روبابيكيا


 

كُتب التاريخ وسير الأقدمين يُثيران في النفس شجونًا وألمًا دائمًا، وأجد في الحلقِ غُصًةً ليست أسفًا على التاريخ وأحداثة أو عجبًا من مسالك وسلوك أشخاصه، إنما أسفٌ وحزنٌ على نفسي وما ينتظرها غدًا! ملوك وأمراء، قادة جيوش ومعسكرات، قوادون لفاجرات في مواخيرٍ، فاتحون أمصارًا وغازون فروجًا لسبايا وجواري، حياة زهوٍ ونشوةٍ ومتعةٍ، سُلطانٌ وكنوز ونساء وغِلمان، أشعارٌ وموسيقى وطرب، ليالي أنسٍ وبهجة ومؤانسة، عبيد تؤمر فتُطيع، وجواري غضة الأبدان هائمات كالفراشات فى غرف مغلقة، يقضين حياتهن في قبلات والعناق. كل جارية تغمر مولاها بالحب والنشوة لتفوز بقلبه ولقب المحظية، ثم ما يلبث أن يستبدلها سيدها بأجمل منها وأحيانًا بنقيضتها ليكسر مللًا إعتراه ويخوض تجربة جديدة. في تاريخ الأمصار وحاضرها، وعند العرب تحديدًا، عاش ويعيشُ الزعيم والسلطان في جنات ونعيم، وينهك بدنه في حيوات شبقات لا تعرف الشبع أبدًا، سنوات حكمه مُضاءة بنساء كالبنور وفِراش من حرير وأثاث من ذهب وفضة، وكؤوس خمر وشهوة لا تنقطع إلا بموته أو بتعبير أدق بقتله! قبور منذ مئات السنين لسلاطين وملوك وأمراء ومعهم أسرهم كتبوا اسماءهم عليها بماء الذهب، جميعهم عاشوا ملء الأسماع والأبصار،

كان العطر يفوح من أجسادهم، وأثر شفاه الغواني ورضاب الجواري يغطي كل رطب فيها، ثم ماتوا وفر الناس من روائحهم النتنة بعد أن صارت أجسادهم أجياف ثم مرتعًا للدود ثم رميمًا. رميم ملك كان يسكن قصرًا منيفًا، ثم زال القصر من بعده وضاع الملك والسلطان ولم يعد هناك شاهدًا على عزه وصولجانه مع شعبه أو فحولته وقوته مع حريمه وجواريه! ومثل الحكام تأتي الرعية، كانت بيوتهم عامرةً بالأهل والأحباب، ثم غاب الأهل ورحل الأحباب، وجاء غيرهم ليسكنوها، ثم رحلوا، ثم جاء خلق آخر من بعدهم، هدًموا البيوت وأقاموا بيوتًا غيرها على صور تليق بهم وتروق لهم! هكذا الدنيا تأكلنا، والزمان يبدل ويغير فينا، يأتي ملكُ فوق ملكٍ، وتحل دولةُ مكان دولة هي أشد قوة منها لكن مآلها إلى زوال هي الأخرى! هكذا جدي، وكذلك أبي، ثم أنا.. لن يبقى أحدٌ فيها، هل مثل هذه الدنيا تستحق صراعًا؟ أنا ما سألت الله الحياة، وما طابت لي يومًا، ولم أرجُه يومًا أن أحمل أمانتها، لم أطمع يومًا فيما يملكه غيري ولست عاشقًا لمالٍ ولا لسلطانٍ وجاهٍ، وغدًا سأرحل في سلام عن دنيا لا تساوي جناح بعوضة.

روبابيكيا
كل ما وصل إلىً منها لم يكن جديدًا قط، بل استعمله الأقدمون قبلي واستهلكوه، وإن بدا لي غير ذلك! حياتنا كلها مستعملةً من قبل واستقبلناها مُنهكة ومهلهلة، الحياة – روبابيكيا – وتستحق أن تُلقى في صندوق النفايات! إن حياتنا مخلفات يُعاد تدويرها ليستعملها بشرٌ آخر سيأتي بعدنا!

لا تعليقات

اترك رد