اكذب لتتجمل

 

يقول مصطفى صادق الرافعي : ” إن الكذب رذيلة ، والفضيلة الكاذبة رذيلتان” .

إنها مقولة صادقة ، تصف واقعا معيشا ، عندما يحتل الكذوب المكانة ، ويحظى بالتقدير ، وتُعَدُ براعته في الكذب علامةً على الدهاء، بمواقف وقصص وآراء قد تنطلي على المغفلين والأذكياء معا .

*****

في قصة قصيرة لإحسان عبد القدوس ( أنتجت فيلما أيضا عام 1981م ) ، نجد شابا جامعيا ( إبراهيم ) يدرس في كلية الآداب في جامعة القاهرة ، وهو أول دفعته دائما، ولا يُرَى إلا متأنقا ، وهذا الشاب يعاني من حالة من النفور والتمرد على الوضع وبيئة الفقر التي يعيشها; وقد قدّم نفسه لزملائه في الكلية على أنه من أسرة ريفية ميسورة تمتلك عزبة من خمسين فدانا ، وله خال مستشار قضائي كبير. وكان يحب ابنة أستاذه في الكلية ، وقد تواعدا على الزواج بعد التخرج .

يتفاجأ الأستاذ (والد خطيبته ) عندما كان يشيّع إحدى الجنازات ، بأن هذا الشاب هو ابن للترَبي (حفار القبور) ، بل ويساعد والده في مهنته . فصارح زوجته أم البنت ، التي أخبرت ابنتها ثائرة متوعدة ، لتقطع صلتها بهذا الشاب ؛ فرفضت البنت تماما وتمسكت بالرومانسية وأن الأصل لا يعيب ، فهو طالب متفوق ، كما عرفنا من سياق القصة أن أم الشاب تعمل خادمة عند أسرة صديق له في الجامعة . تصرف الأب – أستاذ الجامعة – بكثير من الحكمة والدهاء معا ، حيث طلب من ابنته ، التعرّف على أسرة الشاب عن قرب ، وأن تذهب إليهم في المقابر ، لتقضي يوما معهم حيث يقيمون في مسكن قريب من المقابر . وهو ما فعلته الفتاة المرفهة ، وعادت في نهاية اليوم وهي مضطربة المشاعر. ثم قررت الذهاب لهم مرة ثانية لتشاهد حبيبها ” إبراهيم ” وهو يحفر قبرا ، فواجهته وأخبرته بهدوء أنهما ليسا لبعضهما، على اقتناع تام بأن المستوى المادي والاجتماعي جزء من منظومة الحب.

المفارقة أن الشاب الفائق قال عبارة حمل حملت عنوان القصة : ” أنا لا أكذب ولكني أتجمل ” ، معللاً بأن المجتمع قاس لن يرحمه إذا عرف بمهنة أبيه وأمه .

ويكون السؤال : هل أفلح هذا الشاب في التجمل ؟

إن أزمة ” إبراهيم ” هي رغبته في الخروج من ثوبه ، ليكون ضمن الطبقات العليا، فتجمّل زمنا طويلا ، وانكشف سريعا ، لأن المثل المصري يقول : ” الكذاب ليس له أرجل “. ولو افترضنا جدلا أنه لم يتجمل بالكذب ، وجعل تفوقه عنوانا على شخصيته، وواصل نجاحه ، فإن فقر أسرته سيكون مدعاة لفخره .

*****

في قصة واقعية ، نشرها بريد الأهرام منذ ما يزيد على ثلاثة عقود ، تروي إحدى الفتيات ، أنها تنتمي لأسرة ميسورة ، وتعيش في عمارة فاخرة في حي راق في القاهرة، فوجئت الفتاة وأختاها البنتان وأمهن بأن والدهن توفي بأزمة قلبية مفاجئة ، فصرخن وعلا بكاؤهن ، فصعد بعض الموظفين في شركة كانت في الطابق السفلي لشقتهن، وتطوع موظف شاب وأحضر طبيبا ليتأكد من الأمر ، ويحرر شهادة الوفاة. فسارعت الأم ، وأعطت الشاب رزمة مالية ، ليقوم بإجراءات الجنازة والتشييع ، وهو ما قام به على خير وجه ، وتم الدفن ، وأقيمت ليالي العزاء الثلاثة ، وفي صبيحة اليوم الرابع، أحضر الشاب كشفا فيه تفصيلات لما أنفقه ، وما تبقى معه من مال، وقدمه للأسرة المكلومة ، فشكرنه على صنيعه .

المشكلة أن البنات وأمهن اكتشفن الواقع المؤلم ، إنهن بلا رجل يقضي مصالحهن ولا خبرة لهن بالحياة والناس ، فنادت الأم على الشاب مرة ثانية ليقضي بعض شؤونهن ، ولكنه اعتذر بلباقة ، فلا يستطيع مواصلة زيارتهن ، فكلهن نساء .

اقترحت البنت الكبرى ، راوية القصة ، أن تتزوج من هذا الشاب ، وهي الفتاة الجامعية ، وبالفعل تم العرض عليه ، فقال : نسبكم يشرفني ، ولككني لست جامعيا، وموظف صغير، وأسرتي على قدر حالها .

فأخبرته الأم أنها سيكون ابنا لها ، ولن تجد أفضل منه لتأتمنه لإدارة شؤون الأسرة، وما ورثوه عن الوالد ، فقبل الشاب ، بعدما وضع لهن خطوطا واضحة ، وأنه سيتقدم بإجازة من عمله ليدير مصالحهن .

تقول الفتاة : لم أشعر يوما بالندم على الزواج منه ، فهو رجل خلوق صالح ، استثمر أموال الأسرة ونمّاها ، وقام بزواج أخواتي البنات ، وصار له مشروعه الخاص، وأنا فخورة به ، وأبنائي صالحون مثله ، وأهله طيبون .

لقد كان صدق الشاب منجاة له ، ومهرا لزواجه من الفتاة .

*****

نحن – إذن – أمام لونين من الكذب ، الكذب العادي المفضوح ، وأصحابه معروفون ، وهناك أصحاب الفضيلة الكذابون ، الذين يكذبون لدواعي البراجماتية (النفعية ) الحياتية ، ولمزيد من المبررات ، ثم إنهم يوغلون في الكذب، حتى يكون جزءا من طقوسهم اليومية ، بل ينسون الصدق ، وإن صدقوا في قول ، فلابد من صبغه ببهارات الكذب ، على غرار ما يفعله المشعوذون ، يعرفون معلومة واحدة عن الشخص المريض ، ثم يصوغون ألف كذبة حولها ، وما أيسر الكلام !

أما الصادقون ، فحدّث ولا حرج عن مكانتهم بين الناس ، لا يعرفون تلاعبا ، ولا يتكسبون بغير ما يدّعون ، مصداقا لمقولة الإمام علي بن أبي طالب ( كرّم الله وجهه ) : ” اطلبوا الحاجات بعزة الأنفس، فإن قضاءها بيد الله ” .

*****

على جانب آخر ، هناك صادقون مغبونون في الحياة ، لأنهم لا يعرفون تلوينا في القول ، ولا زخرفة في الكلمات ، ولا يجيدون اختيار مناسبة القول ، ويتخيلون أن الصدق في كل لحظة واجب ، ولا يعرفون أن لكل مقام مقال ، فلا يشترط أن تقول كل شيء ، وإنما أن يكون ما تقوله صدقا ، وتلك هي الحقيقة التي تغيب عنهم .

وكم كان بائسا هذا الرجل الإسباني ، الذي لم يسر في جنازته أحد ، حتى ذوي قرباه امتنعوا عن تشييعه ، لأنه ببساطة قال رأيه في كل شخص وموقف ، بشكل مباشر وحاد ومؤلم ، ولا يعلم أن النفس البشرية لا تتحمل المصارحة ولو كانت صادقة، وتلك مشكلة بعض الصرحاء ، أنهم لا يعرفون فن قول الصدق ، فيصطدمون بمجتمع شديد القسوة ، ونفوس عظيمة الحساسية .

*****

تأمل معي حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ” لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتَب عند الله كذابا ” .

إنه لا يكذب فقط ، وإنما يتحرى الكذب ..

وفي هذا يقول الإمام ابن القيم ( رحمه الله ) : ” إياك والكذب ، فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه ، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس ، فإن الكذب يصور المعدوم موجودا ، والموجود معدوما ، والحق باطلا والباطل حقا ، والخير شرا والشر خيراً ، فيفسد عليه تصوره وعلمه ”

كلمات ابن القيم غاية في الروعة ، إنه يخاطب من له عقل وقلب ، موضحا عاقبة تحري الكذب ، لأن القضية لا تتصل بالآخرين فقط ، وإنما بالشخص الكاذب نفسه، لأنه سيرى الأمور على غير حقيقتها ، فيفسد عقله أولا ، قبل أن يفسد عقول الناس، فهو يبني عالما متخيلا ، عماده الكذب ، وأساسه خواء الذهن والنفس .

وعلى حد قول برناد شو: “ليست عقوبة الكاذب أنّ الناس لا يصدقونه بل إنهُ هو لا يستطيع أن يصدق الناس”.

وهو ما يوضحه ادولف هتلر، وكان إعلامه قوامه الكذب ، يقول : ” اكذب كذبة كبيرة ثم حاول تبسيطها وكررها، في النهاية ستصدقها أنت “.

*****

” حبل الكذب قصير ” ، مثَل عراقي متوارث منذ القدم ، وقصته عجيبة ، فقد كان لتاجر غني في بغداد ، عشرة من الخدم وفوجئ التاجر أن أحدهم قد سرق منه ألف دينار ، فاحتال التاجر ليكشف السارق، وكانت خطته بسيطة ، حيث جمع خدمه ، وأعلمهم بالسرقة ، ثم أعطى كل واحد من خدمه حبلاً ، طوله نصف متر ، وقال لهم : احضروا صباح الغد التالي ، لأن السارق سوف يطول حبله ، بعشرة سنتيمترات . وفي صباح اليوم التالي ، اصطف الخدم بحبالهم والتي كانت كلها بنفس الطول ، عدا واحد ، كان طوله أقصر بعشر سنتيمترات ، فعرف التاجر أن صاحبه هو السارق . فقد قص السارق حبله عشر سنتيمترا ، ظناً منه أن حبله سيطول ، وساعتها قال له التاجر : حبل الكذب قصير .

*****

يقول الفيلسوف نيتشه : ” لست منزعجاً لأنك كذبت علي، لكنني منزعج لأنني لن أصدقك بعد هذه المرة “.

أما إنغيلا ميريكل زعيمة ألمانيا الموحّدة : ” إذا لم يستطع الإنسان أن يخترع كذبة مقنعة ، فأولى به أن يتمسك بالصدق “.

1 تعليقك

  1. مقال رائع، في هذا الزمن لابد أن نغلف الصدق والرأي الصواب بغلاف من البهرجة الخداعة حتى لا نخسر الأخر بصدقنا.

اترك رد