لماذا تطول الحرب الأهلية في سوريا ؟!


 

لا اقدم اليوم هذه المقالة بسبب تميزها بل لكونها نموذجاً لما يريدون لنا ، عمداً او نتيجة قصور منهجي ، ان نفكر في إطاره . الكاتبتان أكاديميتان أمريكيتان من جامعة جورجتاون الامريكية ومتخصصان في العلوم السياسية ، وتخصصها الدقيق هي الحروب الأهلية .

تريد منا كاتبتا المقال ان نؤمن بان السبيل الوحيد لعالم مستقر لاتطول فيه الحروب الأهلية هو عالم الفردية القطبية وتسوقان الدليل على ما تعتقدان انه يثبت صحة ذلك بالاشارة الى ان الفترة الوحيدة التي شهدت معالجات ممكنة للحروب الأهلية وجعلها قصيرة قابلة للحل من خلال التفاوض هي الفترة من سقوط الاتحاد السوڤيتي وحتى وقوع احداث الحادي عشر من أيلول . هذه فترة ، عقد واحد ، تفردت خلالها الولايات المتحدة بشكل كامل بقيادة العالم وشهدت معالجات لكل الحروب الأهلية بحيث كانت قصيرة وقابلة للحل من خلال التفاوض ، وفقاً للكاتبتين ؛ لا ادري الى اي حرب أهلية تشيران في خلال هذه المرحلة ينطبق عليها ذلك ، ولكن اعرف ان حرب الإبادة في رواندا وقعت خلالها وحرب الإبادة لمسلمي البوسنة وقعت خلالها ايضاً ، وفيها استمرت الحرب الأهلية في الصومال وهي عملياً مازالت قائمة حتى اليوم !! تغفل الكاتبتان حقيقة اخرى وهي ان المشكلة الفلسطينية وهي نوع من الحرب الأهلية اخذاً بالاعتبار ان اسرائيل تحتل اراض تعتبرها جزءاً من إرثها التاريخي وبالتالي فان الصراع مع اهل البلاد الأصليين من العرب الفلسطينيين هي حرب أهلية وفق هذا المنطق ، قد تكون ذات خصوصية ، ولكنها وفق المعايير الاسرائيلية حرب أهلية ، وهي حرب مازالت مستمرة وكانت قائمة ومستمرة قبل وخلال وبعد التفرد الامريكي .

من اجل الوقوف على حقيقة الموقف بالنسبة للحرب الأهلية السورية ان نأخذ بالاعتبار جملة من المعطيات التي طرأت على البيئة الدولية والتي جعلت من هذه الحرب وحروب اخرى تمتد على مدى زمني طويل !!

لقد شهدت البيئة الدولية التي تفردت فيها الولايات المتحدة بإدارة شؤون العالم وهي عقد التسعينات تحديداً ظهور عناصر جديدة لعبت الولايات المتحدة الدور الأساسي في نشر بذورها الاولى التي سرعان ما أنتجت الظروف التي تشكل اليوم اهم معالم البيئة الدولية وتجعلها بيئة مؤاتية لكل أشكال الفوضى التي لم تكن موجودة من قبل .

في عام ١٦٤٨ تم التوقيع على اتفاقية وستڤاليا التي شكلت نهاية رسمية للحروب الدينية في اوروپا وأرست بذرة مانعرّفُه اليوم بانه نظام الدولة الوطنية الحديثة متعددة المعتقدات والإثنيات والتي صارت النموذج المعمم لكل العالم واعتمدته الشرعية الدولية الممثلة بعصبة الامم . بموجب هذا النظام هنالك جهة واحدة مخولة باستخدام قوة القهر المسلح في داخل البلاد وخارجها ، وهذه الجهة هي الدولة ممثلة بأجهزتها الدستورية الرسمية ، خلافاً لتقليد كان سائداً لوقت طويل في اوروپا بشكل خاص والذي تضمن الاعتماد على المقاتلين المرتزقة حتى بعض الوقت بعد توقيع اتفاقية وستڤاليا . لقد اصبحت الجيوش الرسمية الوطنية هي الاداة الوحيدة المعترف بها كوسيلة تنفيذ السياسة الخارجية الرسمية للدولة ، الى جانب الدبلوماسية المحترفة ، واصبحت قوات المرتزقة خارج القانون بل واصبحت عرضة لعقوبة الموت وتم استثنائها من قواعد تنظيم الحروب الشرعية ، رغم ان بعض الدول الكبرى قد ظلت تعول عليها في ظروف وحالات قليلة وفي مناطق قصيّة وبشكل سري . لعل اكثر الدول التي استخدمت قوات المرتزقة في تنفيذ بعض من سياساتها هي فرنسا وخاصة في افريقيا اذ استخدمت لتنفيذ انقلابات عسكرية ، لكنها ظلت كما أسلفنا في نطاق ضيق محدود .

من اهم الستراتيجيات التي اعتمدتها الولايات المتحدة بعد عام ١٩٩٠ والحرب على العراق وزوال التهديد الشيوعي هي ستراتيجية تفتيت واضعاف دول وطنية بعينها لمصالح خاصة امريكية . في الفترة السابقة كانت الولايات المتحدة تدعم الحكومات غير الشيوعية وأغلبها حكومات دكتاتورية قوية مسلحة بشكل جيد وذات قدرة على قمع خصومها الداخليين وحتى الخارجيين عندما يكونوا حلفاء للطرف الدولي الاخر باعتبارها الاداة الفعالة للحيلولة دون تسرب ” الافكار الهدامة ” .

البيئة الدولية الجديدة التي عملت الولايات المتحدة والغرب عموماً على ترسيخها وفق هذا المنظور اتسمت بالتالي :

١- الاتجاه المتزايد نحو خصخصة الحروب وشيوع تحويل جزء كبير من مهمات الجيوش واجهزة الامن والمخابرات الى شركات خاصة . تم في العراق وفي أفغانستان ، وهما دولتان قامت الولايات المتحدة باحتلالهما ، استخدام الشركات العسكرية الخاصة وقواتها ليس فقط في المهمات العسكرية الاعتيادية كما جرى في عملية احتلال الفلوجة وتدميرها بل في مهمات امنية دقيقة مثل استنطاق السجناء والتحقيق معهم واستخدام وسائل خارجة عن المعايير القانونية لتنفيذ هذه المهمات وعند انجلاء الموقف وحلول ساعات المحاسبة فان الجهة الرسمية تكون قادرة على التملص من المسؤولية في الوقت الذي لاتوجد آلية قانونية محددة لمتابعة الموضوع بشكل فعال ضد المرتزقة من مقاولي الشركات الخاصة باستثناء الدولة التي تقع الانتهاكات على ارضها وهي دول اسيرة وتحول الولايات المتحدة دون نشوء أنظمة وطنية قوية فيها وتأسيس نظامها السياسي بشكل يضمن ذلك . حصل هذا في العراق وافغانستان ويوغوسلافيا السابقة وليبيا ودوّل اخرى .

٢- شيوع ظاهرة دخول الاٍرهاب المستورد في احداث النزاعات الوطنية مثل ثورات الربيع العربي . توافد على دول مثل سوريا وليبيا والعراق بعد الاحتلالات او اثناء وقوع انتفاضات شعبية فتح أبواب البلاد على مصراعيها بحث توافدت اليها مجاميع ضخمة من الإرهابيين الدوليين للدخول طرفاً في النزاع دون الانحياز الى جهة اضحة من أطرافه . قاتل الزرقاوي اطراف المقاومة الوطنية والقومية كما قاتل قوات الاحتلال وقوات الحكومة التي شكلها الاحتلال وكذلك فعل تنظيم الدولة عند دخوله العراق . في سوريا تكررت ذات القصة حيث توافد الالاف من المقاتلين الأجانب ومن جنسيات متعددة وكانوا على خلاف مع فصائل المعارضة الوطنية بقدر خلافهم مع حكومة الرئيس الأسد وأصبحوا عبئاً على المعرضة التي واجهت مشكلة قتال مزدوج مما حال بينها وبين تنفيذ أهدافها مما اطال في عمر الحرب الأهلية .

٣- دخول المنظمات المسلحة من غير الحكومات طرفاً معترف به من قبل جهات عديدة كجزء من النظام الاقليمي . تحظى المليشيات المسلحة التي تقوم ايران بتشكيلها وتسليحها وتمويلها باعتراف بعض دول الاقليم وتم منحها صفة رسمية شكلية تحت مظلة القانون رغم استمرار تمسكها بمرجعياتهم العقائديون والحزبية التي لاتعترف بالدولة القائمة اصلاً رغم قبولها تلقي الدعم المادي والسياسي الذي توفره لها . هذا مايحصل ف العراق مع المليشيات التابعة للمنظمات العقائدية الشيعية ويحصل في سوريا ايضاً تحت مسمى قوات الدعم الشعبي وهي قوات من مرتزقة اجانب ومحليين . لقد وصل الامر بهذه الظاهرة حد الاعتراف العلي بها كطرف في التسويات الدولية في الاقليم كما حدث لحزب الله اللبناني بعد حربه عام ٢٠٠٦ مع اسرائيل حيث ذكر بشكل رسمي في راس مجلس الامن باعتباره طرفاً في التسوية المؤقتة التي أقرها مجلس الامن .

٤- انهيار النظام الرسمي الوطني والاقليمي على حد سواء في منطقة الشرق الاوسط . لقد جاء عام ٢٠١١ ليحمل نفحات هبّات ثورية شعبية عفوية قامت رداً على تردٍ غير مسبوق في الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . في منطقة تتوفر على اكبر احتياطيات معروفة للنفط وتحقق من خلالها ايرادات خيالية ولكنها تتوفر ايضاً على اعلى نسب الأمية والتخلف والبطالة وخاصة في اوساط الشباب المتعلم . يرافق ذلك اجواء من القمع الفكري والسياسي والحرمان والتهميش لقطاعات شعبية واسعة من حق المشاركة في ادارةٍ الحياة العامة اضافة الى هزائم متكررة امام الأعداء الخارجيين . كان احتلال العراق وتزايد الغطرسة الاسرائيلية وتخاذل الأنظمة التي أقامت شرعيتها على مبدأ تحرير الاوطان دوره الكبير في تفجير هذه الانتفاضة الشعبية العامة . لقد كانت هبّات ثورية شعبية خالصة تعوزها القيادات الامر الذي وضعها عرضة لاحد خيارين . لقد لعبت الولايات المتحدة دوراً اساسياً في احلال هذا النمط من الدول الضعيفة . نذكر جميعاً انها قامت بفرض مناطق حظر الطيران شمالي وجنوبي العراق تحت ذريعة حماية الاكراد والشيعة ونعلم ان ثلث اكراد العراق ظلوا يعيشون تحت سلطة الحكومة في مناطق الشمال المختلطة ولهد حضور واضح في مدن الوسط والجنوب كما ان غالبية ساحقة من السكان في العراق يعيشون بشكل مختلط مما يفرغ الحجج الامريكية من المصداقية والواقع ان مايتوفر الان من معلومات يشير الى ان الهدف الامريكي من وراء ذلك الإجراء هو اضعاف كيان الدولة العراقية بهدف تفكيكها كدولة مركزية مقتدرة وقد تبث بعد الاحتلال ان تلك كانت هي النية الأصلية . كذلك أمت الولايات المتحدة بقيادة الحملة الأطلسية لاسقاط نظام القذافي من الخلف ، ثم قامت بانهاء التدخل العسكري المباشر قبل ان يتم بناء نظام دولة راسخ في ليبيا مما تركها نهباً للصراعات المناطقية والقبلية ، كما شرع ابوابها امام المنظمات الإرهابية الدولية وعلى ذات النمط تتصرف الولايات المتحدة في الوضع السوري واليماني حيث تدعم او تحجب الدعم عن اطراف النزاعات بقدر مايجعلها قابلة للاستمرار دون آفاق واضحة للحلول .

٥- ظهور مبدأ التدخل من خلال الانكفاء وعدم التدخل ، وقد اصبح هذا المبدأ ملازماً لسياسات الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوڤيتي وحتى اليوم . كان التدخل ، وعدم التدخل كنموذج لسياسة التدخل السلبي المؤثر في مسيرة الاحداث في اغلب مناطق العالم ظاهرة ملفتة . كان عدم التدخل الامريكي في الحرب الأهلية اليوغوسلافية وفي الحرب الأهلية في رواندا خلال عقد التسعينات سبباً مباشراً لتفاقم الاوضاع ووقوع مئات الالاف من الضحايا المدنيين ونشوب حروب أهلية كان يمكن تفادي وقوعها لو تدخلت الولايات المتحدة بشكل إيجابي من خلال الامم المتحدة او من خلال الحلف الأطلسي او بصورة منفردة . يعود السبب في ذلك الى حقيقة ان الولايات المتحدة اتخذت لنفسها دور الراعي للنظام الدولي والقوة العالمية العظمى الوحيدة التي تمتلك الوسائل اللازمة لتدخل فعال لفض النزاعات وهذا واجب نابع من ” حق القيادة ” الذي تدعيه لنفسها وفق ماعبرت عنه الوزيرة مادلين اولبرايت . في الحالة السورية نرى الولايات المتحدة قد استخدمت هذا النمط من السلوك ازاء الأزمة السورية بشكل نفعي ذرائعي Synical يخرج عن جميع المعايير الاخلاقية التي اعلنت الولايات المتحدة نفسها الالتزام بها . لسنا بحاجة للقول ان الولايات المتحدة تنظر للوضع السوري من خلال مصلحتها في ذلك الجزء من الاقليم وهي تتلخص في عنوان واحد ” مصلحة وأمن اسرائيل ” . عدم التدخل او التدخل من حين لآخر في الحالة السورية نابع من الرغبة في تحقيق عدد من الاهداف التي تندرج تحت العنوان العريض الذي ذكرناه ووفقاً له تم نزع الترسانة الكيمياوية السورية وفي المرحلة الحالية تبدي الولايات المتحدة رغبة في تدخل فعال ، خاصة بعد التغييرات الاخيرة في الادارة الامريكية ، من اجل ابعاد اي وجود مسلح غير مرغوب فيه قريباً من خطوط الاحتكاك مع اسرائيل . لقد سبق لي كتابة عدة مقالات في الموضوع السوري على موقع الصدى . نت .

في المحصلة فان الاوضاع الدولية وأوضاع منطقة الشرق الاوسط تحركها عوامل عميقة مستجدة عملت الولايات المتحدة اما على انشائها او الاستثمار فيما هو قائم منها . هذه العوامل تجعل من الحروب الأهلية ظاهرة اكثر قبولاً للاستمرار لفترات طويلة مما عهدناه سابقاً واهم هذه العوامل تغير العناصر التي تشكل مانسميه النظام الدولي من حيث تبدل طبيعة وهوية أطرافه وظهور أدوات مختلفة للصراع . كانت الدول هي الاطراف الحصرية التي تشكل النظام الدولي والجيوش او الدبلوماسية هي أدوات عملها . هذا الموقف تبدل بشكل جوهري بعد انهيار المعسكر الاشتراكي حيث ظهرت المنظمات المسلحة من غير الدول لتفرض نفسها لاعباً وتستخدم مايسمى بالحرب غير المتناظرة أدوات في نشاطاتها كما ازداد التوجه نحو خصخصة الجيوش والشركات العسكرية مع عدم توفر أرضيات قانونية دولية مناسبة لضبط إيقاع كل هذا المزائيك المتنوع الذي طرأ على الحياة الدولية حتى اصبحت مثاراً للجدل والارتباك . لم يعد من غير المألوف وصف بعض الحروب الأهلية ومنها الحرب الأهلية السورية بانها حرب الجميع ضد الجميع .

ارجو قراءة هذه المقالة التي اقدمها في أدناه وفق منظور واسع لمفهوم البيئة الدولية ومستجداتهاوالتي حاولت تقديمها في عجالة تقتضيها طبيعة المقال ومساحته . نشرت هذه المقالة في مجلة فورين افيرز الامريكية في عددها اليومي الصادر في السابع والعشرين من شباط / فيراري الماضي ٢٠١٨ . رغم اعتراضي على روح التبسيط في المقالة ومحاولة الإيحاء بان الولايات المتحدة تود لو ترى حلاً تفاوضياً للحرب الأهلية السورية ، الا انها تعكس جزءاً مهماً من واقع الحال وخاصة قضية تضارب مصالح الاطراف الخارجية مما يجعلها حرباً ممتدة في الزمان . في تقديري المتواضع ان الولايات المتحدة قادرة لو ارادت على تقريب نهاية الحرب خاصة وانها الطرف الوحيد الذي يتدخل حين يريد وبمختلف الوسائل دون ان تواجه عائق من احد بما في ذلك روسيا التي لم تستطع رد الضربات الصاروخية للبحرية الامريكية في العام الماضي . لقد تواطأ الطرفان عند نقاط محددة باتت معلومة ، وهذا ليس بالأمر الذي يمكن اخفاؤه رغم مايبدو من احتكاكات في احيان عديدة نابعة من تباينات حول التفاصيل : تحرص روسيا على ادامة وجود دولة مشوهة من خلال الحفاظ على نظام سياسي فقد الكثير من أهليته لحكم صالح للقبول الشعبي العام وقادر على تأمين استقرار متوافق عليه ، فيما تحرص الولايات المتحدة على عدم عودة دولة مركزية فاعلة قادرة على توظيف قدرات البلاد لمواجهة تحديات كبرى مما خلفته تداعيات الحرب فضلاً عن المهمة الوطنية الكبرى وهي تحرير الارض المحتلة ، وفي وسط هذا هاتين الرؤيتين توجد مساحات مشوشة واسعة تلعب فيها اطراف اخرى من الدول وغير الدول ؛ في هذه الفوضى تستمر سوريا وشعبها في دفع أثمان من الحاضر والمستقبل ومن البشر والقدرات …

لنتابع المقال ….

تدخل الحرب الأهلية السورية سنتها السابعة ، وهي حرب وكالة متعددة الاوجه . تتلقى المعارضة المنقسمة دعماً من أطراف خارجية في قتالها لنظام الرئيس بشار الأسد المدعوم من ايران وروسيا وحزب الله . في ذات الوقت تقوم تركيا وهي عضو في حلف الأطلسي بدعم فصائل معارضة للنظام كما قامت مؤخراً بعملية غزو في الشمال الغربي للبلاد من اجل سحق كلنتون عرفين الذي يسيطر عليه الاكراد . اما الاكراد الذين اثبتوا انهم الاكثر موثوقية في قتال تنظيم الدولة فانهم يتلقون الدعم من الولايات المتحدة . في العاشر من شهر فبراير الماضي قامت القوات الحكومية السورية باسقاط طائرة إسرائيلية طراز اف ١٦ بعدما قامت طائرة إيرانية مسيرة باختراق المجال الجوي الاسرائيلي .

من الواضح ان المحاولات المبذولة لانهاء القتال قد فشلت بسبب حجم التدخلات الخارجية مما يعني ان نهايتها متوقفة على قرار القوى الخارجية .

رغم تعقيد المشهد السوري فانه يمكن دراسة الحرب الأهلية السورية نموذجاً لاتجاه عام تاخذه الحروب الأهلية : تتجه الحروب الأهلية الى الاستمرار لوقت طويل وتزداد احتمالية عدم انتهائها الا بنصر احد اطرافها على احتمالية تسويتها من خلال المفاوضات . يأتي هذا التطور في أعقاب فترة وجيزة ، تنحصر بين سقوط جدار برلين وحتى هجمات ١١ أيلول ، حيث كان بالإمكان انهاء اغلب الحروب الأهلية بالمفاوضات ، فماهو الذي تغير كي تتجه الامور اتجاهات مغايراً ؟! .

القواعد والبيئة الدولية :

تتاثر الحروب الأهلية بالبيئة الدولية المحيطة . لكل بيئة دولية قواعدها الخاصة على اساس ان هذه القواعد تفرض نمطاً من التوقعات الخاصة بما يصدر عن صانعي القرارات السياسية . ينطبق هذا على حل النزاعات حيث يسود في اوساط صانعي القرارات السياسية عقائد محددة في فترات محددة حول كيفية حل النزاعات ومن ضمنها الحروب الأهلية .

بهذا الخصوص يمكن تمييز ثلاث انواع من البيئة السياسية الدولية في التاريخ القريب : الاولى هي مرحلة الحرب الباردة التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اواخر الثمانينات من القرن الماضي ، وقد سادت خلالها القطبية الثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي . اما الثانية فتبدأ منذ انهيار جدار برلين سادت خلالها الديمقراطية اللبرالية وهيمنة الولايات المتحدة . اما المرحلة الثالثة فقد بدأت مع هجمات ١١ سبتمبر وبدء الحرب على الاٍرهاب ومن سماتها صعود نجم السلطوية وتجدد التأكيد على قضية الامن كما سادتها التعددية الدولية .

الحرب المستمرة في سوريا

تمثل الحرب الأهلية في سوريا نموذجاً مثالياً ، وان كان قاسياً بشكل غير مألوف ، للحرب الأهلية المعاصرة . لقد ذهب اكثر من أربعمائة الف شخص ضحية لها ، وترك البلاد اكثر من خمسة ملايين شخص كما نزح في الداخل حوالى ستة ملايين اخرين ؛ تقدر مصادر الامم المتحدة ان هنالك حوالى ثلاثة عشر مليوناً من السوريين بحاجة ماسة الى العون الإنساني وهو مايمثل حوالى نصف مجموع السكان .

لقد امتدت الحرب على ارجاء واسعة من البلاد بسب تدخل أطراف خارجية . ان جميع هذه الاطراف المتصارعة تعمل على تحقيق تحقيق ” نصر صفري Zero – Sum Victory ” على خصومها في اطار صراع إقليمي اكبر . لقد قام الرئيس الأسد بمواجهة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت اواخر ٢٠١١ واوائل ٢٠١٢ بالقمع العنيف ، وهنا تدخلت القوى المناهضة له مثل دول الخليج وتركيا وبادرت بسرعة الى تسليح المنتفضين ولكن سرعان مادب الخلاف بين هذه الاطراف الخارجية وهو ماساعد على تمزيق قوى المعارضة . لقد اخذت الولايات المتحدة بعين الاعتبار امكانية استخدام القوة مدعومة بقوى تحالف حلف الأطلسي التي تدخلت في ليبيا عام ٢٠١١ . لقد كان الرئيس باراك اوباما قريباً من اتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية في اب ٢٠١٣ لكن ادارته اختارت بدلاً عن ذلك تقديم المساعدة والتدريب للجماعات المعارضة ( لقد تدخلت الولايات المتحدة في نهاية المطاف في خريف ٢٠١٤ عندما بدأ الطيران الامريكي بتوجيه ضربات جوية ضد تنظيم الدولة متجنباً الاهداف الحكومية ) .

لقد تدخلت ايران منذ وقت مبكّر في الحرب من خلال دعم الأسد حليفها الرئيسي في المنطقة . لقد قامت طهران بنشر بضعة الألف من جنودها في ميدان الصراع للعمل الى جانب وكيلها الاقليمي حزب الله كما استدعت عدة آلاف من المتطوعين الشيعة الأجانب . كذلك قامت روسيا بمساعدة نظام الأسد وقامت بعد ذلك ، منذ أيلول / سبتمبر ٢٠١٥ ، بالتدخل العسكري المباشر . لقد ادى هذا الدعم الأجنبي للنظام الى تمكينه من الصمود كلما بدا انه آيل للانهيار .

في المحصلة فان النظام يبدو متمسكاً بالامور غربي الفرات ، واذا ما استمر الصراع على وتيرته الحالية فمن المرجح ان يتمكن النظام من استعادة سيطرته على اغلب الاراض السورية .

لقد وجهت الولايات المتحدة الدعوة لانهاء تفاوضي للصراع ولكن ظهور تنظيم الدولة وصعود الجماعات الجهادية في اطار المعارضة السورية دفع الولايات المتحدة الى القبول الضمني باستمرار نظام الأسد الشمولي كأمر واقع ، ويبدو ان اهداف الولايات المتحدة وحلفائها تنصب حالياً على هدف محدد الان وهو تدمير التنظيمات الإرهابية . لقد تمت الاستعاظة عن لغة ” احلال الديمقراطية ” بلغة ” الاستقرار ومحاربة الاٍرهاب ” ؛ وعلى سبيل المثال فقد صرح الوزير تيلرسون مؤكداً على ضرورة الا تكون سوريا منصة او ملاذاً للارهابيين مرة ثانية .

ان المباحثات تتواصل . لقد دشنت كل من روسيا وتركيا وايران مساراً موازياً لمسار جنيف الذي تتبناه الامم المتحدة وتدعمه الولايات المتحدة . لقد استضافت روسيا محادثات سلام في سوشي بهدف اعداد دستور جديد للبلاد غير انه من الواضح ان الاطراف الخارجية لم تستطع تأمين اكثر من الهزيمة التقريبية لتنظيم الدولة على الارض واقرار وقف قصير لإطلاق النار مع اجراءات قصيرة المدى لمنع تصعيد الصراع وتقديم عون انساني محدود للسكان .

من الواضح ان الاطراف الخارجية قد عملت على اطالة امد الحرب من خلال دعم الاطراف المتنازعة وفشلت في الالتئام حول تأمين تسوية تفاوضية تقود الى ابدال النظام وإحلال الديمقراطية ، وهو امر كان ممكناً خلال العقد الذي أعقب الحرب الباردة .

توضح لنا الحرب الأهلية السورية قواعد عمل البيئة الدولية الفعلية على الارض : تراجع الولايات المتحدة وحلفائها اللبراليون الذين لم تعد لديهم مصلحة او اهتمام باحلال تسوية سلمية للصراع ؛ يجري التركيز على هدف محاربة الاٍرهاب واصبح قتال تنظيم الدولة هو الاولوية ؛ التركيز على قضية الاستقرار مما حدا بالولايات المتحدة الى القبول الضمني بالنظام الشمولي للاسد ( او من يخلفه ) باعتباره المنتصر الفعلي والضامن للامن .

ان الحروب الأهلية الحالية تثبت ان افتراضات اللاعبين حول كيفية إنهائها قد اصبحت غير نافذة ومن الواضح ان القوى الأجنبية هي التي تحدد قواعد اللعبة ونهايتها وفي حالة سوريا فان ذلك يعني انتصار الأسد .

لا تعليقات

اترك رد