أقايض حصتي من الجنة بحضن أمي


 

استحالة عليّ حين أقفُّ على ملكوت السماء، وقدمايَّ ترتجفان على رخام القيامة، وأطراف روحي التي قامت من موتها الثاني، ترتعش في فناء العرش أن أنكر خطاياي التي اقترفتها، والآثام العظيمة التي جرحتها نفسي؛ لكنني سأغامر وأتجرأ وأسأل الله الملك القدوس السلام أن يعوضني حرماني الكبير من أمي، وأن يمنحني قطعة من الجنة أعيش عليها ما فاتني من حنان وعواطف قد سُلبت مني في الحياة الأولى.

سأجثوا على ركبة قلبي عند أقدام الله لأبوح له عمَّ فعله بي الشرق الكئيب وكيف استباح أيامَ عمري واغتصب سنيني وفضَّ بكارة الدفء من روحي وطردني بعيداً عن حضن أمي، وانتهك حقوقي في أن أعيش آمناً، هانئاً، في كنف وطني سأشتكي إليه وأقول له:

إلهي الأعظم، وعلمك سابق لعلمي وتدري أننا في الشرق نُخلق عراة على هيئة بكاء، نرضع من ثدي الشرق المترهل حليب كامل القهر، قدرنا أن نكون نسلاً بائساً يلدُّ من صلب هذا الشرق الملعون. الشرق الملحد بحقوق الإنسان وعبادة الفرح، والعيش الكريم، يدفعنا الطغاة بقوة الجوع والاضطهاد، لكي نتشرد كقطط الليل، نلبس معاطف الاغتراب، يبعدوننا عن تراب أوطاننا ونقصى بعيداً فنتدحرج كتلة من وجع إلى بلاد ليس لنا فيها إلا الحنين والبكاء.

سأزحف على تراب العرش على أضلع صدري المتكسرة، وأمسك بأثواب الملائكة البيضاء استجدي فيهم ليسبّحوا ويستغروا لي قبل أن يقتصَّ الله مني لعل الله يتركني لبرهة من العمر أتجول في شوارع السماء مع أمي، أحتضن كل ما فيها؛ فلا حرب تشغلني عن حضنها، ولا غربة تأخذني منها. استنشق من مسامات روحها ما ضاع من عطرها وما راح من عمري حين كان بلا أمي.

أُصغي لصوتها المبحوح باللهفة والشجن؛ ذاك الصوت الذي كنت أسمعه في الحياة الدنيا عبر أسلاك الهاتف المتقطعة، هذا الصوت الذي عشت على فتات دفئه لسبعة أعوام ونيف من الشوق واللوعة وهيستريا الحنين.

سأشحذ العطف من حملة العرش أتوسل قلوبهم في أن يكافئني الله بحفنة سنين ضوئية لأرسم خارطة لوطن يشبه وطني؛ ذاك الوطن الذي أحرقه الطغاة وتركوه في أيدي المنحرفين والمجانين؛ سأقايض الله على حصتي من الجنة بحضن أمي. بعطر أمي، بثوب أمي المشجر.

منذ أعوام ولا حلم يراودني سوى أن يرنَّ الهاتف بطنين يعزف صوت أمي لتقول لي:

– شلونك يا عمري وشلون أولادك؟ مشتاقة لك يا روحي أدعي ربي يطول بعمري بس حتى اشوفك واشمك يا عمري.

ثم تفرط على مسامعي مسبحة الدعاء الطاهر لا شيء يجعلني أصدق أن السماء تفتح أبوابها وتستجيب للدعاء إلا حين يخرج الدعاء من ثغر أمي وقلب أمي.

أي وطنٌ ملعون نعيش به، وأي شرق أحمق يقلّص أحلامنا إلى هذا الحد؟

هذا الشرق مثل امرأة عانس مهمومة، مهجورة القلب والمشاعر. جعلنا ننسى الحلم الكبير وهو الوطن، حتى صارت أعظم أحلامنا لا تتعدى الاطمئنان على أن أهلنا وهل ما زالوا على قيد الحياة. أفقدنا الذاكرة وبعثر شريط الذكريات، غيّرنا وشوه شكل احساسينا ولطخ قلوبنا ببقع الحزن والوجع.

أمي:

لقد مرَّ على فراقنا ألف حنين وألف خريف وألف صيف وألف شتاء، ولم يأتِ ربيع اللقاء يا أمي، أسافر من بلد إلى بلدٍ برفقة حقيبة أحمل فيها ثياباً دسستها على عجل وأنا أهرب من دموعك ومن سوط الوداع.

كنتِ تعلمين أنني في يوم سفري عنك لا أعود إلى البيت إلا بوقت متأخر من الليل والسكون لكي تنامي ولكي أتجنب ذاك العذاب وشهقة البكاء في حلقك المجروح. أتسحب على أطراف وجلي وخوفي لكيلا تشعري بي ولا تشمّي رحيق أنفاسي فيجلدك عطري. أعلم أنني لسبعة أعوام قد خلفتُ في بيتك مكاني خالياً والبرد صار يعصف في اغطية السرير المهجورة وثياب طفولتي الأولى؛ لكنني على يقين بأنني لم أترك بيت قلبك خالٍ مني، ولم أترك سريري عمري ما بين ضلوعك بارداً؛ أكره غيابي حين يُبكيك يا أمي. وأخاف أن غيابي هو عقوقٌ لك فليس العقوق أن يصرخ الابن بوجه أمه؛ لكن العقوق أن يوجع الابن قلب على فراقه وعلى غيابه.

“لأجلك يا أمي سأترك نصيبي من الجنة؛ لأن الجنة على الأرض وفي السماء هي فيك أنت يا أمي. ولأنك أمي، ولأجلك أنت يا أمي، أجلست الأمهات الرائعات والطيبات عرش ضميري، وفرشت لهن بيت وجداني وامتناني، وأقسمت أن أكون نبيلاً وطيباً لا كي يشكرنني أنا، بل ليشكرنك أنت يا أمي؛ فلا فضل لي على نفسي فالفضل كل الفضل لك أنت يا أمي”

لا تعليقات

اترك رد