ومن مآثر العرب، أن الكوارث لا تعكر مزاج العرب


 

أمشي في إحدى الحارات في إحدى البلدان العربية النائية عن القتل فيتماهى إلى مسامعي صوت موسيقى صاخبة والأرض تهتز من هول الأقدام التي تدك البلاط دكا من قوة الرقص والدبكة. أتوقف لبرهة من باب الفضول الشرقي، وطبعاً لا أحد ينتبه إليّ أو ينزعج من فضولي؛ فالناس متجمهرة بعضهم يدخن وبعضهم منشغل بالهاتف. ثم أمضي في طريقي فأقف عند سوبر ماركت وأنا أنتظر البائع ليحضر لي الأغراض أرفع رأسي نحو التلفاز المعلق على الحائط فتستوقفني تعليقات الملكة أحلام وينشغل بصري بألوان ملابسها الغريبة وحركاتها المضحكة ووجها المنفوخ وكأن خدودها تكاد تتفجر من كثرة الحقن، وبالقرب منها فنانة لا تختلف عنها كثيراً ترقص خلف الكرسي الدوار والجمهور يتمايل ويصفق أشعر بالامتنان لأن الفرح يسود الأجواء العربية. وفي السيارة وأنا أقلّب في المحطات يستوقفني خبر عن غارات جوية واستنكار عالمي وعربي عن خرق هدنة وقف إطلاق النار من الطرفين المتناحرين، واستمع إلى التقرير الموجع من قبل المنظمات الإنسانية عن الحالة الصحية المزرية التي يعيش فيها أهالي الغوطة؛ عندها أصاب بانفصام عقلي وأدخل في متاهة المفارقات الكبيرة؛ ففي بقعة ما، من بقاع العرب أناس ترقص وتغني وفي بقعة أخرى من بقاع العرب هناك قتل وموت وجوع، امرأة سورية تركض حافية القدمين تسحب أولادها هرباً من القصف والقذائف في الطرف الآخر من الوطن العربي اشاهد فنانة عربية تتباهى بخاتمها الألماسي وبلون ثوبها الفيروزي الذي اختارته على لون سيارتها؛ فتتبادر إلى ذهني المضطرب عدة أسئلة عقيمة لا أجوبة لها:

· كيف تقدر أناس عربية أن ترقص وتغني وتنفق ملايين الدولارات على ملابسها ومجوهراتها وسياراتها وعلى برامج اكتشاف المواهب والأصوات؛ بينما هناك أناس تُقتل ولا تجد ما تأكله ولا تجد المأوى الذي يحميها من القصف والموت؟

· هل من حقنا أن نصادر الفرح من الذين يعيشون بعيداً عن الحرب والموت، وهل إذا توقفوا عن الرقص والغناء سوف تتوقف الحرب؟

· هل تقع على عاتق الأثرياء والمترفين مسؤولية مساعدة المتضررين من الحروب والويلات ويحرموا من متعهم وأفراحهم من أجل ضحايا الحروب والويلات والكوارث العربية؟

وهذا كل ما يملكه ويفعله العرب:

§ البسطاء يقولون: لا نملك لهم إلا الدعاء والتمني بعودة السلام.

§ الأثرياء يقولون: نحن نفعل ما بوسعنا ونقدم ما نستطيع تقديمه وهذا كل ما نقدر عليه.

§ أئمة المساجد: لا يملكون إلا الدعاء ” اللهم عليك باليهود والنصارى فهم لا يعجزونك” ومن ثم يدعون لحاكم البلاد أو ملك البلاد؛ ويأملون من الله النصر العاجل للمسلمين.

§ النخبة المثقفة: ليس لديها من وسيلة إلا الكتابة والتحليل والتنظير والانتقاد كما أفعل أنا.

§ النخب السياسية: من مؤتمر إلى آخر ومن دولة إلى أخرى ومن فندق إلى آخر وأقصى ما يملكون فعله هو التنديد والشحب.

§ مواقع التواصل: يكثرون الشتائم والمسبات فيما بينهم، حروب كلامية وكل حزب بما لديهم فرحون، وكل طائفة على مذهبها تغني.

تهدم العراق وضاعت ثرواته، أو بالأحرى نُهبت ثرواته وتشرد شعبه وجاع أهله وظلت الحياة في باقي البلاد العربية المجاورة والبعيدة كما هي وبقيت المراقص والنوادي والسهرات والأعياد والأفراح ولم تتوقف حياتهم عندما توقفت الحياة كلها في العراق.

شبت الحرب في سوريا ونصف مدنها تساوت مع التراب، تهجّر الشعب، والاهالي نزحوا وجاعوا والحياة في البلدان العربية الأخرى بقيت تسير بشكلها الطبيعي ولم تتوقف الحفلات الغنائية ولم توقف القنوات العربية برامجها الشهيرة حين صار الموت فيها أكثر من الحياة.

مات مئات الآلاف من اليمنين، وأصيب مئات الآلاف منهم بالطاعون والأمراض المعدية ونزح الآلاف هاربين من الموت والجوع لكن الحياة في باقي البلدان العربية لم تتوقف للحظة من أجل اليمن.

فتوصلت إلى حقيقة مشرقة ومطمئنة ومفادها:

إن العرب أمة عظيمة تتحدى الموت بالحياة، وتتأقلم مع نكساتها بشكل مذهل وتتعايش مع هزائمها بعزيمة، وتبين بما لا يستدعي الشك بأن الشعوب العربية رغم كل الذي يحدث هي لا تتنازل عن طقوسها وكل الكوارث والفواجع لا تعكر من مزاجها ولا تسمح للحزن واليأس أن يتسلل من شبابيك لحظاتها ضاعت فلسطين منهم واستوطن الصهاينة، هجروا الشعب الفلسطيني وعاشوا الشتات ولم يهتز للعرب رمش، تعايشوا مع ضياع القدس وتقبلوا الهزيمة والخذلان وتعاملوا مع الخسارة ومع عدوهم برحابة صدر وأخلاق نبيلة.

انتهت القوة العظمى ودُمر العراق وتناهبت على حلباته المغول والمجوس وفككك بنيانه المتين ولم يتأثروا ولم تستطع دبابات الأمريكان أن تنغص عليهم ولم يتركوا المقاهي ولم يعدلوا من مواعيد أفراحهم ولم يخذلوا راقصات الملاهي ولم يبخلوا عليهن برش الدولارات.

احترقت أرض الياسمين ووطن الحب ومرقد الأنبياء سوريا وأصبح شعبها عرضة للغرق والجوع والمذلة وظل الفن صامدا وظل الفنانون راسخون لم تثنهم الحرب عن أداء رسالتهم الفنية ولم يوقفوا سلسلة باب الحارة ولم يتوقفوا عن دبلجة المسلسلات التركية رغم الدمار الكبير؛ لأن الفنان العربي عاشق للحياة والحرب والكوارث والزلازل والمقابر الجماعية كلها لا تستطيع أن تقهر أو تقهقر فيه الأمل. وشعارهم يحترق الوطن على ألا تحترق متعهم وتنطفئ أضواء الوطن على ألا تنطفئ أضواء شهرتهم.

تضيع بلاد وتنهدم حضارات، والحياة العربية مستمرة بشكلها الطبيعي. تتهدم البيوت على أصحابها في بلد عربي، وتشيد بيوت أجمل ومبان أروع في بلدان عربية أخرى، يموت أطفال في بلدان عربية، ويولد أطفال غيرهم في بلدان عربية أخرى.

على ما يبدو صار علينا أن نعمل بأيديولوجية العرب والفكر العربي المتطور والمرن، وأن نتعايش مع كثرة الموت كما نتعايش مع الولادة، ونتعايش مع كثرة السخافة كما تعايشنا سابقاً مع الأدب والفن والثقافة، وعلينا أن نتقبل تفشي القباحة كما تقبلنا في الماضي البعيد تفشي الجمال، وعلينا ألا نقف بوجه التفاهة ولا نحرم التافهون من ممارسة حقوقهم في التفاهة، وألا نكون بعقل متخلف ورجعي ونحاسب الأثرياء على تصرفاتهم وبذخهم والأمراء على طائراتهم الخاصة وقصورهم الباذخة وأن ندعهم ينفقون أموالهم كما يشاؤون دون أن ينتقدهم البسطاء في مقالاتهم الحماسية، أو في منشوراتهم اللاذعة؛ وألا نتلصص بحسرة وقهر على احتفالاتهم الكبيرة في أعياد الميلاد وليلة رأس السنة؛ فنحن لن نغيّرهم ولن يتغير الواقع العربي بشيء. هكذا نحن العرب ونظل هكذا لا مثيل لنا ما بين الأمم، ولم تُخلق على وجه الخليقة أمة تتعايش مع نكباتها وتتأقلم مع هزائمها مثل الأمة العربية.

المقال السابقاكذب لتتجمل
المقال التالىتشوهات هيكلية كرست النظام الطائفي الكليبتوقراطي
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد