المخبر السري


 

كان يوما مزحما بغمامات متجهة صوب غرب مجهول.. ورغم ضجيج الشارع المزدحم بالمارة وطلاب مدارس حاملين حقائبهم مسرعين وهم لا يعلمون بما فيما .. جاهلين مستقبلا مزدهرا أو مثقلا بهموم داكنة .. جلست تلك السيدة تكتب ما يجول بخاطرها وهي تنظر الى صاحب الدكان وهو ينقل بضائع وصلت توا الى داخل دكانه العتيق الرطب …

يتهافت الاولاد لشراء بعض الحلوى و الاشياء الرخيصة الثمن وكأن الدكان انقلب الى مظاهرة طلابية.. لكن تظاهرتهم اليوم كانت اشبه باحتجاج على يوم جميل كان في نيتهم ان يقضونه في المتنزهات والالعاب .. هكذا هم ابناء بلادي يستمتعون بالالعاب النارية والرشاشات المائية او المسدسات البلاسيكية وبعض الطلقات .. لم يشبعوا ولم يكتفوا مما يسمعوه من انفجارات في اعراسهم وافراحم واحزانهم .. فيطلقون العيارات النارية وباتت مسامعهم لا تطرب الا لتلك الانغام الاجرامية .. عادة ما يلهون خارج بيوتهم .. لا تجتمع العوائل الا وقت الطعام او النوم ليلا، وما عداه يكون بين المدرسة ورفاق الشارع المؤنس الوحيد لهروبهم من وحشة البيت … ومن شكوى الامهات وآهات وضجر الاباء وسوء الحال.. وبقيت تلك السيدة ترقب عن كثب صاحب الدكان الذي بدا مستاءً جدا مما يدور حوله وأوضاع البلد التي تتراجع يوما بعد يوم لاعنا الايام وتلك الحكومة التي تشبع بطونها واولادهم بما لذ وطاب وتسرق وتغتال والشعب المسكين يعاني الويلات .. هل هناك من منقذ… رجال تبكي من فقر مدقع وعوائل تبيع أولادها ونساء وجوههن مكفهرة عابسة همهن الوحيد ككل يوم ماذا ستطهو اليوم وبضع دنانير .. قوت لا يموت تساءلت تلك السيدة .. لماذا في بلادي النساء ينجبن المزيد من الأولاد..!؟ هل الفقر ينشط الطاقة الجنسية …!!؟؟ هل هو الفراغ…!!؟ ليس بمقدورهم ان يوفروا ابسط احتياجاتهم والكثير من الأولاد محرومين من الدراسة وتكاليفها من ملبس وشراء القرطاسية علما ان التعليم مجاني .. وان حاول احدهم الغاء تلك المكرمة التعليم معللا ذلك بتدهور الاحوال الاقتصادية للبلد وموازنة باتت عاجزة عن صرف معاشات موظفيها.. وعوائل من تزج بابنائها للعمل والاستجداء وتنظيف الشوارع والارصفة..! جلهم مصاب بفقر الدم وتلك البقع البيضاء التي تملأ وجوههم وشفاه باهتة كأنها ارض عطشى هكذا هم أبناء بلادي يتحملون عبء الحياة وهم في ميعة الصبا ويح قلبي.. نهضت غاضبة تكلم نفسها تلعن تلك الأيام السوداء ماذا جنى هؤلاء ما الذنب الذي اقترفوه.. رن هاتفها مخاطبة إياه سأنتظر على ناصية الطريق .. حملت تلك الحقيبة السوداء وبعض مستمسكات قدمتها للمحكمة مطالبة باثبات براءتها.. بعد ان اتهموها بلعنها ورفضها علنا بعض بنود الدستور الذي سنته الحكومة أيام الاحتلال ولحظة اغتيال صوت الشعب… كانت مناضلة مقتدرة لا تهاب الموت لطالما تعرضت للضرب والشتائم وبقيت صامدة إلى لحظة مباغتة احدهم لها .. اعتقلت اقتادوها معصوبة العينين ، مقيدة بسلاسل ثقيلة .. جدا وجدا كيف لهذه الحرة ان تُقيد…! حاول أحد ضباع المعتقل التحرش بها لا تعلم من اين تاتي الضربات.. ولم تنبس ببنت شفة سوى انها بصقت بوجهه لاكما اياها بضربة افقدتها الوعي أمر احدهم برفع العصابة عن تلك العيون الخضراء وفك قيودها لم تك تعي الا وركلة اخرى جعلتها تتدحرج داخل تلك الزنزانة المظلمة الرطبة وثمة شباك في اعلى الزنزانة .. حاولت النهوض جاهدة حاملة ذاك الجسد المدمى وتلك المبادىء .. استلقت على ذاك السرير الحديدي كان هو يصرخ كذلك …!! احتجاجا ووسادة ازدحمت عليها الكثير عليها من الأفكار والمبادىء …! تقرفصت وكانها في غيبوبة لم تلبث سويعات .. واشرقت الشمس معلنة ولادة يوم جديد لعله يكون حاملا معه براءتها .. استيقظت على اصوات بعض المعتقلين والسياط التي تاكل اجسادهم تحفر اخاديد من دم في ظهورهم وصرخات وانين.. لم تصدق ما تسمع..! هل هذا كابوس ام حقيقة .. لم ترى شيئا الا حين فتحت الباب صارخا احدهم في وجهها انهضي ايتها العاهرة باصقا بوجهها اختلط لعابه بتلك الندوب التي ادمت وجهها ليلة امس فلم تقو على السير … مبلغا إياها لديك زيارة..! حاولت بعد عناء ان تفتح عينيها .. لم تتناول الطعام منذ أمس شعرت بوجع في معدتها .. هل من الضرب ام من الجوع .. سيان فالألم واحد والقضية واحدة .. عليك المواجهة نذرت نفسك للقضية .. تخاطب نفسها سأقاوم وان لم استطع سأقاوم ثانية… لا تعرف كيف سمحوا لاحدهم بزيارتها ومن توسط …؟؟ لم يكن من المقربين لها من أصدقاء

المقال السابقتكافؤ الفرص
المقال التالىأبواب الدستور ليست نصوصا ربانية
هناء بكتاش قاصة وشاعرة وفنانة تشكيلية عراقية. ولدت ببغداد واتمت فيها الدراسة الاعدادية ثم التحقت بكلية الزراعة ثم اكاديمية الفنون الجميلة . نشرت العشرات من قصائد النثر والومضات الشعرية وكتبت العشرات من القصص القصيرة التي تعبر عن هموم المرأة ونضالها لنيل الحرية والانعتاق من العبودية وكذلك قصصا ع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد