سؤال الهوية العربية

 

سؤال الهوية العربية
الطروحات ، والجدل ، والنتائج

كثيرة هي الأقلام والدراسات التي تناولت الهوية الثقافية العربية منذ طرح هذا السؤال عبر قرنين من الزمان ، فجاءت النقاشات متراوحة بين البحث عن مصادر الهوية ، ومظاهرها ، وأزماتها ، وأيضا مختلفة في آرائها وفق منطلقات مفكريها وإيديولوجياتهم ، ومرجعياتهم الفكرية ، وتكويناتهم المعرفية ؛ فكانت المحصلة ظهور رؤى متعددة للهوية الثقافية العربية ، يمكن إيجازها في محاور:

أولها : إسلامية الطابع تتسق مع تكوين الأمة منذ القدم ، وكونها حضارة نصٍ مقدس ، وثانيها : عربية الانتماء والثقافة ، وهي نابعة من طروحات التيار القومي التي سادت عقود من القرن العشرين ، وهي وإن كانت تعترف بالبعد التراثي في الثقافة العربية ، إلا أنها تتبنى الاشتراكية حلا لمشكلة غياب العدالة الاجتماعية ، وعلاج ثالوث : الفقر والجهل والمرض ، وقد غلبت عليها النزعة الشمولية غالبة ( والإقصائية أحيانا ) في تعاملها مع الطروحات الأخرى. وثالثها: التيار الليبرالي وهو في مجمله لا ينفي الدين ولا القومية عن مكونات الثقافة العربية ، بل يضعهما ضمن أنساق المجتمع الفكرية والثقافية ، على أن تكون منظومة المجتمع السياسية والتشريعية علمانية الطابع .

رابعها : تيار الانتماءات الإقليمية ، ويقصد به الانتماء إلى دائرة إقليمية أضيق في الجغرافيا ، وأوسع من حدود القطر ، مثل تيار الشرق أوسطية ، الذي نادى به عدد من المفكرين ، وأبرزهم لطفي الخولي في كتابه ” عرب ؟ نعم وشرق أوسطيون أيضا الصادر عام 1994م ، وكان هذا التيار تمهيد للاعتراف بإسرائيل كدولة شرق أوسطية ، عقب معاهدات السلام بين

بعض الدول العربية وإسرائيل . ويدخل ضمن هذا التيار الدعوات إلى الانتماء إلى ( المتوسطية ) أو ما يسمى إقليم البحر المتوسط : حضارات وشعوبا وتكوينات ثقافية ، وأيضا ما يسمى بدعاوى الأفرقة والآسيوية التي نادى بها البعض . وأيضا التجمعات الإقليمية مثل : دول مجلس التعاون الخليجي ، والاتحاد المغاربي العربي ، ودول حوض النيل ( الأندوجو ) وغيرها .

خامسها : تيار القطرية وهو تيار متعاظم ، وقد بدأ في الفكر العربي المعاصر مبكرا ، رغم عدم وضوحه ضمن الصراعات الفكرية السابقة ، إلا أنه كان جليا، وله رواده ومفكروه . وفكرة هذا التيار تعتمد على تعظيم الانتماء القطري ، والبحث عن هوية للوطن / القطر / المكان / الشعب ، وتعميق المواطنة ، وبناء الدولة الحديثة ، وتطرف مفكرو هذا التيار مطالبين بالنأي عن الصراعات الإقليمية والجغرافية . ولعل أبرز رواده الروائي المصري نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهما . وهو تيار نال حظا كبيرا من الوجود فيما يسمى نزعات القطرية التي وجدت أن تجارب الوحدة العربية باءت بالفشل ، واكتوت أقاليم العروبة بالخلافات العربية ، ففضلوا الانكفاء على الذات ، وبناء الوطن، والبحث عما يعزز الهوية القطرية تاريخا وحاضرا ، فتغنوا بالحضارات التي نشأت في بلدانهم مثل الفرعونية في مصر ، والآشورية والبابلية في العراق ، والفينيقية والكلدانية في الشام وغيرها .

وهناك تيارات أخرى تقاطعت مع هذه التيارات الأساسية ، مثل الأقليات الإثنية ( الأكراد في العراق وسورية ، والبربر في الجزائر والمغرب، وقبائل جنوب السودان ) ، التي طالبت بالاعتراف بثقافتها ، ودمجها ضمن أطياف المجتمع . ونفس الأمر حدث مع الأقليات الدينية ( النصارى ، والدروز ، وغيرهم ) .

ولكن يبقى السؤال معلقا : علامَ أثمر الجدل السابق ؟ هل تم الوصول إلى صيغة مشتركة أم لا يزال الأتون مشتعلا ؟

لا شك أن الإجابة لن تكون بالإيجاب ، فهذه التيارات بدأت بأسئلة جوهرية ذات بعد تأملي ، طامحة إلى وضع فلسفات لخطط النهضة ، والرغبة في التحديث، ولكنها فوجئت بعشرات المشكلات التي انعكست بوضوح في تعثر مشاريع النهضة ، وعدم تحقيق أهدافها المبتغاة ، وزيادة نزعة السلطوية ، وتعاظم الأنا القطرية ، وانضواء المثقفين تحت أضراس السلطة ، أو انزوائهم في حيواتهم الخاصة ، في حين غرقت الشعوب في جحيم الغلاء والبحث عن لقمة العيش، وزاد الإحساس لديهم بالاغتراب عن الوطن ، ولاذ الكثيرون بالانتماءات العرقية والقبلية والمذهبية ، على حساب الانتماء إلى هوية ثقافية واحدة . ليكون المشهد في بداية الألفية الثالثة : عالما عربيا ممزقا ، تيارات فكرية متصارعة ، لا تكاد تتفق على أجندة واحدة داخل الوطن ، ناهيك عن الاتفاق على أجندة عربية ضمن منظومة المصالح العربية العليا ، وشعوبا فضلت الصمت والغرق في الانشغالات اليومية هربا من نير سلطات دكتاتورية الطابع ، ديمقراطية الشكل، ومن ثم التحق المثقف – بحكم ضائقة العيش – في زمرة بسطاء الشعب ، مفضلا تأمين الذات والانكفاء عليها وعلى أسرته بدلا من عسف السلطة أو مثقفي السلطة .

وهذا ما يدعونا إلى إعادة النقاش لعلنا نصل إلى رؤية مشتركة ، ونرى أن سؤال الهوية العربية يحتاج إلى نقاش من زاوية أخرى ، تتعلق بمنهجية التفكير العربي ذاته، ولاشك أن النقاش سيكون ذا صبغة عمومية ، تنظر

بشكل أكبر، وتعترف في الوقت ذاته بوجود استثناءات جادة ، تخالف هذه العمومية ، وهذا منطق الأمور ، ولكن طرح هذه الإشكاليات مهم للتعرف على مكامن الخلل ، ربما نصل في النهاية إلى الاتفاق على مداخل مشتركة في جدل الهوية، أو على الأقل طرح أسئلة جادة ، تعيد تأسيس خطاب جديد جاد .

فمن تشوهات التفكير العربي في مناقشته لسؤال الهوية ، أنه يتعامل مع هذا السؤال بفكر أحادي البعد ، انفعالي غير تحليلي ، فإما أن نكون إسلاميين أو لا نكون ، قوميين أو لا نكون ، قُطريين أو لا نكون ، وهذا ما يمنع التواصل ، وينفي الآخر ، ويجعل العقول متجمدة عند مقولات واحدة ، ويحبس أبناء كل تيار في خندق واحد ، وعندما يلتقون يكون حوارهم كحوار الطرشان لا سجال العلماء ، كما نرى في بعض حلقات برنامج الاتجاه المعاكس .

أيضا ، فإن خطاب الهوية ، يتعمد تجاهل المناطق الرمادية ، في تركيزه على النظرة الأحادية : إسلامية أو قومية أو ليبرالية ، ونعني بالمناطق الرمادية، الأقليات الإثنية ، والدينية ، والمذهبية ، التي استطاع التيار القُطري أن يحتويها ضمن منظومة المواطنة ، ولكن خطاب الهوية يتجاهلها ضمن البحث عن ملامح الهوية الشاملة ، وهذا أنتج إحساسا بالتناقض لدى أبناء هذه الأقليات ، فالأكراد في شمال العراق – على سبيل المثال – يشعرون بالغبن الشديد من قبل القوميين العرب ، الذين انتصروا للسان العربي والثقافة العربية على حساب تهميش الثقافة الكردية ، رغم أنها إسلامية الفكر ، وهم ذوو مساهمات تاريخية وحضارية لا يمكن إنكارها ، وتهميشهم من قبل القوميين جاء بدعوى دمجهم في دولهم ، وفي الواقع كان إلغاء ولّد سخطا وعداءً .

لا تعليقات

اترك رد