غربة روح


 

كثيراً مايكون خلف مظهر الصلابة والقوة أرواح وقلوب هشة .. تكسر في أول منعطف حقيقي للحياة …
ترعرت في بيئة متوسطة .. وسط عائلة كبيرة .. متعددة الإخوة و الأخوات .. هي كانت واسطة العقد .. ولربما كان هذا سبب دلالها وسوء حظها أيضاً .. تلذذت بكل جمال للحياة كان متاحاً لمن هي في مثل ظروفها .. كانت ذاك النوع من الجمال الذي يعتني بنفسه جيدا .. كي يبقى على قيد الحياة مهما تقدمت صاحبته في السن .. أنيقة على الدوام .. حين تسير يصاحب خطوتها كبرياء الأنثى الواثقة من قوة جمالها .. رغم أنها تميزت بروح بسيطة ومتواضعة لمن عرفها عن قرب ..
و مثلها مثل كل فتاة في سنها .. وقعت في الحب .. وبقوة أيضاً .. وفي مدينة صغيرة ماأسرع انتشار أخبار الحب والزواج والطلاق .. علم الجميع بها .. فكان لزاماً عليه أن يتقدم لخطبتها .. رحب أهلها به .. كانوا خالين من كثير من العقد الشرقية السمات التي تُسيّر حياتنا .. لكن المفاجىء في الموضوع كان رفض أهله لها وبقوة أيضاً .. لكنه شاب وعاشق .. ويمتلك الإمكانيات المادية التي تساعده على الزواج .. ماجعله يتمم الزواج دون مباركة أهله و بحضور اثنين من إخوته فقط .. معتمداً على أن الزمن خير معالج لهذه الأمور ..
ربما كانت بداية قاسية لهما .. لكن تلاها الكثير من السعادة أيضاً .. كان بيتهما يعبق بالكثير من الدفء و عطر الحب .. درجة أنها أثارت الغيرة في نفوس كثير من نساء عائلة زوجها .. كن يأخذن عليها أنها متحررة من كثير من العادات والتقاليد .. لذا بقيت العلاقات بينها وعائلته محدودة رغم تحسنها نوعا ما بعد رضوخهم للأمر الواقع .. نتاج هذا الزواج كان ولدين رائعين .. كان مثالاً للتربية الحسنة ..
في بعض المساحات تغير الريح اتجاهها أحيانا ..
فتسوء أمور حياتنا ويتقوض كل بنيان عملنا عليه فيها دون ذنب منا يذكر ..
قد يَمنُ علينا القدر بالسعادة .. أو لربما يعتبر أن في القليل الذي نلناه منها .. الكثير الكثير ..
فالحياة أحياناً ظل ساكن في موقع ما وفي أخر أشعة ساطعة .. أو أنها ساطعة على الدوام .. أو هي ظليلة للأبد في حياة أخرين ..
وهي ركنتها الحياة في الظل حين أدخلت امرأة أخرى في حياة زوجها ..
لاتعلم هي كيف تسللت تلك .. ولا من أي ثغرة دخلت .. وهي التي لم تتوقف عن رعاية بيتها وعائلتها يوما ..
لم تستسلم .. حاربت بكل قوى الحب الذي حملته في قلبها يوماً له .. ولم يتوقف للحظة ..
توسع الحدث بتدخل الأهل من الطرفين .. كل انحاز إلى ابنه .. حتى لحظة أدركت فيها أن ماتبقى من كبرياؤها هو القشة الأخيرة التي يجب عليها أن تتعلق بها .. وكان الخاسر الأكبر هنا الولدان .. اللذان يخطوان بسرعة واندفاع نحو المراهقة ..
وكان اتفاق انفصال دون طلاق .. احتفظت بالبيت والولدين .. معلنة أنها ستكرس ماتبقى من حياتها لهما ..
من شيم الإنسان أنه يبني أمالاً و أحلاماً واسعة في الحياة .. متناسياً أن الغدر من صفاتها الشائعة ..
و أنها إن ابتسمت أغرقت الإنسان في بحر من العسل .. و إن عبست له اقتلعته من جذوره وهوت به في عمق الوجع ..
الحرب كانت لفتة غدر منها .. هدمت بها الحجر و أحرقت الشجر وشتت البشر ..
و هي وقفت عاجزة أمام بركانها .. كل تفكيرها انحصر في النجاة بولديها خارج البلاد .. مراهقان هم ولاتضمن هي ردود أفعالهم تجاه مايحدث .. رتبت الأمر مع أخيها .. غادرا معه لمنفى بعيد .. بقيت هي على أمل أن تنتهي الأمور قريبا ويعودا …
من سوء حظها أن الغربان السوداء حلقت في سماء مدينتها .. حاصروا ساكنيها من كل الجهات .. اكتشفوا أنها امرأة منفصلة وتعيش وحيدة .. راقبوها قبل أن يتوصلوا لقرار تزويجها .. نعم هم الذين فرضوا على كل نساء و فتيات المدينة الزواج بهم .. في ظل قرار جائر .. احتار الأهل فيه كيف سينجون ببناتهم منه ..
ارتبكت وهم يرسلون إليها ليبلغوها الأمر .. لم تدري ماتفعل ..
قادها الغرق لزوجها الذي لم تنقطع بينها وبينه العلاقة لوجود الأولاد .. استجارت به ..فتدخل مثبتاً أنها مازالت على ذمته .. و أن الطلاق بينهما لم يتم … ذاك كان حبل النجاة الذي أنقذها و أخرجها من مدينتها لأخرى بعيداً عن هذا الوباء .. وإن بقيت داخل حدود الوطن ..
اليوم ولداها تجاوزا السن القانونية للرعاية في الخارج .. وضعف الأمل بعودتهما أو حتى اللقاء بهما .. ولاتدري هي أي مصير ينتظرها .. في مدينة غريبة عليها وجدران أربع ينبعث منها صقيع قاتل .. لا ذكرى لها فيها ولابقايا عطر من قلوب أحبتها .. وعزلة حقيقية في غياب الأهل والأولاد لاتعلم كيف ستحطم بابها أو حتى كيف ستفتح منها نافذة للعالم حولها .. كي تتنفس …

لا تعليقات

اترك رد