الدِماغ الأزرق..؟!!


 

_ لا ينطوى الأمر على مجرد بحث نظري يفيض بالتفاؤل، وإنما مشروع حقيقي أوشك أن يثمر معجزة علمية مذهلةو”مُفزِعة”ستغير شكل المستقبل

_ مشروع الدماغ البشري Human Brain Project (HBP) هو ذلك المشروع العملاق على نطاق واسع وطويل للبحوث الأمريكية-الأوروبية التي تهدف لأول محاكاة كاملة للدماغ البشري ووظائفه التامة على ما يسمى بالسوبر كمبيوتر.. والهدف المُعلَن من هذا المشروع هو سحب كل معرفتنا الحالية من الدماغ البشري وإعادة بناء الدماغ قطعة قطعة لنماذج المحاكاة الحاسوبية ودمجها بالتكنولوجيات الروبوتية ظنا أن تلك النماذج تقدم احتمال فهم جديد لدماغ الإنسان وأمراضها بطرق معلوماتية جديدة تماما..

وقد أيدت المفوضية الأوروبية هذه الرؤية معلنة أنها اختارت مشروع الدماغ البشري باعتباره واحد من المشاريع التي سيتم تمويلها مبدئيا بمليار يورو من خلال البرنامج الرئيسي FET EU الخاص بالإتحاد الأوروبي وبالعمل جنباً إلى جنب مع 86 مؤسسة أوروبية بحثية.. ومن المخطَط للمشروع أن يمتد إلى السنوات العشر القادمة  حيث سيقوم المشروع أيضا بربط أمريكا الشمالية والشركاء اليابانيين.. ولهذا أعلن الرئيس الأمريكى السابق أوباما تمويله لهذا المشروع ب 3 مليار دولار كدفعة أولى.. والذي يُفترض أن يشمل أيضا الأعصاب والمجسات الصناعية لنقل الإشارات والأوامر بصورة كاملة..

_ بينما يتم بالتوازي معه تطوير مشروع “الدماغ الأزرق” Blue Brain Project والذي بدأ العمل به في مايو 2005 وهو محاولة لخلق الدماغ الإصطناعية الكاملة لأول مرة عن طريق الهندسة العكسية لدماغ الثدييات وصولاً إلى المستوى البشري باستخدام ما يسمى الحاسوب العملاق للجين الأزرق Blue GeneSupercomputer عبر تشغيل برنامج NEURON ..

_ والمحاكاة لا تتكون ببساطة من مجرد شبكة عصبية اصطناعية، ولكنها تنطوي على نموذج واقعي بيولوجياً من الخلايا العصبية.. حيث أن من شأن ذلك المشروع في نهاية المطاف تسليط الضوء بصورة تامة على طبيعة الوعي.. فالوعي هو الهدف الأساسي من تلك المشروعات.. وكيفية التداخل به أو نقله بصورة تقنية.. كما أن ذلك المشروع يضم أيضاً عدد من المشاريع الفرعية، بما في ذلك مشروع “دماغ كاجال الأزرق” Cajal Blue Brain… بالتنسيق مع مركز الحوسبة الفائقة في مدريد (CeSViMa) وغيره من المراكز البحثية والمختبرات المستقلة..

_ وقد صرح “هنري ماركرام” مدير مشروع الدماغ الأزرق في عام 2009 في مؤتمر TED في أوكسفورد وفي مقابلة في قناة بي بي سي وورلد سيرفيس بقوله “ليس من المستحيل بناء دماغ الإنسان كاملاً، ونحن نستطيع أن نفعل ذلك في 10 أعوام، واذا أتممنا العمل بشكل صحيح يجب أن يتكلم ويكون له الذكاء والتصرف والوعي كما يفعل الإنسان تماماً.. حيث تم بالفعل مابين عامي 2005 و2008 الانتهاء من اول نموذج للخلية الاصطناعية الكاملة المطابقة لخلايا المخ وبناء المحاكاة على المستوى الجزيئي الذي يسمح بدراسة آثار الأداء الجيني “!!!!

_ أما عن عمليات نقل الوعي الانساني الكترونياً “تحميل الدماغ”.. فلنا أن نعرف أن المخ البشري يحتوي على حوالي 100 مليار خلية عصبية، كل منها يسمى “نيورون”. كل نيورون يتصل بالأخر عن طريق محور عصبي axon وتكوين متفرع يشبه تفريعات الشجرة يسمى dendrite, ويتم الاتصال بين هذه الخلايا العصبية عن طريق إطلاق -والتعرف على- مواد كيمائية هي الناقلات العصبية neurotransmitters. هذه العمليات المعقدة من إطلاق النقلات العصبية ونقلها بين الخلايا والتعرف عليها هي ما يكوّن العقل البشري.

_ ويؤمن العلماء أن الوظائف الحيوية التي يؤديها العقل، كالتعلم والتذكر والوعي هي نتيجة للأنشطة الكهروكيميائية التي تجري في المخ، والتي تخضع لقوانين معينة يمكن اكتشافها وتطبيقها.

_ وتعتمد الفكرة على أن عملية تسجيل المعلومات من المخ مؤسّسة على مجموعة من الفرضيّات التابعة للفلسفة الآلية mechanism عن طبيعة الوعي البشري، وفلسفة الذكاء الصناعي، وعلى أن ذكاء الماكينات يماثل في طريقة عمله أسلوب عمل الذكاء البشري.. حيث ترى الفلسفة الآلية أن الحياة ما هي إلا مجموعة من التفاعلات البيوكيميائية.. بينما ترى الفلسفة الحيوية vitalism التي تعارضها أن الحياة لا يمكن قياسها بهذه الطريقة، وأن هناك ما يسمى بالمبدأ الحيوي الذي لا يمكن قياسه بالطرق الفيزيائية والكيميائية المعروفة.

هناك أيضا ما يسمى بعلم الأعصاب الحسابي، وعلم المعلوماتية العصبية، وهي علوم تبحث في كيفية تخزين المعلومات في الخلايا العصبية للمخ، في محاولة لكشف كيفية عمل المخ. وتتداخل هذه العلوم مع علوم أخرى مثل الذكاء الاصطناعي، وأحد فروع الطب الحيوي التي تهتم بمحاربة آثار الشيخوخة، ومشاريع التحول البشري الـ Transhumanism التي تدعو إلى استخدام التكنولوجيا لتحسين الخصائص العقلية والبدنية للإنسان. كل هذه الفروع العلمية تتحد معا من أجل تحقيق الفكرة.

ولكن يبقى السؤال الأهم..

* ما هي الفوائد أو التطبيقات المتوقعة في حالة التنفيذ؟

_ يمكن مثلا للشخص أن يحتفظ بنسخ احتياطية من المعلومات والذكريات الموجودة في دماغة دورياً مثلما نفعل مع الملفات الهامة في أجهزة الكمبيوتر.. بحيث إذا نسي الشخص معلومة ما يمكن أن يسترجعها بسهولة من النسخة الإحتياطية!! إذا تعرض الشخص لفقدان ذاكرة مثلاً فيمكن إعادة كل ذكرياته آلياً من النسخة الاحتياطية.

_أيضاً.. يمكن نقل محتوى دماغ الشخص إلى دماغ شخص آخر بعد مسح ما فيها ؟؟ وبالتالي فإن شخصية الشخص الأول ستنتقل فعليا إلى جسد الشخص الثاني، وهذا يمكن تنفيذه في حالة الأشخاص المصابين بأمراض قاتلة أو الذين وصلوا إلى سن الشيخوخة،والذين قد أصيبوا بمرض الزهايمر.. وبالطبع اهمل هذا التقدير العامل الروحي وتعامل مع العواطف بصفتها معلومات واشارات مخزنة!!

يمكن أيضا صنع عدة نسخ من دماغ الشخص ونقلها إلى أدمغة عدة أشخاص آخرين.. بحيث تكون هناك عدة نسخ من نفس الشخص في نفس الوقت.. وهكذا سيستطيع هذا الشخص أن يتواجد في عدة أماكن في نفس الوقت.. ويكتسب خبرات أكثر بكثير إذا تم جمعها بعد ذلك في دماغ واحد!!..

_ لكن هنا سينشأ سؤال آخر:

ماذا بالنسبة للأشخاص الذين مسحنا أدمغنهم لتحتلها أدمغة أشخاص آخرين؟؟ ألا تعد عملية مسح الهوية هذه عملية قتل؟؟ وهل يعني وجود أجسادهم سليمة وعلى قيد الحياة أنهم أحياء فعلا أم أنهم انتهوا فعلياً عند مسح أدمغتهم؟!!.

_ فمن الأفضل عزيزى القارئ أن نترك الإجابة على هذا السؤال لقادم الأيام.. هذا الهدف ينطوي على قدر كبير من الطموح، فالدماغ البشري فيه حوالي 100 مليار خلية عصبية، ترتبط فيما بينها بترليونات الوصلات.. أي انه أكثر تعقيداً من أية دائرة كهربائية حاسوبية. ولذلك يبدو بناء بصمة رقمية كاملة للدماغ أقرب للمستحيل، وهو ما دفع أحد علماء الأعصاب البارزين إلى التشكيك بجدوى المشروع والحكم عليه مسبقاً بفشل.

_ ولكن.. مشروع الدماغ الأزرق بدأ يبرهن للمشككين أنهم مخطئون.. فالبرنامج الحاسوبي العملاق الذي يتم تطويره، يستطيع منذ الآن محاكاة سلوك «العمود القشري»، الذي يمثل وحدة البناء الرئيسة للقشرة الدماغية الجديدة، وهي الطبقة الخارجة المتغضنة من المادة الرمادية التي تغلف نصفي الكرة المخية. ويقول ماركرام: «العمود القشري هو الجزء الأكثر تعقيداً في المخ. وإذا حلت هذه المشكلة، فإن إنجاز البقية تحصيل حاصل».

_ ومن الصعب ألا يقتنع المرء بكلمات ماركام التي تفيض بالثقة، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الإنجازات الكبيرة التي حققها على أرض الواقع إلى الآن. فلقد عكف منذ 1994 على جمع البيانات من تجاربه المختبرية، بانتظار اليوم الذي تصبح فيه أجهزة الكمبيوتر قوية ما يكفي لبناء عقل افتراضي قائم على أساس بيولوجي.

وفي المقر الرئيسي للمشروع في «إيكول بوليتكنيك فيدرال» بمدينة لوزان السويسرية، يقوم فريق من 35 باحثاً بدراسات مستفيضة تمحّص في كيفية عمل خلايا الدماغ وداراته الكهربائية. ويقول ماركام» استغرق مني الأمر 15 سنة و15000 تجربة لاستنباط المخطط العصبي الكهربائي التفصيلي لكيفية عمل خلايا العمود القشري. واليوم يستطيع مختبري إنجاز هذه المهمة في شهرين فقط.»

تعتمد الشخصية المميزة لكل خلية عصبية على طريقة ترتيب الأقنية الأيونية في غشائها الخارجي. وتتحكم هذه الأقنية بتدفق الذرات المشحونة كهربائياً أو «الأيونات» من وإلى الخلية، موجدةً بذلك التيارات التي تولد النبض العصبي الكهربائي. ويقول ماركام «هناك حوالي 200 من هذه الأقنية ونحن بحاجة إلى إيجاد نماذج تمثيل رياضي لكل منها».

_ وعندما يشتغل نظام الدماغ الأزرق على كمبيوتر عملاق، يضم 8192 معالجاً، فإن كل واحد من هذه المعالجات سيتولى حساب الأرقام التي تمثل تلك الأقنية الأيونية، وهي حسابات معقدة جداً لدرجة أن محاكاة خلية عصبية واحدة يتطلب كمبيوتر محمولاً بقوة 700 ميغاهيرتز.

_ والشكوك لا تتعلق بالجانب العلمي من المشروع بل بالجانب المالي، حيث سيحتاج المشروع على المدى البعيد إلى استثمارات بقيمة مليارات الدولارات لتمويل بناء الكمبيوترات العملاقة فضلاً عن مواصلة الدراسات لجمع البيانات الحقيقية من التجارب المختبرية.

_ وتجدر الإشارة هنا إلى أن قوة الكمبيوترات السوبر تتضاعف، في المتوسط، ألف مرة كل 10 سنوات، ولهذا السبب يتحدث ماركرام بثقة عن التوصل إلى بناء دماغ بشري افتراضى خلال عشر سنوات.

_ ويقول ماركرام: «هذا الأمر ممكن تقنياً وبيولوجياً خلال عشر سنوات، إذا سارت الأمور على مايرام.»، مشيراً إلى الشكوك في هذا الميدان لا تتعلق بالجانب العلمي من المشروع بل بالجانب المالي، حيث سيحتاج المشروع على المدى البعيد إلى استثمارات بقيمة مليارات الدولارات لتمويل بناء الكمبيوترات العملاقة فضلاً عن مواصلة الدراسات لجمع البيانات الحقيقية من التجارب المختبرية.

_ وإذا قدر بالفعل النجاح لمشروع الدماغ الأزرق، خلال العقد المقبل، فقد نشهد شكلاً ذكياً جديداً للحياة على الأرض، يطلق شرارة تحول علمي واجتماعي وسيكلولوجي لم يشهد العالم له مثيل. ومن يدري، فربما تبدو المشاكل الأخلاقية التي تثار اليوم حول قضية إجراء التجارب على الحيوانات ضئيلة الأهمية، بالمقارنة مع الجدل الذي قد يثار حول فكرة تعذيب العقل الآلي الواعي الجديد.

_ وحتى يتمكن الدماغ الافتراضي من محاكاة نشاط الدماغ البشري، ستكون هناك حاجة إلى كمبيوتر أسرع. ففي عام 2005، عندما استحوذ المختبر الذي يعمل فيه ماركرام على الكمبيوتر العملاق «بلو جين إل» الذي يستطيع القيام بحوالي 23 مليار عملية حسابية في الثانية، كان هذا الكمبيوتر يصنف في الترتيب العاشر في قائمة أقوى انظمة حاسوب في العالم. أما الآن فقد تراجع إلى الترتيب 395.

حيث يحتل الترتيب الأول الآن كمبيوتر آي بي إم الجبار «رودرانر»، حيث يستطيع القيام بـ 7,1 بيتافلوب (ألف تريليون) عملية حسابية بالثانية. وهي قوة تكفي لمحاكاة عمل دماغ فأر بالكامل.

لكن محاكاة الدماغ البشري تحتاج إلى نظام أقوى بألف مرة من «رودبانر»، اسرع كمبيوتر بالعالم حالياً، حتى يصل إلى قوة الدماغ البشري في المعالجة والتي تقدر بـ «كوينتليون» عملية بالثانية. (أي واحد وإلى جانبه 18 صفراً).

لا تعليقات

اترك رد