المجتمع العراقي و تقديس الحاكم

 

منذ فجر التاريخ قبل آلاف السنين ، مرت الإنسانية عبر تاريخ نشوء البشرية و عبر محطات التأسيس الأجتماعي الأولى مرت بمسارات من التنقل للتأسيس الوجودي وفق تشكيلات بدائية أبتداءا من الأسرة ثم العشيرة ثم التشكيل الحديث للدولة .
كانت المفاهيم القيمية التي تتحكم بحياة الفرد و المجتمع مبنية على القوة و إرهاب الطرف الضعيف و لايمكن لأي قبيلة الأستمرار بنمط حياتها مالم تجيد مهارة الإغارة و الغزوات و كان سيد الأسرة هو الأب و سيد العشيرة هو الشيخ و الكل يدين لهذه الرموز بالولاء و الطاعة و لايمكن لأحد مناقشتهم مهما كانت قوة هذا الطرف الذي يروم أن يكون منافسا في صنع القرار و الرأي لأن سلطة الأب و الشيخ محاطة بقدسية خاصة حتى وصل الأمر إلى التأليه و التسليم لهم في كل الأمور و شيئا فشيئا حاولت الشعوب أن تجد لها سبيل للخلاص من هذا التسلط الذي كان اغلبه يستمد قوته بأسم الدين لكن هذا التحول الذي طرأ على البشرية هو تحول فقط بحجم النظام الذي يطلق عليها أسم الدولة لكن هذه الدولة لم تأتِ بجديد أنما أستثمر حكامها عباءة الدين مقياسا لوجود حكمهم فهذه الدول الدينية قتلت أبناءها من خلال الحروب و السجون و الجوع و استمرت المسيرة على هذا المنوال مسيرة من المطاحن و المهالك و الطاعون و الخوف و التنكيل و تسلط الأغلبية على الأقلية و تسلط طبقة على حساب طبقة أخرى مثل تسلط طبقة النبلاء على طبقة الفقراء من الفلاحين و العمال و حينما اكتشف الفلاسفة و المفكرين و الفقهاء أن السلطة الدينية المحاطة بهالة من التقديس ستقضي على الحياة و لايمكن لها إن تنتج إلا الخراب و الويلات و قد برزت هذه الأفكار في المجتمعات الغربية حينما وجدوا سلطة القساوسة و سلطة الكنيسة لا تنهض إلى مايصبوا له الإنسان الحر لهذا انطلقت الثورات و تحطمت السجون و تحطم الحكم الخرافي الذي استند على الكنيسة كمرجع للسلطة و للبقاء الدائم للحكم عبر المنهج الوراثي و قد تزامن ذلك مع الثورة الصناعية التي كانت فرنسا منبعها الأصلي و مبعثها الحقيقي و خلال هذه الفترة ظهرت فكرة العقد الأجتماعي على يد الفقيه – جان جاك روسو – و التي تتمحور فلسفتها حول مشاركة الشعب في اختيار الممثل لهم من خلال عقد يبرم بين الطرفين يلزم الطرف المنتخب بأحترام هذا العقد و إذا وجد الجمهور أن ممثليهم قد أخلوا بالعقد يحق لهم فسخ العقد و الرجوع به إلى الأصل و هكذا توالت النظريات تدريجيا بعد أن دفعت البشرية ثمنا باهضا لها لكن المحصلة النهائية هي القضاء على الفترة السوداء من التقديس التي أخرت الشعوب قرونا و قتلت روح الإبداع فيها حتى وصل الأمر إلى أن القانون هو الحاكم وليس الأشخاص وإنما اختيارهم هو فقط أداة للتنفيذ و نتيجة لهذه الجهود الجبارة تمكن المجتمع الغربي من اختصار الزمن و تطور سريعا عكس الدول المتخلفة التي يطلق عليها بالدول النامية فقد استسلمت شعوب هذه الدول لواقعها و لقدرها حيث لم تتمكن هذه الدول المتمثلة بشعوبها أن تقطف ثمار الحرية التي وهبها الخالق للجميع لأن لا سلطة لمخلوق على مخلوقٍ أخر لكن هذا الأمر لم يحفز هذه الشعوب على الأستفادة من تجارب الآخرين بل بقت تعيش على أرث الماضي المتمثل بالصرر والدراهم و النطع و السيف حتى قتلت أحدى هذه الدول التي تسمي نفسها بالدولة الدينية قتلت أبن بنت نبيها الذي أراد الإصلاح للأمة المنكوبة بشعارات الدين و التقديس المزيف فمن ذلك التأريخ إلى يومنا هذا لازال شعار التقديس هو مقياس العلاقة بين الشعب و بين الحاكم حتى و أن كان الحاكم مستبدا و بسبب هذه الثقافة الغرائبية بقت الدول الإسلامية و الدول العربية و أذكر بالخصوص من بينها ‘ العراق ‘ الذي تميز عن كل شعوب الأرض بمزاجيته الحادة و تقديسه تارة لولاة الأمر فهم فلا زال شعبه ينظر للمحافظ بأعتباره سلطة بل لازال ينظر لمدير الناحية بأعتباره سلطة لا بأعتباره موظف يؤدي واجبه المناط به مقابل راتب من الدولة ، لذلك بقينا متخلفين و معتمدين كليا على الدول الغربية و إذا كانت هناك ثمة تقصير في تأصيل هذه الثقافة و هذا السلوك هو استسلام الشعب الذي لا زال ينظر للسلطان باعتباره منزل بوصية من السماء و كذلك تتحمل النخب الثقافية مسؤولية التقصير في لعب دور مميز لتوعية الجماهير و مهما كان ثمن هذا الدور لأن التحرر من تسلط السلطة الجائرة و التحرر من الأفكار البالية يحتاج إلى تضحيات جسام و لا يمكن أن يأتي التغيير بسهولة إنما تؤخذ الدنيا غلابا .
متى ننتهج ثورة التغيير الثقافي المستند إلى الفكر الديمقراطي لكي نبدع بشكل حقيقي ..؟ متى يكون ذلك ..؟
الأ تكفي تجارب العالم كدروس لنا لكي نتحرر من أنفسنا أولا و نتحرر من ثقافات ورثناها متراكمة بفعل إرادة السلطات العفنة وبفعل الموروث الهزيل الممنهج في دروسنا المدرسية المختلفة ثانيا ؟

شارك
المقال السابقمشاريع الأعمار
المقال التالىخمس ورقات
سجاد طعمه بيرقدار ، كاتب عراقي ، ولد في محافظة ذي قار ، قضاء الرفاعي في العام 1990 م .حاصل على شهادة البكالوريوس في المحاسبة من كلية الادارة و الاقتصاد ، الجامعة المستنصرية . نشرت له العديد من المقالات و الدراسات في السياسة و الاقتصاد في صحف محلية و دولية عديدة .صدر له كتاب " جندي الشمس " عن دار اش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد