ماكدونالدية بغداد

 

لم يمض على بناء المجمعات التجارية (المولات) ومراكز التسوق اكثر من بضع سنوات، وهناك مجمعات قيد الافتتاح واخريات قيد الانشاء، وجميعها تحاكي المجمعات التجارية في الدول الغربية، وتهدف الى توفير جوّ فريد ومميّز وبمستوى فاخر وعالمي، فتراها مؤهلة بأجواء هادئة ومكيّفة من كل الجهات بأرضيتها الرخامية الملمعة والسلم المتحرك الصاعد والنازل، والحمامات النظيفة، والمطاعم والمقاهي التي تعتبر امتداداً لسلسلة مطاعم ومقاهي ذائعة الصيت في جميع انحاء العالم. وفي داخل المولات يمكن ملاحظة المتسوقين بأنواعهم، وهم ينتقلون ازواجاً ومجموعات؛ عوائل واطفال، شباب وشابات في اواخر سن المراهقة او بداية العشرينيات، بهيئات نظيفة وذقون حليقة، يرتدون ملابس جديدة وبعلامات تجارية شهيرة.

ومن المتعارف عليه لا شعورياً، فأن هؤلاء (المتسوقين) لم يأتوا لغرض (التسوق) بحد ذاته! ومن الطبيعي جداً ان لا تجد الكثير من الموجودين ممن يحمل اكياس المشتريات، فأسعار المحال باهظة الثمن، وليس بمقدور الكثيرين منهم أن يتحملوا تكاليف البضائع التي تباع هناك. ولذلك تجد ان اغلبهم قد جاءوا لغرض الفرجة والتصوير والاستمتاع بالمناظر على الاغلب، او الى الاطلاع على آخر الصيحات، او لمقارنة الاسعار لا غير. وهناك من يأتي الى المولات لغرض خوض تجربة الانتماء الى العالم الاجنبي، والى الطبقة المرفهة والغنية، عن طريق التشبه بالذوق العصري، وارتداء الملابس المناسبة، والتصرف ببعض السلوكيات الراقية، لغرض اظهار الانتماء الى الطبقة فوق المتوسطة والطبقة الغنية من المجتمع، على الاقل في الفترة المتواجدين فيها في المول، ثم يعودون بعد ذلك الى الحالة الطبيعية في النهاية، ويرجعون الى اسواقهم الشعبية للتبضع حيث الاسعار الانسب، وحيث الدَين والتقسيط المريح، والتخفيضات والمساومات الحادّة.

إن ظهور الاشخاص وتمظهرهم في المولات بشكل محسن وجذاب اكثر من مظهرهم الحقيقي وعملية ابراز شخصياتهم بشكل مستحدث وايجابي قد تحقق على كل حال، واصبحت المجمعات التجارية هي الواجهة الاعلامية المتحضرة في وسائل الاعلام، واجهة عملت، واعية او غير واعية، على حصر برامج الترفيه واللقاءات العائلية في هذه الاماكن بينما دفعت بالمشاكل والصور التي لا تدعو للارتياح الى خارجها، وبهذا السلوك اصبحت المجمعات التجارية أمكنة حصرية للظهور بصورة العراق الغني والعراق الاكثر ثروة وحظوة وتشبهاً بالدول المتطورة على شاشات التلفاز والهواتف النقالة.

والنقطة المهمة في الموضوع هي ليست ان هذه الصورة خاطئة وغير موجودة، فهي موجودة، ومثيرة للاهتمام في حقيقة الأمر، وبالنهاية ان وجود هذه المجمعات يعتبر انسياب طبيعي للانفتاح والمتنفس الأسهل للتعبير عن الانتماء للعالم الخارجي. ألا انه من غير المستحسن ان يكون هذا الشكل الاعلامي الحصري للشاشات، وان تكون صورة المجمعات التجارية والرخام والاضواء هي الخلفية الرسمية لأغلب صور البروفايل الشخصية والاعلامية على السواء.

وبعد مرور اكثر من عشرة سنوات من تحمل عبء الخجل من حال العراق السياسي والاقتصادي التعيس وغير المستقر، اصبح العديد من افراد النخب العراقية ونظرائهم من عراقيي الخارج يشعرون بالارتياح لتوفر قصة جيدة لديهم يروونها عن العراق، قصة يتوفر فيها الماكدونالدز والكي اف سي والهارديز والديفاكتو. بل انهم يشعرون بسعادة عامرة ازاء احتمال ان يصبح في العراق واجهة اعلامية (مؤمركة) غنية ومنافسة لقرائنها في دول الخليج.

وكما يفترض الباحث الاجتماعي الامريكي جورج ريتز في نظريته (مكدونالدية المجتمع) فيعتقد ان عملية تهجين وتوحيد الشكل القياسي لثقافة المجتمع بطريقة سلسلة مطاعم ماكدونالد، بشكليها العقلاني وغير العقلاني، وما يصاحب ذلك من توحيد لأنماط المستهلكين وعاداتهم، ومن التشبه بالثقافات الامريكية ونسخها، ما له من اثر عظيم في المجتمع من خلال تعريضه الى (الأمركة) والتغريب، كرهاً وطواعية، على حساب ثقافة المجتمع الأصل.

ان الحاجة الى تقليد اساليب الاغنياء، لا تعمل بالضرورة على التقليل من الحاجة نفسها. أي ان نفوس العوام لن تشبع ان تمظهروا بمظهر الاغنياء فحسب، بل في المقابل سيكبر الاحساس في الفرق بين الفئتين، وهذا ما يطلق عليه خبراء الاقتصاد بـ (فجوة التطلّع). حيث يزداد الاحساس بالفجوة بين الدخلين، دخل الاغنياء الذين بإمكانهم الانفاق ودخل العوام غير القادرين على ذلك. وستتترك فجوة التطلع هذه بدورها الاثر النفسي وعدم الاستقرار والاحباط في دواخلهم كلما نظروا الى الواجهات التجارية البراقة وشعروا انها صعبة بل مستحيلة المنال.

أما بالنسبة الى اقحام شباب وشابات واطلاعهم عن كثب على تفاصيل حياة المرفهين، واذكاء عقولهم بفكرة ان واقعهم سيء ورديء، وبإبقائهم دوماً في حالة عدم ارتياح ومقارنة بين ما هو موجود من رخاء وامتاع خارج متناول ايديهم في تلك المجمعات التجارية وما هو موجود فعلاً في داخل محيطهم المعاشي. سيؤدي كل ما سبق حتماً الى آثار سلبية تطغي على مخيلتهم وتؤثر على حياتهم النفسية والعاطفية بطرق مختلفة.

تصوروا كيف سيكون حال فتاة بسيطة تعيش في مكان فقير وناء وبوضع مادي متواضع حين تتعرض لهذا الكمّ المبالغ به في المولات. برأيكم كيف ستنظر الى حياتها وواقعها ومستقبلها؟ وكيف سيؤثر هذا الاطلاع عل حالتها النفسية؟ أن أي شخص واعٍ سيكون رد فعله الطبيعي، كما اعتقد، رد فعل متحيّر ومتخوف ايضاً. لكن على الاقل من الممكن ان يكون الجواب الاسهل للطرح هو اخراج الحياة الخيالية في المولات الى خارجها، أو العكس، إي بإدخال الحياة الواقعية الى الخيال.

المقال السابقغربة الرّوح !
المقال التالىالشّيخُ الجَليل
حميد يونس حميد · طبيب نفسي وأديب عراقي. · كاتب مقالات وبحوث نفسية وأجتماعية وأدبية في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية. · له رواية واحدة (آخر أمراض الكوكب) قيد الطبع.....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. مقالة رائعة كما عودتنا احسنت دكتور

  2. فيها الكثير من المعاني و تحاكي الواقع باحترافية

اترك رد