متى تبصر النور المحكمة الدستورية في تونس ؟

 

مما لا مراء فيه أن الدستور هو القانون الأسمى في الدولة , حيث يعتبر بمثابة مجموعة من القواعد القانونية المتعلقة ببنية الدولة وطريقة ممارسة السلطة السياسية فيها , وهو المعبر عن ثوابت الدولة وعن حقوق الأفراد وحرياتهم السياسية والدينية والفكرية والمدنية . فالدستور هو وليد الفكر الديمقراطي , وأساس كل نظام حكم يضمن سيادة الشعب وسيطرة القانون على الحاكمين والمحكومين على حد سواء , وليس هناك من هو فوق القانون , وبالتالي هو يقيد السلطة الحاكمة ويحد من التطاول عليه وعلى حقوق الأفراد والٍاعتداء على حرياتهم , ويجعلها مسؤولة أمام الشعب .
ولأجل هذه المكانة تأسست الرقابة على دستورية القوانين من أجل ضمان علوية الدستور , حتى لا يتحول ٍالى مجرد وثيقة صماء أو لغو ٍانشائي , وبالتالي تساهم في ٍارساء دولة الحق والقانون من خلال التحقق من مخالفة القوانين للدستور , تمهيدا لعدم ٍاصدارها ٍاذا كانت لم تصدر بعد أو ٍالغائها والٍامتناع عن تطبيقها ٍاذا كانت قد صدرت . وهذا يعني أن يكون الدستور في مركز السمو والصدارة والهيمنة على سائر القوانين الأخرى , ٍانطلاقا من مبدأ الترتيب التفاضلي للقواعد القانونية , وأن يكون محل احترام جميع السلطات في الدولة من تشريعية وتنفيذية .
ولا يختلف ٍاثنان اليوم , في كون الرقابة على دستورية القوانين من أهم المستلزمات الأساسية والمرتكزات الهامة للحفاظ على حقوق الٍانسان وحرياته في الأنظمة الديمقراطية , حيث “لا ضمانة لهذه الحقوق من دون رقابة على دستورية القوانين من تعدي السلطة عليها “, لذا نص دستور الجمهورية الثانية في تونس ( 27 جانفي 2014 ) على أهمية القضاء الدستوري ودور المحكمة الدستورية في ٍارساء العدالة الدستورية وضمان علوية الدستور وٍاحترامه . ٍالا أنه ٍالى حد الآن لم يقع تركيز المحكمة الدستورية ويتواصل غيابها , بالرغم من أنها تعد حجر الأساس للنظام الديمقراطي ودولة القانون , بٍاعتبارها الهيكل الضامن والحارس له . فمتى تبصر هذه المحكمة وتنظر في الٍاخلالات الدستورية والتجاوزات التي قد تقع من حين لآخر ؟
من المؤكد أن القضاء الدستوري يشكل دعامة أساسية لبناء دولة الحق والقانون والمؤسسات ومدخلا رئيسيا لتعزيز المسار الديمقراطي في بلادنا , لهذا نص الفصل 118 من دستورنا الجديد على ٍاحداث المحكمة الدستورية , التي نظمها القانون الأساسي عدد 50 والصادر في 03 ديسمبر 2015 , ولكن رغم 4 سنوات من المصادقة على الدستور ومرور أكثر من سنتين على قانونها , بقيت المحكمة الدستورية حبرا على ورق ومحل تجاذبات سياسية , ورهينة التوافقات الحزبية بحثا عن حل يرضي جميع الأطراف حتى ” لايغضب الراعي ولا يجوع الحمل ” ! . ومن ثم تأخر تشكيلها من ناحية بسبب الأزمة التي عرفها المجلس الأعلى للقضاء , ومن ناحية أخرى نتيجة عدم اتفاق الكتل النيابية في مجلس نواب الشعب حول الأربعة الأعضاء الذين يجب ٍانتخابهم .
و بالتالي بقيت المحكمة الدستورية رهينة كواليس البرلمان , باعتبارها تتكون من 12 عضوا , ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون ويتم تعيين أعضاء المحكمة الدستورية من قبل مجلس نواب الشعب (04) والمجلس الأعلى للقضاء (04) ورئيس الجمهورية (04) . والكل ينتظر ويترقب من هم المترشحون من قبل البرلمان حتى لا تخلط أوراق مرشحيهم , وذلك لأن البرلمان يعين أربعة أعضاء طبقا لما يلي : ” لكل كتلة نيابية داخل مجلس نواب الشعب , أو لكل مجموعة نواب غير منتمين للكتل النيابية يساوي عددهم أو يفوق الحد الأدنى اللازم لتشكيل كتلة نيابية , الحق في ترشيح أربعة أسماء على الجلسة العامة , على أن يكون ثلاثة منهم من المختصين في القانون , وينتخب مجلس نواب الشعب هؤلاء الأعضاء الأربعة بالٍاقتراع السري وبأغلبية الثلثين من أعضائه .”
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تواصل غياب المحكمة الدستورية , لأنها ظلت رهينة للتوافقات الحزبية والكتل النيابية تحت قبة البرلمان , ٍاذ يبدو أن الكل يسعى ٍالى فرض مرشحه !! , في حين أنه من المفروض ضمان استقلالية وحيادية المحكمة عن أي توظيف سياسي أو حزبي لحماية علوية الدستور والنظام الجمهوري الديمقراطي وحقوق وحريات الأفراد , في نطاق ٍاختصاصاتها وصلاحياتها المنصوص عليها في الدستور ! .
ومن المعلوم أنه ستعقد جلسة عامة يوم الثلاثاء 13 مارس 2018 لٍانتخاب 4 مرشحين من بين 8 أسماء رشحتهم الكتل النيابية , لكن يخشى أن يتواصل ويتفاقم الجدل السياسي حول عملية انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية , ليحول دون التصويت لٍاختيار 4 أعضاء من المترشحين ! . والثابت في هذه الفترة الراهنة أن التعجيل في تركيز المحكمة الدستورية أضحى مطلبا أوليا سواء من المعارضة السياسية أو من المجتمع المدني , لذا كل المؤشرات تشير ربما الى ايجاد الحل السحري من خلال ” سياسة التوافق ” ويحسم الجدل ويقع تمرير هؤلاء المترشحين ومن ثم يقع استكمال بقية التشكيلة و ٍارساء أخيرا المحكمة الدستورية , التي ستصبح الحكم والفصل في كل القوانين الصادرة وفي أي تعديل يمس الدستور أو النظام السياسي . لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ستكون حقا هذه المحكمة صمام أمان أمام أي انحراف بالمسار الديمقراطي ومستقلة ومحايدة؟ أم ستكون كبقية الهيئات الدستورية الأخرى تواجه صعوبات تنظيمية وتجاذبات سياسية داخل أروقتها ؟ وهل سيكون مصيرها تحت سيطرة السياسيين , خاصة وأن الدستور في فصله 118 لم يبين اجراءات وطرق التعيين , وبالتالي حتما ستؤدي الى تركيبة ذات ولاءات سياسية للأغلبية الحاكمة ؟ وهل يبقى الأمل في تعيينات المجلس الأعلى للقضاء لتعديل الكفة باعتبار القضاء سلطة غير مسيسة ؟؟.
وعليه نأمل أن يكون مصير المحكمة الدستورية في بلادنا , ٍاذا أبصرت النور , ليس كبقية أخواتها التي يبدو مستقبلها في خطر حسب ما صرح به الأستاذ ” شفيق صرصار ” بأن ضمان ٍاستقلالية الهيئات الدستورية مسألة ليست في صالح الجميع على المستوى السياسي , وابقائها تحت طائلة السياسيين سوف يمكنهم من السيطرة عليها بشكل أو بآخر ” ! .

لا تعليقات

اترك رد