في العراق ، هل تبقت حقوق ، لمن تبقى من ” إنسان ” هناك ؟؟


 

حالة الإنسان في بلاد الرافدين يُرثى لها، و حالة حقوق الإنسان هناك يُبكى لها، و قد يظنها البعض طرفة أو رفاه زائد أو مزحة ثقيلة أن نسأل عن حقوق الإنسان في هذا البلد الذي يعاني الأمرين منذ يوم الإحتلال و حتى يومنا هذا، حتى بات مضربا للأمثال في مجالات الفساد و إنعدام الأمن و الأمان و فقدان كل ما يتعلق بحقوق الإنسان هناك، و باتت وكالات التلفزة الدولية و الأنباء تتسابق في إستعراض النوادر في هذه المجالات من بلاد ما بين النهرين، بلد الحضارات ..

تقارير كثيرة تتكلم منذ سنوات عن رداءة أوضاع حقوق الإنسان في العراق، و معظمها صادر عن منظمات دولية رصينة، لكن للأسف لا نظام اللادولة في العراق يهتم و لا من يحتل العراق، فالكل كما يبدو يصرون على القناعة الراسخة لديهم أن الإنسان في هذا البلد يجب أن يعيش بلا حقوق و هو لا يستحق إلا أن يكون كذلك، و أن لا نضيع نحن و هم الوقت في البحث عن من يدمر و يمزق و يسحق هذه الحقوق و ذلك الإنسان، في عملية مستمرة ستمر علينا قريبا ذكراها الخامسة عشر قريبا، و يالها من ذكرى أليمة محزنة ..

قبل أيام قليلة، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها السنوي عن أحوال حقوق الإنسان في العالم لعام ٢٠١٧ / ٢٠١٨، تضمن سردا تفصيلا لأهم ما يتعلق بحقوق الإنسان و تجاوزاتها في الدول الخاضعة للبحث، و تضمن التقرير فصلا خاصا غنيا وافيا عن العراق، الإطلاع عليه يدمي القلب و يدمع العين و يندى له الجبين ، حيث نتعرف على ما وصلت إليه الأحوال هناك و نحن قريبا من الذكرى ١٥ للإحتلال و ما تبع الإحتلال من أحداث و أهوال يشيب لها رأس الولدان ..

أستفتح التقرير بخلاصة عامة و مقدمة تشير إلى : “ إرتكبت القوات العراقية و الكردية و المليشيات شبه العسكرية و قوات التحالف و الجماعة المسلحة، المعروفة باسم ” الدولة الاسلامية “، انتهاكات للقانون الدولي الإنساني و جرائم حرب و انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سياق النزاع المسلح الجاري، و قام مقاتلو تنظيم ” الدولة الإسلامية ” بتهجير آلاف المدنيين قسراً إلى مناطق النزاع الساخنة، و استخدامهم كدروع بشرية على نطاق جماعي، و قتلوا المدنيين الفارِّين من مناطق القتال بشكل متعمد، و جنَّدوا و نشروا الجنود الأطفال، و قامت القوات العراقية و الكردية و المليشيات شبه العسكرية بإعدام المقاتلين الأسرى، و الفارين من النزاع، خارج نطاق القضاء، و تدمير المنازل و غيرها من الممتلكات المدنية، كما قامت القوات العراقية و الكردية، بالإضافة إلى السلطات الحكومية، بعمليات اعتقال تعسفي و إخفاء قسري و تعذيب المدنيين

المشتبه في انتمائهم إلى تنظيم ” الدولة الإسلامية “، و أخضعت المحاكم الأشخاص المشتبه في عضويتهم في تنظيم ” الدولة الاسلامية “، و غيرهم من المشتبه في ارتكابهم جرائم تتعلق بالإرهاب، لمحاكمات جائرة، و أصدرت أحكاماً بالإعدام على أساس ” اعترافات ” انتزُعت منهم تحت وطأة التعذيب، و استمرت عمليات الإعدام بوتيرة مقلقة “ ..

و هنا لا بد من الإنتباه إلى تكرار تعبير ” الدولة الإسلامية ” عدة مرات و بشكل متقصد على الأغلب، و هذا ما لا أتفق فيه، حيث شرعت معظم المنظمات الدولية و الوكالات الغربية على استخدام هذه التسمية، و التي من ورائها يراد الإساءة، و لو بشكل غير مباشر ربما، للإسلام و المسلمين، على الرغم من أن التسمية الأصح و الأشمل هي ” داعش “، و كلنا يعرف كيف أنشأت ما يسمونها بداعش، و ممن تتكون قياداتها، و ما هي غاياتها و أهدافها ..

و في العراق بالذات معروف للجميع كيف تمددت و سيطرت داعش على الموصل و عدد من المدن العربية السنية، و كيف أصبحت داعش الغطاء لتدمير تلك المدن، و من أعطى الأوامر للجيش العراقي بالإنسحاب من تلك المدن، قصص مؤلمة و محزنة لا مجال لذكرها في هذه العجالة، علما أن معظم حالات تجاوزات و خرق حقوق الإنسان العراقي خلال السنوات الأخيرة الماضية جاءت من نتاج قدوم و مغادرة داعش و ما يسمونه بعمليات التحرير و التخلص من هذه العصابات و الميليشيات ..

و مراجعة سريعة للفقرة السابقة من التقرير تساعدنا في تحديد نماذج لأهم أنواع خروقات حقوق الإنسان التي حصرها التقرير في العراق، و هي على سبيل المثال لا الحصر : تهجير المدنيين قسرا، قتل المدنيين الفارين من ساحات القتال، تجنيد الأطفال و إستخدامهم في المعارك، إعدام المقاتلين الأسرى خارج نطاق القضاء، تدمير المنازل و الممتلكات المدنية، الإعتقال التعسفي و الإخفاء القسري و تعذيب المدنيين، إخضاع الأشخاص المعتقلين و المشتبه بهم لمحاكمات شكلية جائرة، و إصدار أحكام الإعدام على أساس إعترافات أنتزعت بالإكراه و تحت وطأة التعذيب .. يا للهول .. يا للهول .. كل هذا يجري في العراق .. و أكثر .. و أكثر ..

و ضمن هذا الإطار، أشار تقرير منظمة العفو الدولية إلى الدور الذي لعبته عصابات ما يسمى بداعش في تدمير المدن التي فتحها الجيش و قوات الأمن الحكومية العراقية لهم و سهل من مهام إحتلالها و السيطرة عليها بين ليلة و ضحاها في مسرحية لا زال الكثير من أسرارها غير معروف و لا مباح، و في قتل المواطنين العراقيين الساكنين فيها، حيث يؤكد : ” ارتكب تنظيم ” الدولة الإسلامية ” انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان و انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، وصل بعضها إلى حد جرائم الحرب، فقد عمدَ التنظيم إلى تهجير آلاف المدنيين قسراً إلى مناطق الأعمال القتالية الساخنة في محاولة

لاستخدامهم كدروع بشرية لمقاتليه، كما قتل التنظيم بصورة متعمدة المدنيين الذين كانوا يحاولون الفرار من مناطق القتال، و علَّق جثثهم في الأماكن العامة كتحذير للآخرين الذين يفكرون بالفرار، و نفَّذ التنظيم عمليات قتل بأسلوب الإعدام استهدفت المعارضين،

و قام بتجنيد و استخدام الجنود الأطفال، وفي الموصل حرم تنظيم ” الدولة الإسلامية ” المدنيين، على نحو منتظم، من الحصول على الرعاية الطبية، و احتل مقاتلوه العديد من المباني الطبية و

المستشفيات بغية تجنُّب استهدافهم من قبل القوات العراقية و قوات التحالف “ ..

