هل تنجح روسيا في ضبط التحركات مع شريكيها في سوريا ؟

 

على سياق العنوان أو أن أتساءل أيضا هل نجحت الولايات المتحدة في استنزاف القوى الثلاثة المشتركة في الأزمة السورية روسيا إيران تركيا؟، بعد سبع سنوات من المشاركة في الحرب السورية بدأ الشعب الإيراني يضغط على الحكومة الإيرانية حيال مدى الحكمة من إقدام الحرس الثوري على توريط إيران في مغامرة التي تبدو أي مؤشرات على قرب نهايتها، أو تحقيق الحرس الثوري مشروعه المعد للوصول إلى البحر المتوسط، أو تشييع المنطقة، وبدأ الشعب بعد الاحتجاجات الأخيرة في إيران، يطالب الحكومة في إعادة النظر في هذه الاستراتيجية الباهظة التكاليف المتمثلة في الخسائر البشرية والخسائر الاقتصادية.

قرار التدخل الذي اتخذته طهران يرمي للحيلولة دون سقوط الأسد، وقد نقل عن الجنرال حسين همداني الذي قتل أثناء القتال في سوريا، وقد يكون قتل بسبب تصريحه الذي قال فيه أن قرار التدخل الذي اتخذته طهران لم تعلمهم سوى بالحيلولة دون سقوط الأسد، لكن يفصح الحمداني عن أن الجيش السوري لم يكن متحمسا للتدخل الإيراني، وقال عن ذلك أن الجيش السوري شيد جدارا حديديا لحصرنا داخل مساحة مقيدة.

وأكبر مثال على ذلك رفض الفرقة الرابعة مدرعات من الجيش السوري التحرك لنجدة وحدة محاصرة من قوات القبعات الخضراء الإيرانية التي تركت معزولة ومحاصرة وفي خضم انسحابهم السريع اضطروا إلى أن يخلفوا وراءهم جثث 13 من أفضل مقاتليهم.

وبعد عجز الحرس الثوري عن ضمان مكانة محورية في الاستراتيجية الأوسع التي صاغتها المؤسسة العسكرية السورية، اخترع الفريق الإيراني عن طرح نفسه من حماية الأضرحة المقدسة داخل سوريا، رغم أنه لا توجد لدى أحد لمهاجمة الأضرحة في خضم حرب أكبر من مهاجمة الأضرحة.

في المقابل رسمت الدوائر الإعلامية الغربية صورة لقاسم سليماني قائد فيلق القدس القائد الأكبر لتلك المغامرة، يبدو أن إيران استلهمت هذا التضليل، وبالفعل بدأت تقدم قاسم سليماني على أنه الفارس الإيراني الذي لا يشق له غبار، وأنه المارد الذي لا يغلب رغم انه لا يمتلك خبرة ميدانية ولا يمتلك قدرة على صياغة رؤية استراتيجية اللازمة لخوض مخاض كبير مثل هذا، وللأسف حتى نحن الكتاب انطلت علينا تلك الصورة وبدأنا نخدم الحرس الثوري جهلا.

بدأ قاسم سليماني يتصور في مواقع قتالية عدة مع قادة ميدانيين في سوريا في العراق في لبنان لكنني لم أرى له صور في اليمن خشية من أن تصيبه ضربة جوية من قوات التحالف بقيادة السعودية.

استخدمه الحرس الثوري أحسن استخدام والترويج للمشروع الإيراني، وهذا يفسر سبب استعانة قاسم سليماني بروسيا بعد تأكد الحرس الثوري أنه سيخسر مشروعه، حيث وجدت روسيا فرصتها في تحقيق عدد من الأجندة، خصوصا في ظل غياب أمريكي عن المشهد سواء كان بشكل مقصود أو غير مقصود تتعلق بالاستراتيجيات والتكلفة، فدخلت روسيا في سوريا بعد طلب قدم من الرئيس بشار الأسد للرئيس بوتين، ففوض البرلمان الروسي بوتين التدخل المباشر في 30 سبتمبر 2015.

لم تتوقع إيران أن من شأن صعود روسيا منذ أن دخلت سوريا عام 2015 باعتبارها المنسق الرئيسي لأحداث الحرب داخل سوريا تسبب ذلك في مزيد من التشويش لدى الإيرانيين الذي أصبح دورهم مزيدا من التهميش وتضاءل نفوذهم خصوصا وأن إيران لم تترك قوة جوية في سوريا حرم قواتها من الدعم الجوي، ودائما ما كانت سوريا وروسيا ترفضان إتاحة أصولهما العسكرية لخدمة الإيرانيين بسبب أن النظام السوري يتخوف من حقيقة الوجود الإيراني على الأراضي السورية، ما جعل المقاتلين الإيرانيين بتنامي شعور السأم إزاء حرب لم يخطر على أحد الإيرانيين حقيقة ما يدور حوله داخل سوريا.

بالنسبة للولايات المتحدة سياساتها الراهنة تتعلق بعودة الصراع الأيديولوجي، وتظهر حرب سوريا، كيف أن الاختلافات الأيديولوجية تقود مرة أخرى دفة السياسات العالمية، وعادت مرة أخرى المنافسات الجيوسياسية المكثفة باعتبار أن سوريا هي نقطة الانطلاق الأولى، وتحولت سوريا حلبة لتجديد التنافسات الكبرى بين القوى العظمى خصوصا بين الولايات المتحدة وروسيا، ولا يختلف الخصوم كثيرا حول مصير الأسد، بل إنهم يستخدمون قواهم العسكرية في اجتزاء مجالات النفوذ التنافسية، وروسيا بشكل خاص تستخدم سوريا في صراعها المستقبلي ضد الغرب من أجل ترسيخ قدمها كلاعب مؤثر ونافذ في الشؤون الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، لكنها في نفس الوقت لم تتوقع أن الغرب أيضا يلاعبها في سوريا.

لذلك موسكو حذرة من عواقب لضربة أميركية محتملة في سوريا، وعليها أن تتفادى مثل تلك الضربة المحتملة، رغم أن رئيس الأركان الروسية فاليري غيراسيموف في تصريح له قائلا بأن روسيا سترد على هجمات صاروخية أميركية محتملة ضد سوريا حال تعرض عسكرييها للخطر.

مع ذلك تحاول روسيا تنسيق خطواتها مع أنقرة وطهران لما بعد الغوطة وضبط التحركات مع شريكيها في سوريا، وعقدت جولة جديدة في استانة في 16/3/2018 والتي انطلقت منذ يناير 2017 دون مشاركة الولايات المتحدة محورها الأساسي ترتيب التطورات اللاحقة على خلفية الوضع في الغوطة بجانب العملية العسكرية التركية في الشمال السوري، حيث تسعى روسيا لزيادة عدد مناطق خفض التصعيد وتوسيع مساحتها، وقبل كل شئ وقف إطلاق النار، رغم ذلك لم تتمكن روسيا من تحقيق تقدم ملموس نحو حل النزاع الذي أوقع أكثر 340 ألف قتيل منذ العام 2011، ولم يشارك في هذا الاجتماع مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا دي ميستورا رغم دعوته.

وتود روسيا المحافظة على توازن المصالح الذي رعته مع شريكيها التركي والإيراني خلال المرحلة الماضية والتي أربكتها الولايات المتحدة بل وأفرغتها من مضمونها وهي تسير في صالح إيران لأن مجئ روسيا إلى سوريا حجم الدور الإيراني.

لذلك تحاول روسيا ضبط لهجة إيران تجاه تركيا حول العملية العسكرية التركية في عفرين، وكذلك تحاول روسيا ضبط لهجة تركيا في الحديث عن العمليات العسكرية الجارية في الغوطة وفي مناطق أخرى مثل إدلب والتي تلتقي هنا مع اللهجة السعودية وبقية دول العالم.

روسيا بين النظام المدعوم من النظام السوري لإخراج المقاتلين من الغوطة الشرقية، وتنشط تركيا كذلك في محاصرة عفرين ضد وحدات الحماية الكردية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية وامتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور لديها الذي يشن حملة تمرد منذ ثلاثة عقود ضد الدولة التركية، ونزح نحو ثلاثين ألف من عفرين مثل النزوح الكثيف من الغوطة الشرقية برعاية روسية، المشكلة أن المنفذ الوحيد لعفرين يمر عبر بلدتي نبل والزهراء المواليتين لدمشق.

المقال السابق” الجفصة ” !!
المقال التالىغربة الرّوح !
د عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية العمل الحالي : قسم الجغرافيا بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة أم القرى بمكة الخبرات العلمية : - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1413-1419 بمكة المكرمة - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1420- 1427 - رئيس لجنة اختيار مكة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد