إدانة سياسة التمييز الديني ومصادرة حرية الاعتقاد وممارسات قمع الحريات

 

تواصل حكومة المحاصصة الطائفية وأحزاب الإسلام السياسي نهجها وخطابها في مصادرة الحريات والحقوق وقمعها.. وهي تتستر باختيار انتقائي لعبارات وفقرات دستورية ولأجزاء من تلك النصوص من دون إكمالها بما يخلّ في النهج القانوني الدستوري ويُفضي إلى تغطية ممارساتها المتعارضة وروح الدستور ولوائح حقوق الإنسان والقيم الديموقراطية السامية.

وهكذا نجد أن تلك الحكومة مرَّرت وتمرر ما ترتكبه من انتهاكات للحقوق بتأويلات تلوي عنق الحقيقة وتعتدي على مبادئ دستورية جوهرية مهمة، مستنِدةً بكثير من الأحيان إلى موقف قضائي يتماهى وتلك الممارسات اللاقانونية. ومجدداً يتخلى الادعاء العام عن مهامه بالصمت على مثيري خطاب الكراهية وفتنة تشطير المجتمع وتكفير أقسام واسعة منه، بما يؤدي إلى أعمال عنف قد تصل إلى مستويات دموية، بـ همجية ما تمرره من انتهاكات فادحة.

ويضاف اليوم إلى تلك الأصوات النشاز التي تحض على أعمال عدائية تصفوية وحشية ضد القوى العَلمانية الديموقراطية، يُضاف إليها حملة مطاردات قمعية باعتقالات واسعة لمتهمين بالإلحاد وبالتعمية والتعتيم على جرائم اختطاف وابتزاز وتهديد لمؤمنين لادينيين ولمؤمنين من مختلف الديانات والمذاهب مما لا يقع بإطار الخضوع لترهات أحزاب الإسلام السياسي المتحكمة المتسلطة…

وبدل فتح فرص الحوار والإقناع وتوسيع جدل التفاعل السلمي الذي يكفل تبادل الاحترام ويوفر جسور العلاقات الإنسانية النبيلة ويُعلي قيم التسامح، يدفع عتاة الطائفية السياسية ببلطجيتهم إلى الميدان كي يرتكبوا أعمال العنف الهمجية وأشكال الابتزاز والبلطجة وجرائم الاختطاف والتصفية أو الاعتقال من عناصر تتحكم بمراكز الشرطة ودوائر المؤسسات التي يُفترض أن تمارس مهام حفظ الأمن في حين تمارس القمع تجاه المواطنات والمواطنين بادعاء حماية الدين ومطاردة الإلحاد؛ والحقيقة تكمن في ميدان آخر ومقاصد مختلفة تماماً عما يُعلنون ويدَّعون..

لقد جاء في الفصل الثاني من الباب الثاني من الدستور العراقي وتحت عنوان الحريات؛ ما يفيد كفالة حرية الاعتقاد وحمايتها كما ورد في المادة (37) – ثانيا ما نصه: “تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني.” كما ورد أيضا في المادة (42) ما نصه: “لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة.”. وقد ورد في المادة (46) ما يحظر تقييد الحقوق والحريات الواردة في الدستور وحتى صدور قانون يلزم ألا يتجاوز على جوهر الحريات المكفولة دستورياً.

ولابد من التوكيد كذلك على أنَّ اعتماد التأويل لبعض النصوص الدستورية واستغلال ما يبدو تناقضاً بين فقرة وأخرى أو اعتماد أية مثالب في صياغته، كما بكتابة بعض النصوص بخطاب سياسي يتعارض والصياغات القانونية الموجبة، لا يمكنه هو الآخر أن يبرر لأي طرف جريمة تجيير السلطة لمصلحة أطراف حزبية وسياساتها وبرامجها تلك التي يعملون ويحاولون ليل نهار على إحلالها بديلا للأديان والمذاهب قسرياً بخلاف حقيقة أن الدستور يحمي أتباع تلك الديانات والمذاهب بصرف النظر عن النص الديني وطابعه وهويته…

إن الصمت الذي قد يبدو لأول وهلة يدفع لاحتقانات ستؤدي إلى صراعات وتفجرات غير محسوبة العواقب؛ وهو يضر أشد الضرر وأبلغه بالسلم الأهلي ويطعن حرية الاعتقاد ويدفع لظواهر العنف الهمجي ولانتهاكات تخرج على الدستور وعلى سلطة الدولة المدنية دولة القانون والعدل والحريات.

وإذا كانت أطراف مجتمعية قد دانت الجريمة وما تضمنت من انتهاكات للقوانين واللوائح والعهود الحقوقية وللدستور ذاته، فإننا نعتقد بضرورة عدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والتوجه لرفع الدعاوى القضائية ضد الادعاء العام وإهماله التصدي لحملات التكفير بالمخالفة الدستورية الصريحة والتغطية على أعمال الانتهاك التي تصل حد الجرائم التصفوية ولربما تطلب ذلم أوسع الحملات الجماهيرية الشعبية والنخبوية التي تعتمد الإجراءات وخطى التقاضي فضلا عن أوسع حملات تنوير فكري عقيدي وفضح للجريمة ومن يقف وراءها ومآرب تلك الانتهاكات وما يمكن أن تصل بالمجتمع غليه من كوارث ونكبات..

وعلى كل معني بهذه القضية الإشكالية حقوقيا قانونيا أن يتحمل مسؤوليته ويكون صوتا فاعلا مؤثرا وكل قطرة ماء هي ضرورية في استيلاد السيل الجارف لكنس مخلفات الأزمنة الغابرة من ظلاميات تجترها قوى التخلف الماضوية وأحزابها الإسلاموية بخطابها العنفي الهمجي…

لننظم الصفوف في كل قضية في ضوء الاستراتيج الأوسع والأعمق مما يتضمن بشموليته أبعد الأهداف متمثلة بسلطة تستجيب للشعب وتطلعاته وتكفل حقوقه وحرياته وتحميها وتصونها مؤسساتيا بدل ما يُرتكب اليوم من انتهاك بذرائع تزعم الاستناد للقانون وإلى الدستور وهي تنتهكهما بفظاظة تتذرع في فظاعاتها بإيهام وتضليل يدعي التمسك بالقانون ولكنه لا يؤشر سوى مخالفة المسؤوليات القانونية وشرعة الحقوق وخيانة العهد والولاء للقسم الذي أدوه عند تسلم المهام وأعلنوها سافرة أنهم أخذوها ولن يعطوها ثانية!

تلك هي القضية فماذا تقولون؟ تضامنوا اليوم وتآزروا ضد كل انتهاك وإلا فإن الغد ملبد بغيوم عاصفة باستعباد جديد وبكوارث بلا منتهى وبلا حدود..أؤكدها مجددا ودائما القضية التي تتعلق بحقوق الناس وحرياتهم ليست للمساومة ولا مجال للتراخي فيها. فهي قضية لا تقبل جدلا غير الجدل في كفالتها وصيانتها وتلبيتها بالتمام والكمال.. فإلى مزيد عمل وكفاح ومثابرة من أجل الانتصار للحقوق والحريات بلا مثلبة أو نقص.

لا تعليقات

اترك رد