الشّيخُ الجَليل


 

استيقظ الشيخْ من نومهِ ينفضُ عباءتهُ الحرير ويبحث بين أقدام العاهراتْ عن عمتهِ ويكثر من الاستغفار والتوبة لله .
يتوب لله عن ليلته الماجنة أم ماذا …؟
استمر الشيخ بالبحث حتى وجدها ملقية على احدى صناديق الخمر ،ركض مسرعا نحو الحمام ليرمي ذنوب الليلة الماضية،فالايةُ الكريمة تقول (يا أيها الذين امنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى) ، ثم خرج ليسير نحوَ مسجدٍ قريب يقع في بداية (الدربونة)، يمسك بيده اليمنى سبحتهُ و يسبح باسمك (اللهو) و بكل أسمائه الحسنى يرددها سريعا بصوتٍ مدغمٍ و أنفاسٍ متعالية وبخطوات متثاقلة ،حتى وصل إلى عتبة المسجد أخرج من جيبه المفاتيح ،فتح الباب، نفض عباءتهُ عند مدخل الباب الشاهدة مع عمته على ليلةِ أمس ، نزع حذائه و وضعه تحت ابطيه لأنه قد اشتراه جديدا قبل أيام .
هناك عادة سيئة لدى بعض المصلين يأتون بأحذية عتيقة ممزقة ويستبدلونها بأخرى جديدة ، دخل الشيخ مسرعا يلعن حظه الذي أخره بضع دقائق عن إقامة صلاة الفجر، متلفتا يمينا ثم يسارا وبيديهِ سبحتهِ وعباءتهِ باحثا عن مفتاح إلاضاءة و أخيرا وجدها ، أضاء النور الداخلي ثم أودع ما في يده في خزنة صغيرة تقع في مأمن من السراق والنصابين ،حرك عمته ثم بدأ الشيخ الجليل ذو اللحية المليئة بالشيب و التي قد رتبتها لهُ احدىٰ العاهرات بطريقةٍ جميلةٍ ليلةَ أمس ، وبصوت جهوري أقام الصلاة ..
قد قامت الصلاة الله اكبر
وأن الصلاةَ خير من النوم .
استيقظ أبو أحمد على صوت مكبرات المسجد ونظر إلى ساعته ثم نهض مسرعا ليوقظ زوجته ويعلمها أن الصلاة قد قامت ،جار أبو أحمد يعمل مدير عام في احدىٰ الدوائر الحكومية والمعروف بكرمهِ وغرورهِ ..نهض المدير يلعن ويسب في الشيخ لأنه قد أفسد عليه حلمهُ الجميل حيث كان يحلم بأنه أصبح وزيرا وكبرت خزينته .
بدأت العصافير تعلن بزوغ الفجر والشمسُ تاركة أشعتها تنساب بين أوراق الأشجار لتنير الطرقات وتمحو عُتمةَ الليلْ و فجورهِ، ذهب صباحاً المديرُ العام ليقابلَ الشيخ في المسجد ليتفقا على دعاية انتخابية ، و التي سيتكفل بها الشيخُ بخطبة الجمعة و لا يستطيع أن يرد ذلك المدير بشئ فالمثل العراقي الشهير يقول ( اذا تأخذ اليد تستحي العين) و يدُ الشيخ أخذت الكثير حتى كان آخرها صندوق من البيرة والخمر ومبلغ من المال .
لا أحد يعلم حقيقة ذلك الشيخُ فهو رجلٌ خلوق صاحب ايمان وتقوى ملتزما دينيا بفرائض و أركان الدين و إن تكلم أحد بسوء عنه ظهر العشرات من الناس البسطاء يدافعون عنه،لكن لا أحد يعرف أنه شيطان رجيم في الليل و ملاك طاهر في النهار و في بعض الأحيان يبقى شيطانا ، فهو من زور شهادة الماجستير بالادارة و الأقتصاد للمدير العام (شهادة مريدي) وأنه لم يكمل حتى الإبتدائية .
بعد صلاة الجمعة بدأ بخطبته و أهلها بالفاسدين الذين يشغلون المناصب الحكومية وهم ليس لديهم فهم أو علم وعلى الناس تغيرهم ، و أن تخضع لمن هم أكثر رشدا و قد سماهم (ولاة الأمر) حيث هم من يعرفون مصلحتهم ،هكذا استمر في غسل أدمغة الشباب و يمجد بذلك المسؤول الصغير ويدعوهم لانتخابه وأن يتبعونه بثقة عمياء .
عندما حان اليوم الموعود ذهب سكان القرية الصغيرة لقاعات مخصصة للانتخابات منتخبين ذلك المدير، فاز في الانتخابات وأخذ مقعدا في البرلمان ،ونسى من صوت له .
اجتمعوا وبدأ كل واحد منهم يروي بطولاتهِ وكيف خدع الفقراء بأشياءٍ قليلة ، بعضهم أعطاهم هدايا رمزية والآخر سلة غذاء بسيطة جدا والآخر وعدهم بأن يُحسّنْ من حال مدينتهم لكن لا أحد سوف ينفذ .
جميعهم أرادوا الوصول من أجل السلطة والمال وكلِ شخصٍ لا يوجد في باله غير ما يريده ،فالفقير يطمح أن يعيش بسلام وأمان ،والطبيب يريد أن يجمع المال عن طريق فتح مستشفى أهلية، ورجل الدين يستغل الفقراء لمصالحه الشخصية ويستغل مكانته لديهم وتسيير الدين حسب اهوائهِ ومتعتهِ الخاصة ، أما المسؤول فهو يطمح أن يصبح لصاً كبيراً ،يضحك على الجميع ويصعد على ظهورهم و أكتافهم ثم يقتلهم جوعا وفقرا و اهمالا و إذا ما احتاجهم لا يتردد بالرجوع مرة أخرى اليهم .
استمرت الحياة على طبيعتها ولم يتغير شئ بعد سنوات من الانتخابات ولم يدركوا حقيقة الشيخ ومن يتكلم عنه بسوء يُكفّر ويُطرد من القرية أما ذلك المدير العام فإنه قد شيد جامعا كبيرا وسمي بأسمهِ و احتفى حوله الناس هاتفين له بالعمر الطويل ويباركون له ايمانهُ وتقواه، صلى في الجامع وكعادته أخذ الصف الأول في الصلاة .

لا تعليقات

اترك رد