” السسيولوجيون أصدقاء الفنانين “


 

القولة كانت للباحثة الفرنسية في سوسيولوجيا الفن، نتالي هينيك Nathalie Heinich (1955…).

اخترت هذه الكاتبة التي رغم تعدد دراساتها ومؤلفاتها حول الفن لا تدعي نفسها ناقدة فنية بل هي كما قالت في بعض حواراتها باحثة سسيولوجية في الميدان الفني، تناولت الفن المعاصر انطلاقا من نظرة سوسيولوجية حاولت خلالها الابتعاد عن أي حكم من أحكام القيمة. فاعتمدت أسلوب الإضاءات الخاطفة والمقتضبة التي تكشف عن الأوجه المتعددة والمختلفة للفن المعاصر، يمكن أن يفيد المتلقي غير المتخصص في تكوين نظرة تركيبية شاملة وواضحة عن العديد من القضايا والطروحات. إنه القصد الذي ابتغته لتمكين هذا المتلقي من ولوج مجالات الفن المعاصر وإخراجه من بوتقة الإحساس بعدم الفهم والتيه والحيرة والارتباك وغياب المعنى (ص254). والحقيقة أن فن ما بعد الحداثة يتطلب مثل هذه الدراسات التي تهتم بالجوانب المجتمعية بحكم أن الحداثة وما بعدها ماهي إلا انعكاسات وصور طبق الأصل لما تعرفه المجتمعات الغربية على الخصوص من تغيرات على مستوى القيم والفلسفات والأفكار والإيديولوجيات. فيبدو أن لا جدوى من مقاربة الفن المعاصر بتوظيف النظريات النقدية المعروفة وإسقاط المعايير التي حددتها تلك النظريات على أعمال ما بعد الحداثة التشكيلية .

بما أن الفن المعاصر كسر القواعد واخترق الحدود المتعارف عليها في الفن التشكيلي سواء الكلاسيكي أو الحديث، فما جدوى مقاربته نقديا باستعمال النظرية الواقعية أو النظرية الشكلية أو النظرية الضمنية؟

إن النظرية الواقعية تكونت أسسها الأولى عبر فلسفات الفن الكلاسيكية وهي تحاول أن تعطي أجوبة متفاوتة الإقناع عما يمكن تسميته بالفن الجميل، أو الجمال في الفن، وتعتبر الفن الجميل هو ” الترديد الحرفي الأمين لموضوعات التجربة المعتادة وحوادثها”، وبالتالي تعتبر الفن محاكاة ونقل الطبيعة المحيطة بالإنسان وأن مواضيع العمل الفني هي نسخ لحقائق العالم المحيط والمعاش . وتتجذر هذه النظرية بعيدة في تاريخ فلسفة الجمال حيث تقوم نظرية المحاكاة على أسس حددتها لها الفلسفة الإغريقية عند كل من أفلاطون وأرسطو. فقد رست الأفكار الإغريقية دعائم المثال النموذجي للفن وبسطت هيمنتها وسطوتها على الفنين الهلنستي والروماني، وامتد نفوذها ليشمل الذائقة الفنية لعصر النهضة الأوروبية وفنون القرنين 18 و19 عند ظهور الكلاسيكية الجديدة والرومانتيكية والواقعية واتجاهات أخرى . باتت النظرية المحاكاتية تملي قواعدها على الفنانين وتؤخذ تلك القواعد كأسس مؤسساتية، رسمية لبناء أي عمل فني، ولا يجوز لأي كان أن يخرج عنها وأن حاول تعديلها أو اتخاذ مبادرة شخصية اجتهادية من عنده، فهو يعتبر فنانا فاشلا وغير مؤهل ليشغل منصب فنان يعتمد عليه كمعلم أو منفذ لمنجزات يمكن أن تسندها إليهم الهيئات الرسمية مثل البلاط الملكي أو الكنيسة أو شخصيات من النبلاء ورجالات الدولة. وبالتالي يحكم على ذلك الفنان بالفشل ويتم طرده من الأوساط الثقافية المعترف بها مجتمعيا .

ظل النقد الفني بدوره يعتمد على النظرية الواقعية لفترات من الزمن رغم ظهور نظريات نقدية أخرى ورغم تواجد اتجاهات فنية غير واقعية. وبات النقاد والمتتبعون والمهتمون يرون أن الفن الذي لا يتبنى الواقعية ليس فنا ولا يمكنه أن يربي الذوق الجمالي لدى المتلقي، كما أن جل النقاد المعاصرين باتوا يقيمون فنون ما بعد الحداثة عبر منظار النظرية نفسها، لذلك يرون أن هذه الفنون تتسم بالغرابة والرداءة والفوضوية والخروج عن المألوف؟ وأنها تفتقد إلى المهارة الحرفية وأن فنانيها تنقصهم كفاءات الحذق والتمكن من المهنة. إن قواعد الفن، في نظر الكلاسيكيين، تتمثل في الأعمال التي تركها الإغريق والرومان وما نجده في عصر النهضة، وتتلخص هذه القواعد في المنظور ونسب الأجسام والقاعدة الذهبية والتكوين الهندسي الرياضي للعمل الفني .


إن هذه النظريات التي لا يتحدد النقد إلا من خلالها، لا تغني ولا تفيد في مساعدة المتلقي على فهم الفن المعاصر والتحكم فكريا وثقافيا في أدواته. وبما أن أغلب النقاد الذين تناولوا الفن المعاصر بالدراسة والتحليل أسقطوا عليه معايير هذه النظريات، زادوا من توسيع الهوة، هوة الرفض، التي تربطه بالجمهور، فهم يقيمون الفن المعاصر بمقاييس ومحددات الفنيين الكلاسيكي والحديث، ومن ثم يرون أن أعمال الفن المعاصر ليست جميلة وينقصها الحذق وتفتقد إلى المهارة التقنية ومضامينها هجينة، لاأخلاقية وغير ذلك من الأوصاف التي تفتقد إلى الموضوعية. إن نظريات النقد التي يمكن رصد ميلادها وتطورها خلال زمن ما بعد الحداثة، كالمقاربة الإيكوغرافية، والمقاربة السيميائية والمقاربة البنيوية وغيرها من المقاربات النقدية، فشلت في إعطاء دراسات موضوعية، بعيدة عن المؤثرات الذاتية، يمكن اعتمادها كأرضية لتناول الفن المعاصر بالدراسة والتحليل. ومن تم يبقى في نظرنا، مؤلف الباحثة السسيولوجية الفرنسية نتالي هنيك، contemporainLe Paradigme de l’art ، Structures d’une révolution artistique.

الذي صدر عام 2014 عن دار النشر Gallimard بباريس، من بين الدراسات حول الفن المعاصر التي طعمت الساحة النقدية الفنية.

كتاب براديغم الفن المعاصر يمكن اعتباره مواصلة لمسيرة الكاتبة الفكرية في مجال الفن المعاصر والتي تعود بدايتها إلى سنة 1998، تاريخ صدور كتابها ” اللعبة الثلاثية للفن المعاصر”، فهو يقدم نفسه كخلاصة وحصيلة عامة لأعمالها السابقة، وتقدم فيه فرضية تسعى من خلالها لتبين أن الفن المعاصر ليس مجرد شكل متميز أو نوع خاص ضمن الحقل الفني بل هو بامتياز براديغم قائم الذات وتام الاستقلالية.

أجزاء الكتاب: القسم الأول، من التحليل يكشف عن الخصائص الأنطولوجية الجديدة للعمل الفني المعاصر. القسم الثاني، يقدم أنماط وجوده ومشروعيته الجديدة. القسم الثالث، يعرض حصيلة التحولات والتغيرات التي طالت أشكالا حركية وتدبير العمل الفني (العرض، المحافظة، الاقتناء والتجميع، الإصلاح والترميم).

قدمت نتالي هنيك في هذا الكتاب المفاتيح الأساسية لفهم لعبة الاختراق التي تعد المحدد الأساس للفن المعاصر والتي سيء فهمها في بداية التسعينات من القرن الماضي، حيث اتهم الفن المعاصر من طرف العديد من النقاد بالإغراق في النجومية وانعدام الأصالة وغياب المعنى. فالعمل الفني يقوم على اختراق حدود الفن كما يمثلها الحس المشترك(ص55). وهذا الاختراق يغديه اعتراف مؤسساتي فوري يؤدي إلى تجذير القضايا الفنية. يعني أن العمل لم يعد منضبطا لضرورة الخضوع إلى قانون أكاديمي ولا لضرورة التعبير عن دواخل الفنان، فيخرج الفنانون عن بعض المقتضيات والحدود القانونية والأخلاقية، ويتم التخلي عن مبدأ الأصالة.

تعتبر الكاتبة الفن المعاصر ثورة فنية حقيقية أدت إلى خلق نوع جمالي جديد، نوع جنيسي، (genre générique)، لذلك سمته براديغم، المفردة التي تحتل في القاموس الفرنسي درجة اصطلاحية أعلى وأقوى من النوع. إن البراديغم يقصد فردية تحضر على مستويات فكرية مختلفة: جمالية، اقتصادية، قانونية، خطابية ومؤسساتية. بمعنى آخر، أن البراديغم بنية عامة للمفاهيم المتعامل بها في حقبة زمنية معينة، ناتجة عن التجربة والنشاط الإنسانيين. إن ما يميز براديغما معينا هو أن يشتمل ليس فقط على البعد الكرونولوجي للمراحل المتعارف عليها في تاريخ الفن، والبعد الأجناسي للتصنيف الذي يهم علم الجمال، وإنما أيضا على الخطابات عن الفن والاقتصاد والقانون والمؤسسات والقيم وأشكال حركية وتلقي الأعمال. (ص53). فالكاتبة تعتمد في تعريفها للبراديغم على أفكار علمية حددها منظر العلوم توماس كون، والتي مفادها أن تطور العلم لا يتبع مسارا خطيا ولكن يتنقل عبر ثورات تنفي ما قبلها، وعوض أن تجيب عن التساؤلات، فإنها تقترح طرقا جديدة لكيفية طرح السؤال.

في كتابها براديغم الفن المعاصر حددت نتالي هنيك ثلاث براديغمات عرفهم تاريخ الفن الغربي: الفن الكلاسيكي، حيث يخضع الفن للقواعد الموروثة عن التقاليد الإغريقية الرومانية والتي كرسها عصر النهضة. والفن الحديث: الفن يعكس فردانية الفنان وإحساساته الداخلية، ويخترق القواعد الكلاسيكية. والفن المعاصر: يعد الفن لعبا بالحدود، حدود ما يعتبر أصلا فنا. فالفن المعاصر هو عالم صغير (مكرو كوسم) معقد، وليس مجموعة من التيارات العادية أو مجموعة من الأعمال المنجزة من طرف فنانين مختلفين. وتعتبر الكاتبة أن كلا من الأنواع الثلاثة له فلسفته الجمالية ونظرياته التي تؤطره وممارساته الفعلية التي تجعله يختلف عن غيره. ويتجلى الاختلاف حينما تظهر عملية الاختراق التي تنقلنا من فن إلى أخر.

فكيف تتم عملية الاختراق هذه، أو لعبة الاختراق كما تسميها نتالي هنيك؟ وعلى أي مستوى تتموضع هذه العملية؟ وكيف يمكننا تحديد معالمها الفنية والجمالية؟ من هم الفاعلون الأساسيون الذين يسيرون لعبة الفن المعاصر؟ ما هي الطرق والوسائل التي يستعملونها؟ كيف نبرر الارتفاع المهول لأثمنة الأعمال؟

تساؤلات كثيرة تطرح نفسها على المتتبع لمسارات الفن المعاصر، حاولت الكاتبة الإجابة عنها وتوضيحها خلا ل فصول الكتاب. إن الانتقال من الفن الكلاسيكي بأنواعه ومدارسه وقواعده إلى الفن الحديث باتجاهاته، لم يكن انتقالا اعتباطيا أو جاء نتيجة لصدفة من الصدف، ولكنه كان ردة فعل مبنية على أسس مجتمعية، سياسية واقتصادية وثقافية، وأن الفن المعاصر بتحوله إلى براديغم جديد أبرم قطيعة أنطولوجية مع الحدود المتعارف عليها والمتفق بشأنها فيما يسمى بالفن (ص49). إلا أن تصور القطيعة الحاصلة والفاصلة بين براديغم وآخر لا يخفي عنا إمكانية تعايش براديغمات مختلفة أو تزامنها، من ذلك مثلا تعايش البراديغم المعاصر مع البراديغم الحديث من خلال بعض الأعمال المنجزة وشبكات العرض وأيضا على مستوى حساسية الجمهور وطريقة التلقي والتفاعل مع الأعمال الفنية.

ومع اختراق الحدود، تظهر فكرة التعددية على جميع المستويات، تعددية في الخامات والتقنيات والرؤى والمضامين والأساليب والتخصصات والفاعلين المتدخلين في إنجاز العمل الفني، حتى ماهية العمل الفني عرفت بدورها تغييرات جذرية إثر التقلبات التي طرأت على التجربة الجمالية بالانتقال من براديغم إلى أخر. وهكذا نستنتج أن التغيير لم يشمل التعاريف وحدها بل ضم أيضا مكونات العمل الفني وطرق تداوله وأدوار الوسطاء.

شارك
المقال السابقحروب القرن العشرين
المقال التالىبراثن الجهل
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد