آزاد حمي يثير الذاكرة بتعبيرية غير مقلدة


 

ما أن يضع المرء قدمه على طريق الفن حتى يبحث عن التمايز ، وما إن يخطو عدة خطوات حتى يبحث عن خصوصية تمثله لأنه يدرك تماماً بأنه لن يكون إلا رقماً على أبعد حد ، فهذا التمايز هو الذي سيرسم مكانه بل حجمه في الحيّز الفني الجميل ، و هذه الخصوصية هي التي ستحرز له بطاقة الدخول لفضاءات الخلق العذب ، و قد يكون من الأخطاء التي يقع فيها بعض الفنانين تركيزهم على موضوع واحد و الإشتغال عليه معتقدين أن هذا سيكون جواز سفرهم للتحليق وإثبات الذات و التمايز ولعلّ أضعفها قيمة هي هذه حين يجعل الفنان موضوعاً واحداً عنواناً لهذه الخصوصية معتقداً أن شق الطريق هنا في هذا العالم الملون و بهذا التفكير الأعرج قد يخلق له صوته الخاص ،

و إن كان يدرك بأن الفنان كما الفن هو الأسلوب و بأن الأهم كيف يقول لا ما يقول أي كيف يرسم لا ما يرسم ، كل هذه المقدمة سقتها لأقف عند آزاد حمي و ديوكه ، فرغم أن هذا الموضوع ( صراع الديكة ) ليس جديداً حتى على الفن التشكيلي و لا من صنع الخيال فهي لعبة شعبية معروفة في أكثر الدول و على نحو خاص الآسيوية منها و على الأخص في المناطق الريفية ، وكون آزاد من الريف الحسكاوي/ الجزراوي فهو قريب من هذا الصراع ( صراع الديوك ) و سبق تطرق إلى ذلك الشاعر و الروائي الكردي سليم بركات كثيراً ،

و أدرك بأن دلالات التطرق إلى ذلك كثيرة و لكن آزاد يشير مباشرة إلى عفونة الحياة و عفونة كل ما ينتج في أحشائها و كأنه يزيد على مقولة فاتح المدرس التي كان يزين بها جدار من جدران مرسمه ما معناه / الإنسان من أشرس و أقذر الحيوانات / بقول نحن أبناء آدم لا يكفي ما نلوثه بحق بعضنا فذلك لا يشفي غليلنا فلا بد أن نمارس قذارتنا في عالم الحيوان / و هذا التقاتل الدموي الذي نخلقه بين الديوك و نستلذ جداً به ما هو إلا إنعكاس لوحشيتنا ،

و يستعرض آزاد ذلك و بطريقته لتبرير الخلق التمهيدي الذي سينبئ بفنان مفعم بالعشق و إن بلغته و التي ينطق بها بتعبيرية غير مقلدة مثيراً ذاكرة تمتد في الأرض لإستحضار تراث متعلق بالروح رغم الإشكاليات الولودة من ذلك ،

فهو يدمج بعض تجاربه بالبعيد القريب ليعطي المساحة الكاملة لحضور صوت الديوك و محادثاتهم الدموية من مجمل جوانب العراك تمهيداً ليدفع بالأزمة إلى حافة العجز ، و التي قد يساعد المتلقي في تحديد بعض العلامات التي تشير سلفاً إلى عدم الثقة ، لا على سطوح الأعمال و لا بينها و بين ( القارئ / المتلقي )، فالمستنقعات التعبيرية و التي تجري شمالاً و جنوباً ،

غرباً و شرقاً هي قيد الأشياء العاصفة بين إحداثيات ( زمن الإنتاج / الخلق ) فعندما يفكر آزاد بمسارات البوح و أرجوحات السطوح لتكتمل الفراغات بشيء لا ينتهي فهذا يعني أنه يحاول إكتشاف وسائل تعبيرية جديدة يكون لها الأثر على تطور تجربته و إن كانت المضامين غير جديدة فهو يضفي على الأشياء إمتدادات محسوسة دون أن يبتعد عن عوالمه بمجموعاتها المتتالية و المترابطة بسياقها العام و المتداخلة برؤيتها كهاجس له و لعمله في الوقت ذاته لإستعاب تقنيتاته و التعبير بها عن حياة ديوكه بعراكاتها المستديمة ،

و كلما سعى إلى تلمس معالمها أكثر كلما أدرك ما يتضمنه تلك المعالم بتحولاتها قيماً تسهم على نحو ما في تكريس مختلف التيارات الفنية منها و الحياتية فتجربة آزاد تشكل محور عالمه الخاص و إن كانت هناك إختبارات مماثلة ، تجربة تعمق الروابط بالمعالم التراثية من جهة و تؤكد على وحشيتنا من جهة ثانية مهما كان الدخول إلى التفاصيل شائكاً و معقداً .

لا تعليقات

اترك رد