(( الأستاذ الجامعي والبيئة الأكاديمية ))

 

لا حاجة بي إلى القول , إن الجامعات العربية على كثرتها لا زالت قابعة تحت مظلة التيبس العلمي والفكري , ولا زالت أساليب الإملاء والتلقين والحفظ مهيمنة على الفضاء الأكاديمي .

يقول العالم التربوي الهندي كرشنا مورتي ” إن كامل تنشئتنا وتعليمنا قد جعل منا كائنات خائفة من أن تكون مختلفة عن جيرانها , خائفة من أن تفكر بشكل مغاير للأفكار المؤسسية في المجتمع , تحترم بزيف السلطة والعادات والتقاليد ” .

الجامعة مؤسسة لرُقي العقل ولصنع المعارف والمعلومات ولصقل المواهب وزرع شتلات العلم والمعرفة والحرية وأداة من أدوات خلق وتعضيــد الهوية الوطنية والقومية والدينية واللغوية , ومؤسسة لنهضة ونماء المجتمع , وليست جزيرة نائية عن المجتمع , فهي تؤثر وتتأثر بما يعتمل في المجتمع من عناصر للصلاح والطلاح بمستويات متباينة .

ولعل حجر الزاوية في العمل الأكاديمي يرتكز أساساً على الرأسمال البشري ,

فجودة عضو هيئة التدريس عنوان بارز لجودة المؤسسات الأكاديمية .

فليس من المنطق بتاتاً فتح أبواب الجامعات لعناصر لا تنطبق عليهم صفات الأستاذ الجامعي , لا من زاوية علمية ولا أدبية ولا أخلاقية ولا سلوكية, ثم نأتي ونصرخ في البرية مطالبين بجودة الأداء الأكاديمي .

جودة المؤسسة الأكاديمية مرهونة بجودة الرأسمال البشري وبالبيئة الأكاديمية السليمة , فثمة معايير لتحديد الجودة العالمية للجامعات كما حددها معهد التعليم العالي

في جامعة شنغهاي : –

1- معيار جودة التعليم .
2- معيار جودة الكلية .
3- معيار جودة الأبحاث العلمية.
4- معيار حجــم المؤسسة .

والمعايير السالفة الذكر شديدة الالتصاق بأداء وفعالية عضو هيئة التدريس , الذي لا يستطيع أن يؤدي رسالته في مناخ أكاديمي مريض .

وبيئة العمل العلمي إما أن تكون صالحة لنماء العلم والمعرفة والحرية والتقدم والاستقلال الأكاديمي والفكري والنهضة العقلية , وإما أن تكون مناخا مريضا مترعا بالرثاثة والصراعات والوشايات والدسائس و تستشري فيه التمزقات والانكسارات , وقاتلة ومحبطة للأستاذ الجامعي ,تحول الأستاذ الجامعي إلى كائن محبط وتشل فعاليته وتفتك بروح الانتماء الأكاديمي وتجمد تفكيره المتقــد وتحوله إلى كائن مسربل بالشك والضباب , ليخرج من طوره غير مكترث بالأمانة الأكاديمية ومضعضع الضمير الأكاديمي , نتيجة التدمير العــمدي لكيانه وعقله ومهجته وقلقه الأكاديمي .

وينغرس في قلب مفهوم البيئة الأكاديمية : الأستاذ , الطالب , الإدارة , المناهج والخطط الدراسية , التجهيزات المخبرية والمادية , وشبكة الاتصال , والمكتبات , النظم والقوانين , والحقوق والوجبات , والمباني والقاعات الدراسية , والمساحات ودورات المياه , والعلاقات الأكاديمية في الفضاء الأكاديمي .

ويمكن تعريف البيئة الأكاديمية بأنها : كل ما يحيط بعضو هيئة التدريس من بشر وبُنى وعلاقات ومناشط علمية وتجهيزات مادية ومواقع جغرافية ولوائح وقوانين وإدارة ومؤسسات وخدمات عامة .

وليس من قبيل التربص والتصيد للأخطاء القول , أنه شاعت في الفترة الأخير في مجتمعاتنا ما أصطلح تسميته ” بثقافة الحجارة” والتي يقصد بها الاعتناء بالمباني والعمارات الفخمة مع إهمال للقدرات والكفاءات العلمية والذي يؤدي إلى قحــط معرفي وثقافي .

فلابد من الاعتناء بعضو هيئة التدريس وبالجودة الأكاديمية الشاملة , لأن ” رداءة التعليم الجامعي هــي ســر التخلف التنموي الذي لا يرفعه بناء مطارات حديثة , أو طرق سريعة , أو مصانع هائلة , أو أسواق باهرة أو بيوت فاخرة ” ” عبد الرحمن الراشد ” .

لا تعليقات

اترك رد