أنسنة الفن المعاصر


 

إن الفن المعاصر، رغم المؤاخذات والانتقادات اللاذعة أحيانا، التي وجهت إليه ومازالت، ليس كله سيئا أو كارثيا أو سطحيا أو مهجنا أو غير حامل “لرسالة إنسانية”. حمل فنانو الجيل الأول الذين عرفتهم الفترة الممتدة من أواسط خمسينات القرن الماضي إلى نهاية سبعيناته رسالة إنسانية، إذ تميزت أعمالهم بقيمة “جمالية” معاصرة، لها حمولتها الفكرية والثقافية الملتزمة بقضايا إنسانية أصبحت من القضايا الشائكة الكبرى. أتمثل هنا بفناني البوب آرت (Pop Art)، يعرّف بارث فن البوب باعتباره فنًا جوهريًا للأشياء، فنا أنطولوجيا. واللاند آرت (Land Art) (***)، والواقعية الجديدة الفرنسية (Nouveau Réalisme) (****)، والمينمال آرت (Minimal Art) (*****)، والواقعية المفرطة (Hyperréalisme)، ومجموعة B.M.P.T. الفرنسية (******)، والحركات ما بعد الطليعة الإيطالية (la transe Avant – Garde italienne) (*******) وفنانين أفراد مثل كرستيان بولتانسكي ((Christian Boltanski)) وبيير سولاج (Pierre Soulage) وغيرهم كثير.

كان من الضروري أن أتوسع شيئا في هذه المسائل لأوضح للقارئ كيف أن الفن المعاصر ليس كله سيئا وأن الحكم عليه جاء نتيجة المناظر الماضوية التي يتابع من خلالها المهتمون قضايا فنون ما بعد الحداثة في مجملها، فكانت جل الكتابات فاقدة للموضوعية وللمنهجية النقدية، خصوصا وأن فنون مابعد الحداثة اخترقت بطبيعتها كل قواعد النقد المعروفة والممارسات الفنية المتداولة، والنظريات الفلسفية التقليدية. فجل النقاد الغربيين الذين وقفوا منتقدين الفن المعاصر كانوا ينظرون إليه عبر عدسات لها معايير قديمة وماضوية، ويقيسونه بمقاييس كلاسيكية/أكاديمية، ويضعون أعماله داخل قوالب هي من ابتكار صالونات وأكاديميات الفنون الجميلة التي عرفها القرنان الثامن عشرن والتاسع عشر. والزمن الراهن ينتهك مثل تلك المقاييس ويثور على تلك المعايير. إلا أنه لا ينبغي بالمرة الانجراف مع تيار التوجهات المجانية السطحية باعتبار أي شيء عادي يمكنه أن يتحول عملا فنيا، وأن أي شخص يمكنه أن يصبح بين عشية وضحاها فنانا تشكيليا معاصرا.

المتلقي بتأويلاته مساهم في بناء العمل الفني

لا أبالغ إذا قلت بأن القيمين على المتحف الحديث والمعاصر الرباطي يسخرون من ذائقة المتلقي المغربي، سواء عن جهل أو بتجاهل. فما معنى أن ينشر عمود كهربائي عادي جدا، معوج بحديقة المتحف، متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، باعتباره عملا فنيا؟ أحقا يعتبر ذلك العمود عملا فنيا؟ أيجوز اتخاذه كمنجز من منجزات الفن المعاصر؟ ما هو الخطاب الذي يحمله بين ثناياه؟ أهو خطاب بيان، أم احتجاج، أم استفزاز أم سخرية وتهكم؟ لا أدري مادام ” الفنان” لم يعبر هو نفسه عن نواياه ومقاصده. ربما يمكن القول إنه ينوي فتح مجال لحوار ولردود تكون نابعة من المتلقي كي يساهم بدوره في تجسيد فكرة الفنان؟

حينما فتح جيف كونس Jeff Koons رواقا للعرض بإيطاليا، وتركه فارغا لم يعرض فيه شيئا، أثار هيجان وغضب العديد من النقاد الذين كانوا يتتبعون مساره الفني وخصوصا منهم الذين يقفون معارضين في وجه فنون ما بعد الحداثة، فبدأت الكتابات المتنوعة الرؤى والمشارب تتناثر على صفحات المجلات المتخصصة وملحقات الجرائد الثقافية، وبات الجميع يتحدث عن تصرف كونس غير العادي. وبذلك يكون الفنان قد حقق مبتغاه، بخلق زوبعة من الخطابات Discours حول فكرته التي لم يكن من ورائها شيء حقيقي وعياني يثير الانتباه والفضول، فيصبح عمل جيف كونس عملا مفاهيميا Conceptuel ينتمي حقيقة إلى الفن المفاهيمي الذي من سماته الرئيسية أنه يعتمد بالضرورة على الفكرة واستدعاء المتلقي للمساهمة في تحقيقها وبناء نسيجها. وبما أن فعل كونس أثار مجموعة من الخطابات الجمالية، فهو إذا مقبول كعمل فني. هناك من النقاد الغربيين، الفرنسيين على الخصوص، من اعتبر فعل جيف كونس نسخة لما سبق أن قام به الفنان الفرنسي إيف كلان (1928-1962) Yves Klein في بداية ستينيات القرن الماضي، حينما استدعى الجمهور لحضور معرض ” الفراغ” (Le Vide) برواق فارغ. الفكرة لها دلالة كبيرة في أوساط الفن الراهن، ذلك أن بعض الأعمال ومقاصد الفنانين عبارة عن دعوى موجهة إلى المتلقي كي يساهم في بناء العمل الفني، نظريا، فيصبح بذلك طرفا فاعلا في إنتاجه. فالفن المعاصر، وحتى الحديث تبقى أعمالهما مفتوحة وقابلة للتأويلات المختلفة والمتنوعة، حسب فكرة “الأثر المفتوح”(1) التي تناولها إمبرتو إيكوUmberto Eco (1932 – 2016) في كتابه الذي يحمل نفس الاسم.(L’œuvre ouverte) رغم أن إمبرتو إيكو تناول في تحليله ودراسته أعمالا فنية غير
حداثوية وقصد بالشخص المساهم في بناء العمل الفني “المؤول الذي يتدخل في العمل الفني (ويؤديه) كالعازف الموسيقي”.

إن المنجز الفني حينما يغيب فيه الموضوع العيني ويبتعد عن التشخيص الواقعي الوصفي يكون عرضة لتفسيرات وتأويلات الذين يستقبلونه، كل حسب ثقافته وميولاته الفكرية، ربما يتقاطع “المؤول” مع ما يريده صاحب العمل وما يقصده وربما يختلف معه. “إن المؤلف يقدم للمؤول أثرا يحتاج أن يكمله” (إيكو). فالعمل الفني يبقى دائما متعدد المعاني polysémique، و “لا يوجد معنى حقيقي في النص”، كما قال الكاتب/الشاعر/الفيلسوف الفرنسي بول فاليري Paul Valéry (1871-1945).

“إن تسمية أي موضوع يعني استبعاد ثلاثة أرباع من متعة القصيدة التي هي السعادة المصاحبة للتخمين” ستيفان ملارميه Stéphane Mallarmé (1842-1898). فما يجري على النص الأدبي الشعري أي القصيدة، يجري كذلك على النص التشكيلي. فحينما نصاحب عملا تشكيليا بعنوان أو نحدد له تيمة معينة، فإننا نضيق على المتلقي متعته وتلذذه وبالتالي نوجهه نحو القناة التي حددنا قبلا مداخلها. وهذا توجه خاص بالفن التشخيصي البسيط في واقعيته، أما الأعمال التشخيصية الأصيلة، الصعبة المنال فليس في مقدور أي كان أن يقرأها دون أخذ بعين الاعتبار نسقها الفكري والفلسفي والإيديولوجي الذي نمت فيه وترعرعت، وخير مثال على ما أقول أعمال عصر النهضة الأوربية. ولا أريد أن أفصل في هذا الباب حتى لا أخرج عن الموضوع الذي أنا بصدد الخوض فيه، ولمن يريد المزيد يمكنه الاطلاع على كتاب الناقد Erwin Panofsky (1968-1892) (2)، وتبقى أبحاث هذا المؤرخ/الناقد حول ما أسماه “رمزية الأشياء المخفية” أساسية لفهم واستيعاب فنون عصر النهضة.

هوامش:

(*) hyperréalisme حركة فنية معاصرة ظهرت في الربع الأخير من القرن العشرين بأمريكا. وتعتمد استنساخ متطابق للصورة/النموذج لإعطاء لوحة واقعية لدرجة أن المشاهد يبدأ في التساؤل إذا كانت طبيعة العمل الفني هو لوحة أو صورة .(ويكيبيديا)

(**) فن البوب هو حركة فنية بصرية ظهرت في منتصف عام 1950 في بريطانيا وفي أواخر عام 1950 في الولايات المتحدة. وتحدى فن البوب التقاليد بتأكيده ان استخدام الفنان الشامل لكل الوسائل البصرية المتواكبة مع الثقافة شعبية يتوافق مع منظور الفنون الجميلة. والبوب يزيل

المواد من سياقها ويعزل الكائن، أو أنه يجمعه مع الكائنات الأخرى، للتأمل.ومفهوم فن البوب لا يشير إلى حد كبير إلى الفن في حد ذاته بقدر ما يشير إلى المواقف التي أدت إلى ذلك.(ويكيبيديا)

(***) اللاند آرت أو فن الأرض هو اتجاه فني معاصر عرف باستخدام المواد الطبيعة (الخشب والتراب والحجارة والرمال والمياه والصخور، وما إلى ذلك). في معظم الأحيان، تنجز العمال في الطبيعة مما يدفع بها للتعرض لعوامل التعرية. وبالتالي، فقد اختفت بعض الأعمال وما تبقى منها ذاكرة على شكل صور وأشرطة الفيديو المصورة الخاصة بهم. نفذت الأعمال الأولى في المناظر الطبيعية الصحراوية من الغرب الأميركي في أواخر 1960. (ويكيبيديا)

(****) تأسست الواقعية الجديدة في عام 1960 من قبل الرسام إيف كلاين والناقد الفني بيير رستاني Restany. Pierre. يعتبر واحد من الاتجاهات الطليعية التي ظهرت مع بداية ستينيات القرن الماضي. تم حله في عام 1970.

(*****) المينمال آرت (أو الحد الأدنى من الفن) هو تيار لفني معاصر، ظهر في أوائل 1960 في الولايات المتحدة، كرد فعل ضد التجريدية التعبيرية واتجاه السخرية فن البوب.

(*******) هذه الحركة، التي تستمر حتى اليوم، تم إنشاؤه من قبل مجموعة من الفنانين اتخاذ للرد على أولئك الذين أعلنوا نهاية اللوحة ومجد الفنين المفاهيمي والمنيمال آرت.

(**) مجموعة B.M.P.T كونها الفنان الفرنسي Danien Buren مضيفا إليه أصدقاءه Olivier Mosset و Michel Parmentier و. Niele Toroni

ببليوغرافيا:

1- إمبرتو إيكو – الأثر المفتوح، ترجمة عبد الرحمان بوعلي، ط. الثانية 2001، دار الحوار للنشر والتوزيع-اللاذقية، سورية

2- Erwin Panofsky – l’œuvre d’art et ses significations, Tr. Marthe et Bernard Teyssèdre, Ed. Gallimard, 1969

لا تعليقات

اترك رد