العقل العلمي بين واقعية طابعه وأوهام الماورائيات

 

منهج العقل العلمي وقدرات الفعل

نص المعالجة المقترح:

بدءاً هذه المعالجة تتجنب الدخول في سجال مع الغيبي اللاهوتي بتفاصيل طروحاته. لكنها تتبنى مهمة متابعة البحث في منهج اشتغال العقل واشتراطاته كيما يمثل الإنسان الذي انتصر لقيم الأنسنة وميز وجوده عن الوجود الإحيائي وأسلوب عيشه…

من هنا، تنطلق المعالجة بالقول: إنَّ الإنسان بجميع بني البشر عبر تاريخ وجودهم ومراحله تمّ تمييزهم وتكريم هذا الوجود بالعقل المفكر. ومع تقدم الإنسان فردياً جمعياً وتعقد مطالب عيشه كان العقل يعيد صياغة تكوينه ومفردات وعيه وإدراك متبنياته الوجودية.. فظهر العقل العلمي من رحم وجود ملتبس بتحسس الفعل ورد الفعل تجاه الآخر بيئة حية وجامدة…

إنّ طفولة العقل البشري لم تكن بطابع علمي بالمعنى القائم اليوم لكنها لم تكن عاطلة عن الاشتغال بمنهج إنتاجي مبدع. ومن تراكم تفاعلات الخبرات والمعلومات استطاع ذاك العقل أن يضع ملامح منهجية ومنطقاً؛ تقدَّم خطىً جدية إلى أمام.

فكانت المعارف الأولى هي اكتشافات خطيرة الشأن استطاع العقل البشري أداء تفاصيلها فعلياً عملياً بفضل قدرات التحليل والاستنتاج أو الاستنباط عبر الدربة والخبرة التي وُلِدت من رحم الانتماء الطبيعي إلى البيئة المحيطة… ولم يكن الأمر يجري بخط مستقيم صاعد دوماً، بل جاء بمنعرجات والتواءات جابهت معضلات وأسئلة بعضها ظل مطروحاً حتى عصرنا…

لقد كانت مرحلة الإجابات الأولى ملأى بالتفسيرات التي تؤكد غياب معرفة الأسباب الواقعية للأحداث والوقائع عن العقل البشري طوال مراحل طفولته. الأمر الذي دفعها في الغالب للجوء إلى إجابات أنتجتها مخيلة مبدعة، تبنت فرضيات عديدة أغلبها اصطنعت وجوداً غير مرئي وماورائيات المرحلة السحرية الأسطورية فتلك التي تم تسميتها الدينية…

لربما كانت الأسطورة في حينه خصبة في تجسيد قدرات العقل الإبداعية انطلاقاً من واقع الإنسان المحاول قهر ذاك المختفي الغائب عنه. وبالمناسبة فإن الأسطورة ببناها المركبة ليست الخرافة ولا حالات الاستسهال التي قد تنحدر أحيانا حد التسطيح بعالم هلامي فضفاض متضخم الفراغات في بعض قراءات أو حالات تصور لها ولتفسيرها..

في تلك المرحلة الغابرة من الزمن كانت الإجابات (العقلية) تتوزع بين السحري، الخرافي والأسوري فالديني بتعريف للدين يشمل الأديان الطوطمية و\أو البدائية وبعض الاستيلادات المركبة كما بديانات شعوب الشرق مثل البوذية.. وهناك كان عندنا إيمان يبحث عن خلاصه لا في التماهي مع المثال الإله أو الآلهة ولكن بحال من إعمال الخبرات الفردية بمقاربات ربما تشاطر الوعي الجمعي بوضع محدداتها بعيداً عن النوذج الديني المتحدث عن الإله وقدرته على كل شيء وعلى مساعدة الإنسان في الإجابة عن أسئلة وجوده… فقط وددتُ هنا أن أشير إلى دور الإنسان بتلك المرحلة في البحث عن إجابة لأسئلة الواقع ولكن في منطقة أبدعها في ضوء خبرات فردية للعقل الإنساني اتسعت مع ولادة كيمياء الأنسنة والتجمع وولادة الوعي الجمعي وتبادله التاثير مع خبرات الفردي في وجود الإنسان في تلك المجتمعات البدائية…

أما اليوم، فنجد أنفسنا بمجابهة تركيبة إنجازية للتراكم المعرفي ولاصطفاف الخبرات والمهارات بتعاضدٍ، بوساطة جسور التفاعل بكيمياء التفكير الممنهج ومنطقه المنضبط علمياً. لقد امتلأ العقل وأنهى فضاءات الفراغ المتسع المتضخم سواء بأدوات التحليل أم بقدرات التركيب والاشتغال الممنهج الذي نشير إليه.

وهو يعالج ما يجابهه من أسئلةِ اليوم العادي ومن معضلاتٍ استراتيجية نظرية بعيدة المدى.. كما بإشكالية سبر الكون والفضاء البعيد وكل أمر مختفٍ عنه. إن العقل العلمي يبحث في واجباته، مشروطةً بحل ما يجابهه في (واقع) الإنسان.. وكل بحث، اليوم، خارج هذا (الواقع المحسوس) يقع في مجالات الدجل والتضليل باتجاه وفي مجالات التسويق التبريري الذرائعي للاستغلال وجرائمه في اتجاه موازٍ رديف.

إن (أغلب) نصوص خطاب الماورائيات الغيبية تعج بمنطق الخرافة الذي يستغل الجهل والأمية فيصطنع ذاك المنطق دجله وخطاب التضليل لمآرب الكهنوت المتحد بمافيا الفساد واستغلالها وجرائمها.. ونحن بحاجة بالخصوص لمراجعات تقف بوجه أوهام مصطنعة للماورائي بخطاب الدجل فيه؛ لتحرير الإنسان من استعبادٍ ما أنزل الله به من سلطان.. مع ضرورة تذكر أن تلك الخطابات المعتمدة الماورائيات تستند في قوة عسفها إلى اتحاد الخبرة عند الإنسان الفرد ممن يسطو الجهل عليه فيجتر الخبرة من أزمنة غابرة لطفولة العقل مع الطقسيات السلبية المصطنعة جمعيا بإدارة راسية عمودية من مؤسسية أو بصيغة أخرى اتحاد تمظهرات الدين عند الفرد مع تمظهراته الجمعية لتلاقي المؤسسة الدينية التي تفرض سلطتها وسطوتها على أنها المرجع الموجّه لتختزل الدين باشتراطاتها التي تعني وساطتها الإجبارية الملزمة في العلاقة بين الجموع البشرية والإله كيما يستجيب ويحل أسئلة تلك الجموع…

ولكن كل التجاريب التي مر بها الإنسان تؤكد أنَّ منهج العقل العلمي يحدد ميدان اشتغاله في الواقع الإنساني المعاش مادياً وبشكل محسوس بالإشارة إلى المادي البحت والروحي المعنوي بما يمثله قيمياً سلوكياً. فيوظف العقل العلمي بمنهجه المحدد ذاك، العلوم والمعارف وقوانينها في اشتغالاته التي لا يمكنها قبول أو إقرار ما يناقضها من قبيل الخرافات وتمظهراتها بالخطاب البياني لا البرهاني الأمر الذي يدفع باتجاه السيطرة على العقل عبر شلِّهِ بسطوة المنع والحظر أو التحريم باسم المقدس شامل أو كلي القدرة، باعتماد قدسية مصطنعة لا علاقة لها بالمقدس الماورائي بقدر علاقتها بل تجسيدها لسطوة السلطة أو المؤسسة المرجعية لهذا الدين أو ذاك ونوازع تأويلاتها التي تب بمآرب بعينها ويكون بالمقابل التلقي مفتوحاً من طرف الوجود الفردي والجمعي لأتباع ذاك الدين أو المذهب ودرجة التشدد فيه بحسب نسب تمظهر منهج العقل العلمي أو خطاب الخرافة في ممارسة الإنسان أو على وفق نسبة الانشغال بالواقع وإجابة أسئلته أم الانشغال بالماورائي وفروض تأويلاته ومنطق مصادرته حرية التفكير ومحاولة الإجابة عبر العلوم والمعارف..

إنّ أسئلة الإنسان في وجوده وتفاصيل عيشه، لا تغادر واقعه قطعاً. إنها ابنة هذا الواقع بدءاً من تنفس هواء نقي وشرب الماء وتناول الغذاء ومرورا بالأمن والصحة واكتساب ما راكنته التجربة البشرية من علوم وخبرات.. وقضايا من قبيل تلوث البيئة هواء وماء وغذاء ومحيطا مباشراً أو غير مباشر ومن قبيل خدمات إعمار الأرض وزراعتها وإزالة التصحر أو وقف الهدر في المياه وفي الثروات الطبيعية وما يشابه هذه القضايا ليست إلا أموراً واقعية طبيعية معاشة مادياً لا دخل لدجل الطقسيات وما يُزعم من ارتباطها بالماورائيات وفروضها المصطنعة أؤكد لا دخل لها في حل أسئلة تلك القضايا الإشكالية…

والإنسان من قبل ومن بعد هو المسؤول عن إعمار الأرض بكل تفاصيل الإعمار من إزالة اشكال التلوث والتشوه مروراً بإعداد الأرض وحراثتها وزراعتها وإعادة الخضرة إليها وحتى بناء المصانع والمعامل وإنتاج الخيرات بجهده وكدحه وليس بأي دجل من قبيل أن تنزل السماء يوماً لهذا الإنسان النائم في بيته طعامه أو شرابه…

وأكرر هنا أن هذه المعالجة لا تتحدث بالضرورة عن النص الديني ومرجعه ولا عن الإله أو الاعتقاد في وجدان الإنسان الفرد والجماعة ولكنها تتحدث عن اشتغال العقل بمنهج علمي لا يخرج عن ملموسيات الواقع وأسئلته العملية الفعلية وهذا كفيل بدحض خطاب الدجل والتضليل الماورائي الذي يريد مزيد تحكم بالإنسان فرديا جمعيا بتعطيل تفكيره وشل منطق العقل عنده ومشاغلته بغيبيات لم ترد في نصٍّ لكنها مما يجري تصنيعه وتفصيل قيوده وأشكال النير فيه على مقاس استعباد الإنسان للإنسان مما يخرج أصلا حتى على الخطاب الديني ببعض أصول نصوصه ومحدداته..

من هنا ينبغي للإنسان أن يتفكَّر عميقاً بخاصة وهو ينتمي لعصر استطاع الانتصار للعقل العلمي وطابعه الواقعي حيث هوية العقل الإنساني مشروطة بعلميته والتحدث عن اشتغال هذا العقل العلمي مشروط بالضرورة وحتماً بواقعية طابعه ومفارقته أوهام الماورائيات ودجل الخرافات المصنَّعة بخطاب السفسطة البياني وخيالات وأوهام تتناقض والعقل وممارسات الإنسان التي توظف العقل في الاشتغال والإجابة عما يحيط بنا جميعا وكافة.

فهلا وصلت الرسالة وأوصلناها إلى محيطنا لنفض الأيدي من تراب الإهانة التي استباحوا فيها مجتمعات قيودها بنير استعباد ظلامي يجتر تلك الأوهام من غابر الزمن وكهوف العتمة بعفونة ما فعله إهمالها في غفلة طوال عصور ودهور؟

لا يسمحنَّ عاقل لنفسه بأن يستسلم لأضاليل إنسان مثله يستهدف مآرب استغلاله واستعباده وسرقة ما ينتجه من خيرات.. فذاك الخطاب وهو ليس بدين ولا يخضع لتعريف دقيق للدين هو مجرد خطاب نقيض لاشتغال العقل بقصد شلِّه واستعباد صاحبه.. إن قدرة الفعل بخلاف الشلل والتقييد هي ما يدفعنا للتطلع إلى التحرر من أوهام مصطنعة ومن قيودها بتكسير نيرها والانعتاق منه مرةً وإلى الأبد.

إنّ منهجنا هو منهج العقل العلمي المتعارض المتناقض مع خطابات التجهيل وخرافات ماورائية لم ترد بنص يتلائم ومنطق عقلي صائب صحي.. فلا يخشى أحدٌ من رد الخزعبلات ورفضها وطرد الدجالين المضللين من محافل اللقاء المجتمعي سواء جاء اللقاء بندوات ثقافة يلزم ويشترط أن تنتمي للتنوير أم بصفوف العلم وفصوله أم حتى بمنتديات الحوار الديني ومحافله التي يجب ألا تحتكم لمضلِّلٍ يعتاش على ما ينتجه من خرافات…

ونلتقي في حوارنا وقراءتنا لاشتغال العقل العلمي وقدرة الفعل فيه، بما يمنحنا إمكان تلبية مهمة التحرر والانعتاق من سطوة الخرافة واستغلال بل استعباد منتجيها لنا…أفلا تفاعلنا بهذا المنحى والقصد؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد