويات الجريمة المنظمة حيث يحتل العراق المرتبة 35 عالميا في معدلات الجريمة طبقا لتقرير (نامبيو) العالمي لعام 2016 .. واذا ما نظرنا الى الجرائم الجنائية (الغير ارهابية) نجد ارتفاعا كبيرا لمستوياتها وفي مقدمة تلك الجرائم تأتي جرائم القتل والخطف و السطو المسلح والمخدرات و تزوير العملة و التهريب ..

اما فيما يتعلق بالاستجمام فلم تعد بغداد وجهة سياحية كما كانت ابان فترة السبعينيات والثمانينيات مثلا حيث كانت بغداد وجهة سياحية للكثير من السياح الخليجيين .. فغياب المرافق السياحية و قلة المساحات الخضراء وقلة العناية بالمرافق السياحية التاريخية اضافة الى نقص الخدمات بشكل عام اضف الى ذلك ان مدينة يعاني ابنائها من مشكلة غياب الامن والاستقرار كيف لها ان تكون وجهة سياحية؟! كل هذا احال بغداد الحضارة الى مدينة تشكو الفوضى والتلوث و سمعتها العالمية بانها مدينة يسودها القتل والخراب ..

اما مشكلة النقل فيكفي ان نذكر ان غياب التخطيط في العراق ادى الى اغراق شوارع بغداد والعراق عموما بملايين السيارات اضف الى ذلك قدم شبكات النقل من شوارع و جسور وانفاق .. فالاحصاءات الرسمية تشير الى وجود أكثر من خمسة ملايين سيارة في العراق و أن “العاصمة بغداد احتلت المركز الأول في عدد السيارات بـ 2.1 مليون سيارة، يضاف اليه ان الكثير من الطرق ما زالت مغلقة لاعتبارات امنية او طرق متهرئة جراء مرور الشاحنات الكبيرة والصهاريج في الشوارع العادية كل هذا جعل بغداد من اكثر العواصم ازدحاما على مستوى المنطقة والعالم ..

مما تقدم نقول ان بغداد استحقت وبكل اسف هذا اللقب وبجدارة رغم كونها تعد من المدن التاريخية في العالم و كانت تعد مركزا حضاريا و علميا للعالم بأسره .. فهل يصحو ساستها و ابناءها يوما لتغيير هذه الصورة المشوهة و الاعتناء بمدينتهم التي نسج عنها العالم حكايات الف ليلة و ليلة و كانت محط انظار العالم و مدينة السحر والخيال و اضحت اليوم و بامتياز المدينة الاسوأ للعيش في العالم ..

المقال السابقكم مئة عام من التمني ..
المقال التالىماذا يعني أنّكِ امرأة؟
عمر الحيالي صحفي ومدون عراقي من عائلة صحفية.. بدأ حياته الصحفية من خلال التحقيقات الصحفية في جريدة الزمان عام 2007 و له مساهمات عديدة في هذا المجال .. انتقل بعدها لولوج عالم الصحافة الفنية من خلال عدد من المؤسسات الصحفية في العراق قبل ان يؤسس مدونة دنيا فن والتي تعتبر الموقع الاول في تغطية اخبار الف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد