سياسة ترامپ الخارجية .. بين المحافظة والراديكالية !!


 

تلقى المراقبون قرار الرئيس ترامپ لقاء زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون بعد تصعيد شديد في الموقف بين البلدين بدهشة بالغة . المدهش بالنسبة لهؤلاء المراقبين ان قرار ترامپ يأتي مخالفاً لكل إعلاناته السابقة وتهديده بمواجهة كوريا الشمالية ” بالنار والغضب ” وإدانته بشكل علني جميع السياسات الامريكية السابقة تجاه كوريا والتي ركزت على العمل الدبلوماسي معتبراً إياها ضعفاً في الاداء . لكن مراجعة عامة لأداء ادارةٍ ترامپ في ميدان السياسة الخارجية تشير بوضوح الى ان هذه الادارة تعاني من ازدواج شخصية ، وان هنالك بون واضح بين الاداء الفعلي الذي لايخرج في مجمله العام كثيراً عن الاداء التقليدي العام للسياسة الخارجية الامريكية في عهد آية ادارةٍ جمهورية وبين خطاب ترامپ وتغريداته التي توحي كل يوم بان حرباً عالمية ثالثة على وشك الوقوع وان الرجل يقوم باداء سياسي خارجي ثوري ؛ في لحظات يبدو وكأنه يتابع تنفيذ وعوده الانتخابية الراديكالية حرفاً بحرف ، وفي لحظات اخرى يبدو وكأنه يتابع خطى الادارة السابقة ويجني ثمارها ، رغم انه لايفوت فرصة دون ان يكيل لها من القدح والذم ماهو غير مألوف في الحياة السياسية الامريكية .

اين يقف ترامپ في واقع الحال ؟ ، وهل يمثل نمطاً محافظاً ام انه بالفعل رئيس شعبوي – راديكالي يعمل على صناعة سياسة خارجية ذات طابع ثوري تضع الولايات المتحدة على سكة غير سكتها التقليدية في العالم ؟! .

لقد كتب احد كبار المفكرين الامريكيين في شؤون السياسة الخارجية الامريكية ، ايليوت أبرامز كوهين ، وكان مرشحاً لإشغال منصب نائب وزير الخارجية في الادارة الجديدة لكن ترشيحه لم يحظ بقبول ” جناح البانونيين ” .. كتب يقول ” ان الخطوط العامة لسياسة ادارة ترامب تتوافق بشكل واضح مع بقية الإدارات خلال العقود الماضية ، وان السياسة الخارجية ليست مميزة عما قبلها بشكل واضح ” .

ليس من الصعب ملاحظة ان خطاب الرئيس ترامپ حافل بالكثير مما يوحي بان الرجل سيقلب السياسة الخارجية الامريكية عاليها سافلها ؛ لم يخف اعجابه بطغاة العالم من پوتين الى رؤساء اوتوقراطيين مثل رؤساء الصين والفلپين ومصر خلافاً لما هو مألوف من الخطاب الرئاسي الامريكي الذي لايخلو من نكهة حقوق الانسان وقضايا الحريات ، وهاجم الحلفاء التقليديين واصدر قرارات تنفيذية عطلها القضاء تقضي بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة ؛ تباهى بالسخرية من المكسيكيين وادار ظهره لاتفاقيات التجارة الحرة واتفاقية المناخ واتفاقية التعاون عبر الپاسفيكي . لم يتورع عن ذم موظفين كباراً كانوا من المحسوبين على حزبه الجمهوري لانهم عارضوا أفكاره الشعبوية الانعزالية ؛ رغم كل ذلك ورغم كل مايسعى ترامپ لتنفيذه فان العالم لم يشهد قيام حرب عالمية جديدة ، ورغم كل خطابه ” الشاذ والبغيض ” ، وفقاً لآليوت كوهين ، فانه لم يتجاوز في سياسته الخارجية اكثر من قدرٍ زائدٍ من الحماس تجاه اسرائيل واليابان ، وزيادة موازنة الدفاع فضلاً عن أفكاره التي تدور حول ” الوطنية الاقتصادية ” .

من حسن حظ ادارةٍ ترامپ ان العالم لم يشهد تطورات دراماتيكية في اي من قضاياه الساخنة طوال عام ٢٠١٧ حتى تتضح بشكل ملموس حقيقة معدن الادارة وترامپ شخصياً ، رغم انه يمكن القول بشكل عام ان وضع العالم يبدو مستقراً على حاله ، وخاصة في مناطق الأزمات ، وان حدثت تطورات فهي ليست للاحسن جراء عدم استقرار الادارة على سياسة واضحة ، فضلاً عن ان الولايات المتحدة فقدت بعضاً من مصداقيتها وراودت الشكوك اغلب حلفائها خوفاً من تلكؤ هذه الادارة في اداء التزاماتها لو تعرض الحلفاء لخطر فعلي ، وقد يمضي وقت طويل قبل ان يتضح حجم الضرر الذي الحقه خطاب ترامپ غير المتزن بسمعة البلاد ومصداقيتها ، ناهيك عن خلو خطاب هذه الادارة الرسمي من اعلان الالتزام التقليدي بقضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان حول العالم ، وغياب هذه المفاهيم هو مايفرضه شعار ” امريكا اولاً ” واستمرار التاكيد على ان آمن ومصالح الولايات المتحدة هي الهدف الوحيد للإدارة متخلية عن دور الريادة ، وان على مستوى الخطاب ، عن قضايا مبدئية كانت تعتبر نفسها راعيتها الدولية الاولى .

رغم أهمية الخطاب السياسي للإدارة والذي ينحو الى ماعُرض ، ورغم ان الادارة هي المسؤولة عن السياسة الخارجية فان هنالك قيدان يفرضان نفسيهما على ادارةٍ ترامپ وإمكانية وضع خطابها الراديكالي موضع التنفيذ وهما جزء لايتجزأ من طبيعة تكوين النظام السياسي والدستوري للولايات المتحدة وأداء الادارة وفق مبدأ ” التدقيق والموازنة بين السلطات Check and Balance ” ، هذان القيدان هما : الكونغرس والقضاء من جهة ، ومايمكن تسميته بالدولة العميقة من جهة اخرى . مايسمى الدولة العميقة او ” المؤسسة Establishment ” تتكون من طيف عميق متنوع من المكونات ينتشر في مفاصل الدولة الامريكية ؛ من هذا الطيف ماهو متأصل في طبيعة النظام ومنه ماهو إفراز للاداء القاصر والمتلكئ لادارة ترامپ ذاتها .

ان التراث الذي راكمته سنوات طويلة من سياسات معروفة للولايات المتحدة يفرض نفسه فرضاً على الادارة ويقف عائقاً في وجه شعاراتها الشعبوية وخاصة شعار ” امريكا اولاً ” . يواصل الكونغرس متابعة قضايا تتصل بخرق حقوق الانسان وقرض العقوبات على الأشخاص والهيئات بموجبها ، كما ادت ضغوط الكونغرس الى اجبار الادارة على شحن صواريخ ضد الدروع الى أوكرانيا وتمت معالجة تردي العلاقات مع المكسيك بشكل عاجل وان بصعوبة ، كما تمكنت المحاكم من اعاقة المضي في تنفيذ قرارات الادارة بشأن الهجرة وأمنت استمرار العمل بقانون الهجرة النافذ والذي حاولت الادارة اعادة صياغته بقرارات تنفيذية .

اما مايتعلق بالدولة العميقة فهي مزاعم من نوع ” كلمات حق يراد بها باطل ” . في دول اوروپا ذات الديمقراطيات العريقة اعتدنا على رؤية نخبة من القيادات الإدارية رفيعة المستوى واغلب منتسبيها من خريجي الجامعات الراقية تلعب دوراً حاسماً في صياغة القرارات الحكومية الكبرى وتضمن نوعاً من الثبات في الخطوط العامة للسياسة الخارجية بشكل خاص ، وفي بلدان العالم الثالث ومنها دول الشرق الاوسط بشكل خاص مثل مصر وتركيا ( خلال النصف الثاني من القرن الماضي ) والپاكستان وايران نلاحظ وجود نخبة من منتسبي القوات المسلحة واجهزة المخابرات والاٌمن القومي تقف حارساً على اداء الحكومة وتتدخل بالقوة عند الضرورة لتصحيح الاداء وفق ماتراه ، وفي الحالات الاعتيادية تبقى وزناً يحسب له السياسيون المنتخبون حساباً خاصاً . هذه النخب ، في الديمقراطيات الاوروپية وفي الشرق الاوسط ، تبدو على قدر كبير من الانسجام في الرؤية بين أعضائها وغالباً ماتكون لديهم قنوات اتصال غير رسمية تربط فيما بينهم ، لكن الامر لايبدو في مثل هاتين الحالتين بالنسبة للولايات المتحدة ، على الاقل ليس بالمعنى الذي حاول فيه ترامپ ومجموعته الترويج له من ان هنالك دولة عميقة تعمل على اعاقة رؤى الرئيس وتعمل بشكل مافيوي لحرف ادارته عن امكانية تنفيذ وعودها ” الثورية ” التي أطلقت بالجملة خلال الحملة الانتخابية او من خلال تغريدات الرئيس وتصريحاته وكبار مساعديه من ” البانونيين ” .

لاشك ان الدبلوماسيين المحترفين وكبار رجال اجهزة المخابرات المختلفة وكبار قادة الجيش وكبار رؤوس البيروقراطيا المدنية لديهم قناعات عامة مشتركة فيما يجب ان تكون عليه السياسة الخارجية الامريكية وامنها القومي وهي رؤى تتباين في جملتها مع الشعارات الشعبوية وغير العقلانية التي يطلقها الرئيس ترامپ . هذه الفئات من كبار الموظفين العسكريين والمدنيين تؤمن برؤى امريكية تقليدية مثل حرية التجارة العالمية واهمية الأحلاف العسكرية للولايات المتحدة وخاصة الناتو وضرورة بقاء الولايات المتحدة قائدة للنظام الدولي بدلاً من النزعة الانعزالية التي يتبناها البعض من السياسيين .

لقد تم تأسيس النظام السياسي والاداري العام في الولايات المتحدة على مبدأ تقسيم السلطات وعلى مستويات متعددة . تم الفصل بين السلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية على المستوى الفدرالي ، وهنالك تقسيم على المستويين الفدرالي والمحلي لهذه السلطات كما تم الفصل بين القطاع العام والقطاع الخاص .. الخ .

خلال النصف الاول من القرن العشرين وأثر الأزمة الاقتصادية والتي عرفت بالكساد الكبير ، وبعد ان اصبح واضحاً ان على الحكومة ان تلعب دوراً اكبر من السابق في ادارةٍ الحياة العامة ، قام الكونغرس بتخويل العديد من صلاحياته التشريعية الى الوكالات الحكومية التي تعمل تحت سلطة الرئيس . من اجل عدم خرق المبدأ الدستوري العام ” التدقيق والموازنة ” بين السلطات الثلاث والحيلولة دون طغيان الرئيس فقد منحت قيادات الوكالات الحكومية بموجب القانون نوعاً كبيراً من الاستقلالية بحيث شكلت نوعاً من السلطة الپيروقراطية التي سماها هنري كيسنجر ” السلطة الرابعة ” . الا انه ينبغي ملاحظة ان هذه الپيروقراطيا هي فئة من كبار القيادات المؤهلة تاهيلاً عالياً ومدربة على عقلية خدمة المصلحة العليا للشعب وليس آية جهة ذات مصالح خاصة ، والاهم انها ليست كتلة صلبة موحدة وذات تواصل منتظم بل هي متنوعة الميادين والتخصصات الى حد بعيد وتتدرج من المحليات الى المستوى الفدرالي ، وفي النهاية لاتمثل عائقاً موحد الموقف ازاء قرارات الادارة ، ولايمكن اعتبارها عائقاً امام تنفيذ برامج الادارة خلافاً لما يقدمه ترامپ وانصاره من مزاعم ، ولكنها في عهد ترامپ تمثل نوعاً من العائق وذلك بسبب سوء اداء الادارة ذاتها ومخالفتها المتكررة للقانون الامريكي وتقاليد ادارة الشؤون العامة المعتادة والراسخة .

تعتبر ادارةٍ ترامپ الأبطأ في اشغال الوظائف الكبرى التي تتبدل عادة مع تبدل الرئيس . بعد اكثر من عام من وجوده في الرئاسة فان ترامپ لم يقدم سوى اقل من ٤٠٪‏ من المرشحين للوظائف الكبرى اي حوالي ٣٠٠ مرشح تمت المصادقة على تعيينهم . هذا الامر ترك مئات اخرين في وظائفهم التي اسندتها لهم ادارة سابقة ، وبالتالي فهم سيواصلون اداءاً ذو توجه واضح وهو الاستمرار بتنفذ ذات السياسات السابقة ، ويلاحظ ذلك بشكل واضح في ميدان جهاز وزارة الخارجية حيث لازالت العديد من الوظائف الكبرى في جهاز الوزارة شاغرة .

يلاحظ المراقبون ان اتخاذ معيار الولاء الشخصي او القرابة الشخصية بالرئيس في تعيين كبار رجال الادارة في البيت الأبيض وغيره ادت الى تدنٍ واضح في الاداء مما جعل التفاعل بين البيت الأبيض وبقية الأجهزة الحكومية صعباً ، ومنها تجاهل الكثير من التوجيهات التي يصدرها ولاتجد لها تنفيذاً في المستويات الأدنى في الحكومة .

لعل الاكثر اثارة للانتباه من بين جميع الامور والتي عطلت رغبات ترامپ وحافظت على نمط الاداء العام للسياسة وخاصة الخارجية هو الانشقاق الواضح داخل الادارة وكثرة التغييرات والاستقالات والإقالات ( طالت ٣٦ شخصية رئيسية ) ولم تمض سوى اكثر من سنة واحدة بقليل ؛ هذا الامر منح كبار رجال الادارة من الشخصيات التي تظهر اتزاناً اكبر بحكم كفاءتها وخبرتها الطويلة لفرض بصمات واضحة من الاستقرار البعيد عن روح المغامرة على السياسة الخارجية . ان شخصيات مثل الجنرالات كيلي وماتيس وماكماستر وپومپيو ( رئيس وكالة المخابرات وخريج كلية ويست پوينت العسكرية ) وشخصية دولية معروفة مثل تيلرسون ( رغم قلة خبرته بعمل الحكومة ) كان لهم دور كبير في تثبيت الاداء العام وفق إيقاع لايشذ كثيراً عن الخط العام للسياسة الخارجية على نمط الاداء الجمهوري التقليدي ، وقاموا بدور كبير في تصحيح هفوات رئيسهم وخاصة تجاه الحلفاء . في الوقت الذي لم يستطع معه رجل مهم ولكنه عقائدي شعبوي متعصب مثل ستيڤ بانون من الصمود وسط هذا الخضم واضطر الى التنحي ، وفي حالة صهر الرئيس جاريد كوشنير فقد كان امراً مخجلاً حين تم سحب ترخيصه الأمني وهو بمثابة المستشار الاول للرئيس والمكلف بأكثر الملفات حساسية وهو ملف الشرق الاوسط ، وكل ماتمكن من تنفيذه خلال عمله هو توريط الرئيس بقضية القدس رغم كل النصائح التي عارضت هذا التوجه بما في ذلك نصائح من اوساط اليمين الامريكي نفسه ، واستقالات اخرى مهمة سابقة مثل استقالة مستشار الامن القومي الجنرال فلين بعد اقل من شهر في المنصب وآخر الاستقالات هي استقالة المستشار الاقتصادي غاري كون الذي عارض سياسات ترامپ الشعبوية ونيته فرض ضرائب على المستوردات من الفولاذ والألمنيوم . يبقى الوحيد من العقائديين الثابت في مكانه هو ناب الرئيس مايك پنس المسيحي الإنجيلي الصهيوني المتعصب الذي يؤمن بروايات العهد القديم كما يبدو اكثر من إيمانه بقيم الدستور الامريكي . هذا الرجل منتخب ولكنه قد يبقى صامتا كما هو حاله الان في اغلب الوقت ، وهو في النهاية نسخة من الرئيس ولكنها اكثر هدوءاً وله معرفة جيدة بدهاليز عمل الحكومة بشكل او باخر بحكم احترافه السياسي .

على الصعيد التنفيذي فان معالم طريق السياسة الخارجية التي واوصلتها ادارةٍ ترامپ تبدو واضحة وقابلة للفحص من خلال استعراض توجهاتها الفعلية على ارض الواقع في اهم الملفات . سنلاحظ ان الادارة ورغم كل التصريحات التي تدين فيها الإدارات السابقة متهمة إياها بالتخاذل امام الخصوم والاصدقاء على حد سواء فانها تعود الى ذات الستراتيجيات السابقة مع الضغط الذي تمارسه الوكالات الحكومية المتمرسة ؛ في بعض الملفات بادرت ادارةٍ ترامپ الى فرض رايها بعناد دون ان تكون مستعدة لتقديم البديل الواقعي العملي والنتيجة هي فوضى واضطراب في الاداء رغم المساعي التي تبذلها الأجهزة الپيروقراطية لضبط الايقاع .

لقد كان الناتو من اول الاهداف لخطاب ترامپ الانتخابي . لقد وصفه بانه حلف ” مهجور ومهمل ” ، وهدد شركاء الولايات المتحدة في الحلف بان عليهم ان يبدأوا بالترتيب لتحمل اعباء الدفاع عن انفسهم بدل التعويل على الولايات المتحدة . وفي اجتماع لقمة الحلف أعد له مساعدوه وبيروقراطيا البنتاغون خطاباً متوازناً لكنه ادخل عليه تعديلا خطياً في اللحظة الاخيرة يتعلق بقضية الالتزام الآلي بالرد الجماعي لاي عدوان على أعضاء الحلف دون استشارتهم وهو ما اثار استياء بقية الأعضاء وهيئة مستشاريه العسكريين وفي مقدمتهم وزير الدفاع ماتيس ، وفي النهاية صدرت من الجانب الامريكي تطمينات قاطعة بشأن قضية الدفاع الجماعي المشترك . على الارض مازالت القوات الامريكية على حالها ووفق المهمة التقليدية التي اضطلعت بها في اوروپا منذ نهاية الحرب الباردة ، كما واصلت تعزيز دفاعات الحلف ضد اي توسع روسي محتمل باتجاه دول البلطيق او وسط اوروپا وواصلت نشر قوات كانت قد التزمت ادارةٍ اوباما بنشرها . لذا لم تتجاوز كلمات ترامپ حدود اثارة القلق لدى الحلفاء مما يضعف مصداقية الولايات المتحدة ويزيد من شكوك حلفائها .

يبدو الملف الكوري الشمالي اكثر الملفات سخونة . لقد استمرت كوريا في تحدي الخطاب الناري للرئيس ترامب الذي هدد عدة مرات بتدمير هذه الدولة بسبب مواصلتها تطوير ترسانتها من الاسلحة النووية والصواريخ بعيدة المدى . بادرت ادارةٍ ترامپ الى مجلس الامن الدولي لفرض عقوبات جديدة اضافة لما فرضته هي ، وأدلى مستشار الامن القومي الامريكي بتصريح تحدث فيه عن امكانية شن حرب وقائية الامر الذي ولد الانطباع بأن الصدام بين الطرفين قاب قوسين او أدنى . اصبح واضحاً ان هنالك احد سبيلين امام الادارة ازاء كوريا الشمالية : اما حرب ( سواء بتخطيط ونية او نتيجة عوامل الصدفة ) ، او تسوية تتنازل بموجبها الولايات المتحدة عن الخطوط الحمراء المتكررة التي اعلنتها الادارة . في نهاية المطاف اتضح ان الادارة قد اختارت الطريق الثاني والعودة الى الطريق الدبلوماسي وتم ترتيب لقاء مباشر يضم الرئيسين الانريكي ترامپ مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ اون بوساطة كورية جنوبية .

على صعيد العلاقات مع الصين فلم يكن الامر يختلف كثيراً . لقد هاجم الصين بشدة بسبب سياساتها التجارية التي اعتبرها الاكثر إضراراً بمصالح الولايات المتحدة ووعد باجراءات صارمة لمواجهتها ، ومن ذلك إشاراته واتصالاته مع حكومة تايوان خلافاً لمبدأ ” الصين الواحدة ” التي شكلت سياسة تقليدية منذ عهد نيكسون . التقى بعدها بالرئيس الصيني في فلوريدا وسرعان ما غير ترامپ موقفه وعاد للتأكيد على التزامه بمبدأ الصين الواحدة ، كما تراجع عن إعلاناته السابقة بشأن إلغاء بنك الصادرات والواردات الصيني – الامريكي ؛ لم يتردد الرئيس ترامپ في الإشارة بعد ذلك من خلال تغريداته بالرئيس الصيني وتوجهاته الإصلاحية ونيته تعديل الدستور للبقاء رئيساً طوال حياته .

كان ترامپ يبعث برسائل ايجابية متعددة خلال حملته الانتخابية موجهة الى الرئيس الروسي پوتين معتبراً ان لديه القدرة على التوصل لتفاهمات مشتركة من شأنها تخفيف التوتر في الوقت الذي اخذت فيه العلاقات الامريكية – الروسية بالتردي من خلال الطرد المتبادل للدبلوماسيين خلال الأشهر الاخيرة لادارة اوباما على خلفية تباين المواقف ازاء القضية السورية واوكرانيا وأمن وسلامة وسط وشمال اوروپا ضد التهديدات الروسية . بعد تولي ترامپ مهامه كان لكل من الكونغرس ، رغم اغلبيته الجمهورية ، ووزارة الخارجية بقيادة تيلرسون موقفاً مختلفاً مع تعمق التحقيقات بشأن تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية لصالح ترامپ وتعمق الخلافات بشأن الوضع في سوريا واوكرانيا . قام الكونغرس بفرض سلسلة من العقوبات ضد روسيا شملت هيئات وافرادا روس ، كما استمرت عمليات طرد الدبلوماسيين الى الحد الذي أوصل العلاقات بين الطرفين الى اسوأ حالاتها منذ نهاية الحب الباردة ، ولم يعد امام ترامپ اي أفق لفرض رؤياه بامكانية تطوير علاقات تفاهم رسمية وشخصية مع الجانب الروسي كما وعد اثناء الحملة الانتخابية .

حظيت الصفقة النووية مع ايران بالحيز الاكبرمن انتقادات ترامپ خلال وبعد الحملة الانتخابية وتواصل الموقف ذاته على المستوى الرسمي بعد توليه مهامه . لقد انصبت انتقاداته على الصفقة بانها صفقة فاشلة وانها لم تضع حداً حقيقياً لطموحات ايران النووية كذلك لم تشمل ، وفق رأيه ، برنامج الصواريخ بشكل واضح وقاطع رغم ان تأكيدات كل من وزارة الخارجية والبنتاغون ذهبت باتجاه اخر . تفرعت اتهامات ترامپ الموجهة لايران ، التي اعتبرها مصدر التهديد وعدم الاستقرار في الشرق الاوسط ، مؤكداً انها تسعى لبسط هيمنتها عليه . رفض التوقيع على إقرار موجه للكونغرس بان ايران ملتزمة بالصفقة النووية ، لكنه لم يتجرأ على التملص من الاتفاق او اعلان انسحاب الولايات المتحدة منه ، ولكن لاتبدو سياسات الولايات المتحدة على الارض في منطقة الشرق الاوسط متجهة الى زيادة الوجود الامريكي لمواجهة النفوذ الايراني المتزايد ، بل ان مارأيناه هو انسحاب للقوات الأمريكة من العراق وانهاء برنامج خاص لتعزيز قدرات القوى المعارضة للوجود الايراني في سوريا . اما الضربة الصاروخية التي تم توجيهها الى احدى القواعد العسكرية السورية خلال العام الماضي فلم تكن سوى رسالة سياسية للداخل الامريكي فصلنا في موضوعها في حينه ؛ من الناحية الستراتيجية فان توجيه الضربة كان منسجماً مع الخط العام الذي تتبناه الولايات المتحدة بشأن موضوع التسلّح الكيمياوي ، وان عدم توجيه ضربة مماثلة خلال عهد اوباما ، كما كان منتظراًحينها ، فقد تم على خلفية ملابسات تتعلق بخطة لتجريد سوريا من سلاحها الكيمياوي بتنسيق مسبق مع الاسرائيليين والروس كشفت عنه مذكرات السفير الاسرائيلي في واشنطن في حينه ؛ بالتالي يمكن اعتبار ماقام به ترامپ هو القاعدة وأحجام اوباما كان استثناءاً ، ولايمكن اعتبار ذلك سياسة جديدة او خروجاً عن تقاليد السياسة الامريكية . في المقابل فأن ايران تبدو ثابتة القدم في المنطقة ونفوذها يتعاظم في العراق وسوريا ولبنان واليمن ، وان تهديدات ترامپ وتوعداته لست سوى جزءاً من خطابه السياسي الذي لانلمس على الارض مايشير الى تطبيقه .

شن ترامپ خلال حملته الانتخابية حملة شعواء ضد السياسات التجارية لسلفه اوباما ومنها بشكل خاص اتفاقيات التجارة الحرة مع مجموعة دول الپاسفيك واتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك وبذلك يكون قد أخلى ساحة المنافسة التجارية على حوض الپاسفيك لتكون تحت رحمة الصين ، وقد وجدت بعض دول التجمع التي كانت تتحالف تجارياً مع الولايات المتحدة ان من مصلحتها اعادة النظر في علاقاتها مع الصين وفي هذا الصدد نلاحظ تزايد توجهات كل من اليابان وأستراليا ودوّل اخرى وهنالك مفاوضات تجمعها الان مع الصين لاعادة ترتيب الاوراق بعد تخلي ادارةٍ ترامپ عن تحالفاتها التجارية السابقة . وبذلك فان التخلي عن الحلفاء وعدم طرح بديل معقول قد تسبب بضرر بعيد المدى للمصالح الامريكية يصعب تجاوزه وهو عكس ماتتمناه إعلانات ترامپ . اما بصدد العلاقات مع كل من كندا والمكسيك فقد ادى اعلان التخلي عن اتفاقية النافتا الى جو من القلق خاصة وانه لاتوجد بدائل جاهزة لاعادة ترميم العلاقات . هذه الإجراءات ، في مجملها العام ، ستقود حتماً الى نشوب حرب تجارية في القارة الامريكية وفي العالم خاصة مع صدور قرار ترامپ بفرض رسوم على مستوردات الحديد والألمنيوم ، مما يدعو الى احتمال قيام الشركاء التجاريين باجراءات مضادة فضلاً عما سيسببه الإجراء من زيادة الاعباء على المستهلك الامريكي ، وهذا بالضبط مادعى المستشار الاقتصادي للاستقالة من منصبه قبل بضعة ايام ليضيف اسماً جداً الى قائمة كبار المسؤولين الذين تخلوا عن ترامپ بسبب مايرونه نوعاً من الفوضى وقلة الخبرة في اداء رئيسهم .

الامر الملفت للنظر هو قضية نقل السفارة الامريكية الى القدس خلافاً لتقاليد جرت عليها السياسة الخارجة الامريكية منذ عام ١٩٦٧ وإعلان السفير الامريكي في الامم المتحدة حينها ان الولايات المتحدة لن تعترف باي تغييرات على الوضع القائم انذاك في القدس بعد احتلالها . جاء نقل السفارة تنفيذاً لقرار اتخذه الكونغرس في التسعينات وتجاوزه مختلف الرؤساء منذ ذلك ألحين رغم الوعود التي كانوا يقطعونها بنقل السفارة خلال حملاتهم الانتخابية . في كتاب ” نار وغضب ” لمايكل وولف يذكر ان ستيڤ بانون قد اكد خلال احد اجتماعاته مع مقربين من اللوبي الاسرائيلي اثناء الفترة الانتقالية للرئيس ان قرار نقل السفارة سينفذ . بغض النظر عن تفاصيل القرار وخطأ ترامپ القابل للتأويل فانه من الواضح ان الضغوط التي تعرض لها ترامپ كانت كبيرة وخاصة مع المتاعب التي بدأ يواجهها مع مضي التحقيقات الخاصة بالعلاقة مع الروس قدماً باتجاه احتمال ربطه شخصياً ببعض هذه الاتصالات دون علم الادارة السابقة التي جرت تلك الاتصالات في عهدها . مع هذه التحقيقات يحتاج ترامپ الى كل انواع الدعم ومن مختلف الجهات الضاغطة المؤثرة في ألساحة السياسية الامريكية . لقد تم اتخاذ القرار ونحن نعلم انه مامن جهة سياسية امريكية يمكن ان تشكل معارضة جدية له كما لاتوجد قوة عربية يمكنها الضغط باتجاه مغاير ، ولذلك لايعتبر القرار نقلة نوعية في توجهات السياسة الامريكية ، ولعله حماس في إظهار الالتزام تجاه احد الحلفاء وفق تفسير الخبير أبرامز ايليوت كوهين .

هنالك حديث يتردد عن قرب تخلي كل من تيلرسون وماكماستر عن وظيفتيهما كوزير للخارجية وكمستشار للامن القومي ، وهذا سيترك الادارة في حالة من التخبط الكبير اذ لن يتبقى الى جانب ترامپ سوى ماتيس وزير الدفاع وپومپيو رئيس وكالة المخابرات المركزية وكيلي رئيس هيئة الموظفين ؛ رغم كل الملاحظات التي قيلت بشأن هذه المجموعة الا انها تمكنت من ابقاء السياسة الخارجية وسياسات الامن القومي على سكتها التقليدية رغم الصراخ والخطاب المتأجج ، كما حظيت هذه المجموعة بنوع من ثقة العالم بها وبدورها في رسم السياسة الخارجية ، وان تخلي بعض اطرافها او جميعهم عن مسؤوليتهم من شأنه ان يضع الولايات المتحدة في موقف صعب في علاقاتها مع أعدائها وحلفائها على حد سواء ؛

حتى اللحظة يمكن القول ان السياسة الخارجية الامريكية لم تكن تمثل خروجاً جوهرياً عن التقاليد الامريكية الجمهورية بشكل عام للاسباب التي بيناها ، ولكن من يدري ماذا سيحصل خلال بقية هذا العام ، ان بقي ترامپ رئيساً ، من دون فريق الاتزان الذي استطاع إقصاء العقائديين المتطرفين عن دائرة الرئيس فضلاً عن ابقاء السياسة الخارجية في اطار المعقول ،

لا تعليقات

اترك رد