مسألة المرئي و اللامرئي عند مارلوبنتي – ج 1

 

تمثل تجربة الابصار موضوعا شائكا في نص “العين و الفكر” لمارلوبنتي .وهذا الطابع الاشكالي يرتبط تحديدا بدقة المشكل الذي يعرضه وينبري على مقاربته للكشف عن كيفية اشتغال الرسم، وعلاقته بالابصار و الرؤية،و المرئي و الرائي واللامرئي ضمن هذه التجربة الفنية المتميزة. إضافة الى دقة المعاني التي يعمل الكاتب على بلورتها و إيصالها في شحناتها الدلالية كما تنطق بمضامينها الخاصة.

فماذا يكون الرسم في فينمينولوجيا كتاب العين و الفكر وايةعلاقة ستحدد الإبصار بالمرئي و اللامرئي؟و بتمثلنا للعالم؟
ينطلق مارلوبنتي في الفصل الثاني من كتابه العين و الفكر من قول فاليري: أن الرسام يقدم جسده.”وهو ما يدفعنا الى التساؤل عن طبيعة هذا الجسد الذي يحول العالم الى رسم ، وعن علاقة الرؤية بالرسم، وخصوصية علاقة الجسد بالعالم؟

في تحديد مارلوبنتي للجسد يؤكد أن : الجسد ليس قطعة من مكان وليس حزمة من الوظائف، و إنما هو انشباك رؤية وحركة .
أن الجسد مع مارلوبنتي ليس كتلة فيزيائية أو الة ميكانيكية، بل هو كيان قادر على الفعل وهو الوسيط اللامرئي بين أعضاء الجسد و أشياء العالم. فلحظة تتأثر العين و اليد و الفكر الأبكم شغفا بالعالم تنكشف الحقيقة في أبهى صورها .ولهذا كله يكون قول فاليري ،” الرسام يقدم جسده ،،” قولا مثقلا بالمعاني والدلالات لأن هذا الجسد الذي يقدمه الرسام يصير رؤية للعالم. أنه هو الذي به نرى العالم.

أن فينمينولوجيا مارلوبنتي تفاجئنا حينماتنفي أن تكون الرؤية ” عملية للعقل ترفع في وجه الفكر لوحة أو تصور ا للعالم”.أن هذه الرؤية العقلية التي مجدها الفكر القديم ،لا تستوفي حقيقة معرفتنا بالعالم ، أو حقيقة المرئي ، ولا حقيقة جسدي أو الرائي . حركة الجسد ليست قرارا يتخذه العقل أو يصدر عنه ،أنها حركة جسدي،إذ لا تكون آلرؤية دون حركة العينين.

ففي كتاب العين والفكر تتحرر الحواس إجمالا ، والعين خصوصا من استبدادية العقل.وهكذا ،فإن الرسام حينما يعير جسده للعالم محولا العالم الى رؤية ، تكمن العملية الأكثر أهمية ، وهي إعادة اهتداء الفنان الى جسده بعد أن وزعه على العالم .لحظة الرسم تتجسد رؤية الرسام “حركة”،ويدرك الوجود لحظة التشكل ، ويلتقط كيفية تكون الموجودات في انتباهه إلى العالم المرئي.و لأجل ذلك يمكن ان نفهم تلك المماهات التي اقامها مارلوبنتي بين مهمتي الرسام و الفيلسوف في كتابه “تقريظ الفلسفة” حينما بين أن الفيلسوف يتفرس الوجود مثلما يتفرس الرسام الوجه.

إن لغة الرؤية هي موضوع تقاطع الرسام و الفيلسوف و الشاعر و الموسيقى .فإن كانت مهمة الفلسفة أن تعلمنا كيف نرى الوجود و ندرك العالم ، فإن الرسام مثل الفيلسوف لا يحلق فوق العالم ، بل يقيم فيه .فتكون رؤيته فعلية : ابصار جسدي حقيقي لا تاملا نظريا و رؤية عقلية .وبهذا المعنى يصبح الجسد هو الرائي و المرئي .وبعبارة صاحب كتاب العين و الفكر ” يرى ذاته رائيا و يلمسها لامسا ، إنه مرئي ومحسوس لذاته عينها….إنه ذات يفعل بفعل التشابك والنرجسية ،و ملازمة الذي يرى لما يرى ،والذي يلمس لما يلمس ،و ملازمة الحاس للمحسوس”.

لا تعليقات

اترك رد