تشوهات هيكلية كرست النظام الطائفي الكليبتوقراطي

 

مقترح رؤية ومعالجة:

يبدو أنّ جمهوراً واسعاً بدأ يتيقن أكثر فأكثر من موقفه المتشكك من الجمهور الواسع من الشعب هو السبب في إعادة إنتاج النظام وتثبيت الطائفيين المفسدين في مقدم الزعامة وإدارة الدولة. ولربما كان ذلك المشهد لأول وهلة وبعجالة وبغير تمعن وتمحيص، يحمل وجه صحة وصواب مظهرياً.. إلا أن اتهام الشعوب بما يجري من جرائم كمّن يتهم القتيل بأنه هو من انتحر ولا وجود لقاتل!

من جانب آخر لم تصل أصوات علماء الاجتماع السياسي إلى واسع الجمهور بشأن تشخيص المجريات وما آلت إليه بعد عقود من التخريب وبعد واقعة احتلال وتسليم مقاليد السلطة لعناصر مرضية دخيلة على مجتمع التنوير ومنطق الدولة الحديثة وقوانين إدارتها وآليات مسيرة البناء فيها..

إذ الحقيقة أن عناصر جد رئيسة وخطيرة هي ما حدد مؤشرات الأوضاع في عراق اليوم، وليس تلك النظرة العجلى التي تستهين بالشعب وبتطلعاته في ولوج مرحلة التغيير وإعادة إعمار الذات الوطني المخرب وبناء البلاد.. وكثرما وجدنا تلك الرؤى تنتشر مستهجنة الحراك الشعبي وإمكاناته ومديات تأثيره عند توافر الظروف والشروط المناسبة…

وفي المجتمع العراقي، استطاع الشعب مواصلة مشوار تقدمه تدريجاً مراكِماً الخبرات والقدرات وإنجاب طبقته الوسطى من علماء ومتخصصين بمختلف الميادين البنيوية. كما أطلق فرص عناية بثقافة وطنية إنسانية وبقيم العمل والبناء على وفق منطق الدولة الحديثة، على الرغم مما جابهه من عسف النظم المختلفة.. مع ضرورة الاعتراف بأن النظم المدنية غير تلك المتسترة بالدين تمنح فسحة في مشروعاتها للتعليم ولبناء طبقة نخبوية تنهض به وإن بمحددات وشروط جد ضيقة، ومن تلك النافذة تمر بعض القوى الشعبية باتجاه تبني مشروعها النهضوي..

لكن حدود الفسحة المضغوطة الصغيرة الضيقة تفضي عند صعود قوى طائفية بمنهج التقية والتضليل، تفضي إلى انهيار المشروع النهضوي قبل أن ينضج وبدل ظهور الجمعيات النخبوية الممثلة للطبقة الوسطى، يبدأ تفتيتها وتفتيت البنى المجتمعية للدولة المعاصرة الحديثة..

وتتبدى بهذه المرحلة وتحت سلطة الطائفية وآليات إفسادها حال من الظواهر الهيكلية الاستبدالية الطارئة؛ من قبيل تنشيط البنى المجتمعية التي تنتمي لما قبل الدولة الحديثة مثل تشكيلات الطوائف والعشائر لتتحكم بالمشهد بالترافق مع سحق مهول للطبقة الوسطى.. ولقد شهد العراق اضطراراً هجرة خبراته إلى المنافي بالتزامن مع حملة تصفوية دموية طاولت آلاف العلماء وأكثر منهم من الأساتذة الجامعيين ومن مختلف الاختصاصات العلمية العليا…

وبين صعود نجم العشائرية والطائفية وسحق الطبقة الوسطى وسيادة الجهل والتخلف بتمظهراته في نسب الأميتين الأبجدية والثقافية، صعدت بل تسيدت القوى الهامشية المتخلفة لتبدأ دوامة تالية في مسلسل حلقات السحق الهمجية؛ تلك هي تفاقم ظاهرة (الفردنة)..

وبإشاعة ظاهرة الفردنة تُشاع الثقافة الاستهلاكية، لترافق طبقة المفسدين (الكربتوقراط) وصراعاتهم المحتدمة لاقتسام المغانم والمصالح والمآرب، ويصير المجتمع حتى أبعد وحداته تفصيلا، ممثلة بالعائلة بحال التفكك والتفتت. ويتم استبدال الوحدات البنيوية السليمة للمجتمع، من طبقات وفئات وجماعات ومكونات، يتم استبدالها جميعاً بالمجموعات (الشللية) بما يحرك تلك الشلل من أطماع مرضية؛ تعبر عن الثقافة الاستهلاكية المرضية، وتنحصر باللهاث خلف مستهدفات مادية رخيصة، سهلة الوصول والتحقق…

إنّ المرء بظاهرة الفردنة يكون مقيداً بضغوط العيش، وحيداً في مجابهة الآلة الجهنمية للاستغلال الأبشع في عصرنا. بإشارة تلك الضغوط إلى الطابع المافيوي للنظام ومنظومة قيمه، من جهة قدرات السلب والنهب وحجمهما وقدرات الاغتصاب والمصادرة وما تتطلبه تلك الجرائم من آليات عنف وحشي يجري أو يُرتكب بصيغ التصفيات الدموية وحتى الإبادة الجماعية بلا ضمير يتحرك!

إن معنى ذلك يتجسد في ولادة عصابات الجريمة المنظمة وفي تشكيلات مافيوية واسعة اخطبوطية وبالتأكيد كما نشهد عراقيا في تشكيل الميليشيات والمجاميع المسلحة تلك التي يسقطون عليها القدسية وتتستر بدين من الضاليل ما أنزل الله بها من سلطان…

وتمشية لعلاقات الدولة مع المجتمع الدولي تتمظهر بعض التشكيلات بصيغ حزبية ليست سوى غطاءً لأدوار زعامات الحرب الطائفية من جهة وبحثاً عن تقية تجلب بعض من تبقى من أنصاف متعلمين يخدمون في ميادين إدارة الدولة والعمليات المعقدة في عصرنا للعلاقات الدولية مما يتطلب متخصصين بلا ثقافة إنسانية تقبع أدوارهم في حدود مهنية صرفة وتسلم الأجر عن أعمالهم…

وإذا ما قرأنا في تفاصيل اليوم العادي للمواطن العراقي في ظل روح الفردنة المتسيدة فسنجد ظواهر ((الشعلينة لازم)) ورفض إقرار واجبات الشأن العام و\أو المشاركة المجتمعية؛ فهو [أي ذاك المواطن \ الفرد] لا ينظف على سبيل المثال حتى أمام باب بيته ويتنصل من مسؤولية تنبيه جاره على تجاوزاته على الملكية العامة بل قد يشارك هو في تلك التجاوزات.. ولا يحرك ساكناً تجاه مجريات في الشارع من قبيل اعتداء رجل على بنت أو سيدة أو طفل…

ومع إجراء الفحوص والاستطلاعات سنجد أموراً لا تقف عند البيئة الصماء التي يهملها ويزيدها تفاقما حتى تحاصره في داره وتقتحم حديقة منزله وهو حتى لا يشتكي المسؤولين عن النظافة أو يطالب بحقه ذاك.. دع عنك أمورا من قبيل الانتماء للجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني التي ظلت محصورة بالمعارف والشلل في أحيان عديدة وتدار وتنشط فردياً، على طريقة اذهب أنت وربك يا مسؤول ويكفي أننا موجودون في هذه الشلة عفوا أقصد الجمعية….!

القضية التي رسمت سحق الطبقة العلمية النخبوية [البقة الوسطى] المعنية بإدارة الدولة والمجتمع ورسم منهج التقدم فيها [أكرر هنا] لا تقف عند عبارة مجردة صماء بل هي مستفحلة متفشية في منتجها ومجمل إفرازاتها لتشكل تركيبة الهياكل المرضية التي تكرست في فضاء الوجود المجتمعي برمته…

وهكذا تكتشف أسباب ضعف المشاركة في الحركة الاحتجاجية حتى عندما تكون مجرد توقيع في حملة لا يكلف سوى دقيقة من تفاصيل يومه العادي ليطالب ببيئة نظيفة أو مياه صالحة للاستهلاك الآدمي بوقت باتت أنهار البلاد مجرد وديان شحيحة المياه ملوثتها حتى باتت ثروتها السمكية والحيوانية والزراعية بعموم تنوعاتها غير صالحة للاستهلاك البشري…

أؤكد مجدداً بعد هذه المعالجة العجلى الموجزة أنَّ تشوهاتٍ هيكلية للمجتمع والدولة هي ما كرست النظام الطائفي الكليبتوقراطي.. ولعل من أبرز تلك التشوهات ما جسدته جريمة سحق الطبقة الوسطى بوصفها أخطر جريمة إبادة جماعية فضلا عن سطوة الاقتصاد الريعي المافيوي الذي كان جوهر أسباب ما أنشأ ذاك الخلل الهيكلي في بنى المجتمع ليكرس نظاما طائفيا كليبتوقراطيا لم يكتف بتشويه هيكلي في بنى المجتمع العراقي بل مارس جرائم غبادة تصفوية وتغييرات ديموغرافية خطيرة في عمق جراحاتها عبر تحكمٍ بالعراق والعراقيين، بصيغ استغلالية هي الأبشع في عصرنا.

فهلا أدركنا هوية الحل وتمسكسنا بمنهج يقودنا فعليا إلى البديل؟ وهلا تمسكنا بهوية وطنية لا تقبل مصطلحات مرضية متأثرة بخطاب المنظومة القيمية المرضية من قبيل عابر للطوائف وكأن البنى الطائفية قدرٌ محتّم على المجتمع العراقي الذي شرع ببناء المدن وقيم المدنية وقوانينها منذ حوالي العشرة آلاف سنة؟ أقصد افشارة هنا إلى أننا نمتلك خطابا مستقلا لا يقبل التزويقات والفذلكات التضليلية التي تعيد إنتاج الطائفيين ونظامهم وعلينا التمسك بمصطلحاتنا فالوطني يعني المجتمع العلماني والنظام الديموقراطية ومبدأ المواطنة ودولة الحداثة ولا يستبدله مصطلح هابر للطائفية والطوائف لأن هذا الأخير مجرد ربط شكلي بين بنى فوقية مفروضة قسريا بتخندقاتها تديم وجودها على تلك الانقسامات وإن ادعت بحثاً عن مصالحة بين التخندقات ومتاريسها أو بناء جسور وهمية بين الخنادق الكانتونية المصطنعة..

فلندرك التفاصيل ففيها تكمن شيطنة الأمور وطعنات نجلاء تصيبنا بمقتل.. أكتب هذه الرؤية المقترحة بمعالجتها السوسيو سياسية عسى تجد التفاعلات أو تحث على دراسات ميدانية تعمد قوى الحراك المجتمعي في تصديه لمختلف الجرائم التفكيكية الخطيرة…

لا تعليقات

اترك رد