و ينتقل التقرير إلى المجالات الأهم و الأكثر إيلاما، و هي جرائم إنتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الجيش و الأمن و الحشد الحكومية العراقية و الميليشيات و العصابات التابعة لها و المرتبطة بها إضافة إلى قوات الإحتلال و التحالف سواء كانت تلك الغربية أو الإيرانية و غيرها، حيث يشير : “ ارتكبت القوات الحكومية، و المليشيات شبه العسكرية، و قوات التحالف، انتهاكات متكررة للقانون الدولي الإنساني، وصل بعضها إلى حد جرائم الحرب، ففي غرب الموصل، شنت قوات العراقية، و قوات التحالف، سلسلة من الهجمات غير المتناسبة و العشوائية، و في إحدى تلك الهجمات التي شُنت على حي الموصل الجديدة، في ١٧ مارس / آذار، قُتل ما لا يقل عن ١٠٥ مدنيين نتيجة لغارة جوية أمريكية استهدفت اثنين من قناصة تنظيم ” الدولة الإسلامية “، و في غرب الموصل استخدمت القوات العراقية، على نحو مستمر، أسلحة متفجرة تُحدث آثاراً واسعة النطاق، من قبيل الذخائر الصاروخية المصنَّعة محلياً، و التي لا يمكن أن تكون دقيقة التصويب على الأهداف العسكرية، أو التي يكون استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان المدنيين غير قانوني، و في شرق الموصل، قُتل مئات المدنيين نتيجةً للضربات الجوية التي نفذتها قوات التحالف، و القوات العراقية، على منازلهم أو الأماكن التي لجأوا إليها، بناءً على تعليمات الحكومة العراقية التي تقضي بعدم مغادرة تلك الأماكن أثناء المعركة، و نفذت القوات الحكومية العراقية و الكردية عمليات إعدام خارج نطاق القضاء لرجال و أولاد يُشتبه في انهم ينتمون إلى تنظيم ” الدولة الإسلامية “، و في الأسابيع الأخيرة لمعركة الموصل، في الفترة بين مايو / أيار و يوليو / تموز، وردت أنباء متطابقة تفيد بأن القوات العراقية، و منها ” قوة التدخل السريع “، و ” الشرطة الاتحادية “، و ” قوات الأمن العراقية “، قامت باعتقال وتعذيب وإعدام رجال و أولاد ممن فروا من أتون القتال، خارج نطاق القضاء “ ..

ما يثير الريبة و الحنق و الغضب، إنه على الرغم من توثيق البعض من جرائم حقوق الإنسان هذه، و تداولها على نطاق واسع رسميا و إعلاميا و عسكريا، إلا أن نظام اللادولة في العراق يقف عاجزا عن متابعة هذه الأحداث و التحقيق فيها و محاسبة المجرمين ممن إرتكبوها أو أمروا بتنفيذها ..

و في نظام اللادولة العراقية، و الفوضى العارمة التي تعيشها البلاد، يصبح كل مواطن متهم، و كل مواطن بسيط مشبوه فيه، و كل مواطن بسيط معرض للإعتقال و التعذيب و حتى القتل و الإعدام بدون محاكمة حتى لو كان في سن الطفولة أو المراهقة، و ليس مهما نوع التهمة التي توجه له، في هذا المجال يشير التقرير إلى : “ أُخضع آلاف الرجال و الأولاد الذين اعتُبروا في سن القتال ( ٦٥ – ١٥ ) عاماً والذين فروا من المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم ” الدولة الإسلامية ” لعمليات تدقيق أمني من قبل ” قوات الأمن العراقية “، و القوات الكردية و المليشيات شبه العسكرية في أماكن الاستقبال أو مراكز الاحتجاز المؤقتة، و احتُجز رجال يُشتبه في انتمائهم إلى تنظيم ” الدولة الإسلامية ” لأيام أو شهور، وغالباً في ظروف قاسية، أو نُقلوا إلى أماكن أخرى، و اعتقلت القوات العراقية، و القوات الكردية، والمليشيات شبه العسكرية، و منها قوات ” الحشد الشعبي “، آلاف الأشخاص الآخرين ممن يُشتبه في علاقتهم ” بالإرهاب ” بدون مذكرات قضائية من منازلهم أو عند نقاط التفتيش أو من مخيمات النازحين داخلياً “ ..

و مما يعزز الرأي بإستهزاء و عدم إهتمام الحكومة و الجهات الرسمية في البلاد بمثل هذه التهم و التقارير و الفضائح، و التي يشير معظمها إلى دور ميليشيات الحشد الشعبي في كثير من الجرائم في العديد من المدن العراقية، و وقوف أعلي مستويات الدولة العراقية عاجزين أمام حتى الإشارة لهذه الجرائم و التحقيق فيها، بالرغم من كل ذلك نجد رئيس الوزراء العاقي العبادي يصدر قرارا إستثنائيا قبل أيام قليلة ليدمج قوات الحشد ضمن قوات الجيش العراقي الرسمية، ليختلط الحابل بالنابل، و لتضيع قوات الجيش الرسمية في معمعة الحشد الذي يحضى بدعم و تدريب و إدارة إيرانية فارسية واضحة و معلنة، علما أن قوات الحشد أسست بتوجيه من المرجعية الشيعية العليا في العراق لإغراض محددة فقط، لكن كما يبدو أن الأهداف و الأغراض الحقيقية أبعد كثيرا مما أعلن عنه في حينها ..

و يستمر التقرير في سرد وقائع و حوادث متنوعة لمختلف أنواع الإضطهاد و العنف و إحتقار و تجاوز كل أنواع حقوق الإنسان العراقي من قبل جهات حكومية أو شبه حكومية مختلفة و متنوعة، حيث يتناول في فقرة أخرى أحداث و وقائع عن ( التعذيب و الإختفاء القسري ) ، فيشير : “ أُخضع الرجال و الأولاد المشتبه في كونهم أعضاء في تنظيم ” الدولة الإسلامية ” لعمليات الاختفاء القسري – و قطع صلتهم بعائلاتهم و بالعالم الخارجي – في مراكز خاضعة لسيطرة وزارتي الداخلية و الدفاع العراقيتين و ” إقليم كوردستان العراق “، و في مراكز الاعتقال السرية، و تم استجواب المعتقلين من قبل ضباط الأمن بدون حضور محامين، و تعرضوا للتعذيب بشكل معتاد، و من بين أشكال التعذيب الشائعة : الضرب على الرأس و الجسم بالقضبان المعدنية و الأسلاك الكهربائية، و التعليق من اليدين و الرجلين في أوضاع مؤلمة، و الصدمات الكهربائية و التهديد باغتصاب الإناث من الأقارب، و كانت الرعاية الطبية التي حصل عليها المعتقلون محدودة للغاية إلى حد أن ذلك أدى إلى وقوع وفيات في الحجز و عمليات بتر الأطراف، كما واجهوا ظروفاً صعبة، من بينها الاكتظاظ الشديد و رداءة التهوية، و الافتقار إلى الحمامات و المراحيض “ ..

من خلال ما ورد في هذا التقرير يتضح كيف أن تهمة الإنتماء لداعش أستغلت بشكل بشع و فاضح في تنفيذ المزيد من الجرائم و التجاوزات، و التي ينفذ معظمها بشكل مخطط و مرسوم تجاه فئات و طوائف معينة ضمن المجتمع العراقي ..

أما ما يتعلق بالنزوح و الهجرة و التهجير و التشريد، داخليا أو خارجيا، فقد شهدنا خلال السنوات السابقة، و بشكل خاص في العراق و سوريا ، إضطرار الملايين من السكان لترك منازلهم و أراضيهم و مناطق سكناهم و حتى بلدانهم، و اللجوء إلى مناطق أخرى أو دول أخرى تحت تهديد السلاح و القصف المدفعي و الصاروخي و الجوي، و الإقتتال الداخلي بكافة أنواعه و دوافعه و خلفياته، و هذه من أكبر المآسي البشرية و السكانية ربما خلال العقود الماضية، علما أنه لا زال هناك عشرات الآلاف من هؤلاء المهجرين و المهاجرين يعيشون في ملاجئ و مخيمات تخلو من كل المستلزمات الضرورية لعيش البشر، و يتعرضون فيها للجوع و العطش و المرض و الإهانات و الإعتداءات و الإغتصاب، كما لا تقوم الحكومات و الجهات و المنطمات الرسمية و الحكومية و الدولية بأي جهد مناسب لتوفير المستلزمات المطلوبة أو إيجاد بدائل مناسبة لسكن هؤلاء المساكين ..

في هذا المجال، يضيف التقرير : “ ظل ما يربو على ٣ مليون شخص نازحين داخلياً في شتى أنحاء العراق، حيث أقاموا في مجتمعات محلية استضافتهم و في مخيمات للأشخاص النازحين داخلياً، و في مخيمات غير رسمية، و مبانٍ تحت الإنشاء، و بحلول نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠١٧ ، نزح ما يزيد عن ٩٨٧٦٤٨ شخصاً في محافظة نينوى نتيجة لعملية الموصل العسكرية، و أوردت الوكالات الإنسانية تقارير حول وجود نقص كبير في التمويل الدولي، و عانى المدنيون في مخيمات النازحين داخلياً من نقص الغذاء و الماء والدواء، و غيرها من الاحتياجات الأساسية، و كانت حرية التنقل في مخيمات النازحين داخلياً محدودة بشكل صارم، و ذكر سكان المخيمات أن المليشيات شبه العسكرية عمدت إلى تجنيد المدنيين، و من بينهم أطفال، من تلك المخيمات – باستخدام القوة أحياناً – و أن أفراد العائلات اختفوا قسراً من المناطق العامة في المخيمات و من خيمهم، و تم فصل أفراد العائلات لأيام أو أشهر بسبب إجراءات التدقيق التي اتُّبعت في مراكز الاستقبال المؤقتة، و ذكرت نساء معيلات للأسر التي لجأت إلى مخيمات النازحين داخلياً – و لا سيما أولئك اللائي يُشتبه في أن أقربائهن الذكور أعضاء في تنظيم ” الدولة الإسلامية ” – أنهن تعرضن للاغتصاب و غيره من ضروب إساءة المعاملة الجنسية و الاستغلال الجنسي و التمييز الممنهج، بما في ذلك عدم الحصول على الغذاء و الماء و الاحتياجات الأساسية الأخرى على نحو كاف و متساوٍ “ ..

و يضيف التقرير في نفس هذا السياق : “ قامت القوات الحكومية العراقية و المليشيات شبه العسكرية بتهجير مدنيين قسراً، و هدم منازلهم على نطاق واسع، ففي وقت سابق من هذا العام على سبيل المثال، قامت المليشيات العشائرية السنية المنضوية في قوات ” الحشد الشعبي ” و المعروفة باسم ” الحشد العشائري “، جنباً إلى جنب مع القوات الحكومية العراقية، بتهجير ما لا يقل عن ١٢٥ عائلة من محافظة صلاح الدين، ممن اعتُبرت منتمية تنظيم ” الدولة الإسلامية “، و ذلك عقب صدور أمر من قبل السلطات المحلية بتهجيرها، ثم تم احتجاز تلك العائلات، رغماً عن إرادتها، في مخيم للنازحين داخلياً يقع بالقرب من تكريت، و استُخدم كمركز اعتقال “ ..

و كما تبين آنفا، و كما ذكرنا في مقالات سابقة، فأن موضوع ( الحشد الشعبي ) سيكون معضلة عويصة أمام الحكومة و النظام في العراق ما لم يتم معالجته و التعامل معه بحكمة و دراية و ذكاء، فهو كالغول الذي بدأ يلتهم مؤسسات الدولة و كيانها شيئا فشيئا، و هذا ماهو خطط له و أعد كما يبدو، و كما يبدو أيضا فأن الوقت قد مضى على أية معالجة لهذه المعضلة، فرئيس حكومة اللادولة العراقية العبادي إضطر ربما مجبرا و لا بطل، إلى إصدار قرار بدمج الحشد مع قوات الجيش الرسمية، و قريبا و ليس عاجلا سنسمع و نقرأ النتائج الوخيمة لهذا القرار على ما تبقى من الدولة العراقية ..

في هذا المجال، يؤكد تقرير منظمة العفو الدولية السنوي لعام ٢٠١٨ ما ذهبنا إليه و يشر إلى عدد من ممارسات الحشد و تأثيرها في الوضع الداخلي العراقي و حقوق الإنسان العراقي، فيقول : “ استفادت فصائل قوات ” الحشد الشعبي ” التي كانت قد ارتكبت جرائم حرب و غيرها من الانتهاكات الجسيمة في مختلف مناطق وسط و شمال العراق منذ عام ٢٠١٤ ، من عمليات نقل الأسلحة من عدد من البلدان، من بينها الولايات المتحدة و روسيا و إيران ، و شملت شحنات

الأسلحة المنقولة مركبات مدرعة و مدفعية، بالإضافة إلى مجموعة واسعة من الأسلحة الخفيفة ، و أدى سوء الإدارة لمخزونات الأسلحة و ازدهار تجارة الأسلحة المحظورة، الداخلية و العابرة للحدود، إلى تسليح المليشيات، مما أدى بدوره إلى مزيد من تقويض الأمن “ ..

كما أشرنا، فأن أخطر و أسوأ من هذه الجرائم و الإنتهاكات المرتكبة تجاه الإنسان العراقي و حقوقه، هو عجز أو إمتناع الحكومة العراقية و حتى المنظمات و المؤسسات الدولية و الدول الغربية المؤتلفة و المساهمة في وضع العراق تحت الإحتلال و بالتالي في وصوله إلى هذا الحال الذي لا يحسد عليه، االأخطر و الأسوأ هو أن لا نتابع و لا نحقق و لا نوثق و لا نسجل هذه الإنتهاكات و الجرائم، و أن يفلت المجرمون من التحقيق و العقاب، و الأخطر أن يفلتوا بدراية من بيدهم القرار، سواء أكانوا الحكومة العراقية أم المنظمات الدولية أم أميركا أم إيران أم أي دولة مسؤولة عن إحتلال العراق و وصوله لهذا الدرك السحيق ..

في هذا الشأن أيضا يؤكد التقرير : “ رداً على مزاعم ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون

الدولي الإنساني و جرائم حرب على أيدي القوات العراقية و المليشيات الموالية لها – من قبيل التعذيب و الإعدام خارج نطاق القضاء و الاختفاء القسري – قامت السلطات العراقية بإنشاء لجان لتقييم الأدلة المتوفرة، و الشروع بإجراء تحقيقات، و لم تنشر مثل تلك اللجان النتائج التي توصلت إليها على الملأ، كما لم ترسل نتائجها إلى المنظمات غير الحكومية الدولية أو الوطنية .. و بعد مرور أكثر من عام على اختطاف أكثر من 643 رجلًا و ولداً من الصقلاوية بمحافظة الأنبار و اختفائهم قسراً على أيدي مليشيات ” الحشد الشعبي ” ، فشلت اللجنة التي أنشأها مكتب رئيس الوزراء، في ٥ يونيو / حزيران ٢٠١٦ ، في نشر أي نتائج على الملأ .. و في ٢١سبتمبر / أيلول، أقرَّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع مشروع قرار يهدف إلى ضمان المساءلة عن جرائم الحرب، و انتهاكات حقوق الإنسان التي اقترفها أعضاء تنظيم ” الدولة الإسلامية ” ، بيد أن القرار لم يتضمن أي أحكام تكفل المساءلة على الجرائم التي ارتكبتها القوات العراقية، و المليشيات شبه العسكرية من قبيل مليشيات ” الحشد الشعبي “، و قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، و غيرها من الأطراف المسؤولة عن ارتكاب الانتهاكات الفادحة للقانون الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب، إبان النزاع “ ..

أخيرا، و فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، يثبت التقرير حقيقة مخزية و محزنة و مؤلمة، فيقول : “ ظل العراق واحداً من البلدان الأكثر استخداماً لعقوبة الإعدام في العالم أجمع، فقد أصدرت المحاكم أحكاماً بالإعدام على عشرات الأشخاص إثر محاكمات جائرة،

و نُفذت تلك الأحكام شنقاً، و استمر استخدام عقوبة الإعدام كأداة انتقام استجابةً للغضب الشعبي الذي انفجر في أعقاب الهجمات التي أعلن تنظيم ” الدولة الإسلامية ” مسؤوليته عنها، ففي يناير / كانون الثاني، أُعدم شنقاً عشرات الرجال بسبب دورهم المزعوم في مقتل ١٧٠٠ شخص من طلاب معسكر ” سبايكر ” الشيعة بالقرب من تكريت في عام ٢٠١٤ ، و قد أُدين أولئك الرجال، الذين انتُزعت ” اعترافاتهم ” تحت وطأة التعذيب، إثر محاكمات مليئة بالعيوب و متعجَّلة، و جاءت تلك الإعدامات الجماعية عقب عملية إعدام جماعية أخرى في أغسطس / آب ٢٠١٦ مرتبطة كذلك بمجزرة ” سبايكر “، و في ٢٥ سبتمبر / أيلول، أُعدم عشرات الرجال بتهم ” الإرهاب “، و وقعت عملية الإعدام الجماعية هذه بعد مرور ١١ يوماً على

وقوع هجوم انتحاري لتنظيم ” الدولة الإسلامية ” في الناصرية في ١٤ سبتمبر / أيلول، و أسفر عن مقتل ما لا يقل عن ٨٤ شخصاً “ ..

إنه مما يؤسف له حقا أن يكون للعراق مثل هذا السجل الأسود في حقوق الإنسان، و أن يعاني الشعب العراقي الصابر ما تقوم به السلطات و الميليشيات و قوات الأمن من خروقات فاضحة طوال السنوات الخمس عشر بعد الإحتلال، لكن ما يؤسف له أكثر أن لا نرى أي ردة فعل أو إشارة توحي أن نظام اللادولة يسعى لمعالجة تلك الأوضاع و إصلاحها، كما يؤسف لكون القوى الدولية التي ساعدت في إحتلال العراق و تلك التي تسيطر على مقدرات الأمور في العراق اليوم، أيضا لا تبدي أية نية في معالجة أوضاع حقوق الإنسان الفاضحة و المتردية في العراق، كما قلنا هذا ما أوصل هذا البلد ليكون مضربا للأمثال و التندر سواء في مجالات الفساد أو خروقات حقوق الإنسان أو فقدان الخدمات و الأمن و الأمان و ضعف التعليم و إنتشار الفقر و المرض إلى غير ذلك ..

المقال السابقتشوهات هيكلية كرست النظام الطائفي الكليبتوقراطي
المقال التالىغربة روح
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد