هنهنة


 

تكونت لدى الكثيرين تصورات خيالية عن الطرق التي انتشرت فيها أديان سماوية صرنا نراها اليوم تضم مليارات من المؤمنين بها أو المنتمين إليها، فصار البعض يعتقد أن الطاقة الإيمانية الكبيرة التي تمكن المبشرون الأوائل من إيصالها إلى الآخرين هي التي جعلت الناس ينخرطون إلى الدين المسيحي أو الإسلامي إيمانا بأفكارهما ومبادئهما، لكن التاريخ يخفي حقيقة لابد من الإنتباه إليها، فأغلب هذه الأديان سواء المسيحية والإسلام أم غيرها من الديانات السماوية أو غيرها، لم تحقق انتشارها الكبير إلا بعد أن ارتمت في أحضان الحاكم أو ارتمى هو في أحضانها، فمراجعة سريعة لانتشارالمسيحية ترينا أن مريديها كانوا يتعرضون للإضطهاد والتنكيل خلال الحكم الروماني على يد الأباطرة، حتى تأثر الإمبراطور الروماني قسطنيطين بوالدته هيلانة التي آمنت بالمسيحية، حكم قسطنطين روما بين عام 306ـ337 ميلادية.. وفرض الديانة المسيحية باعتبارها دين الدولة الرومانية، واعتبرت الكنيسة تبني الامبراطور قسطنطين للمسيحية انتصارا كبيرا لها، وربما لو لم يتخذ قسطنطين هذا الموقف لما كنا نعرف اليوم شيئا عن المسيحية، سوى ما قد نقرأه في التواريخ القديمة، ولعلها ستكون مجرد ديانة مندثرة، ففي تلك الفترة الحرجة كانت الكنيسة مهددة فكريا بسبب انتشار الآريوسية التي دعت إلى تجريد السيد المسيح من صفاته اللاهوتية والتعامل معه ككيان ناسوتي جاءته رسالة إلهية عمل على نشرها كرسول ونبي لا يختلف كثيراً عن أي رسول أو نبي عرفه التاريخ الديني، وهذا ما لم تستسغه الكنيسة التي كانت وما زالت تؤمن بامتزاج كنهي اللاهوت والناسوت في جسد وروح السيد المسيح، وسنتحدث عن هذا في موضع آخر، لكن دعونا نؤكد الفكرة التي قدمناها في مستهل موضوعنا، فليست المسيحية وحدها التي انتشرت بعد أن تبناها ملك ونظام سياسي… فمن المعروف أن نشوء الدولة الإسلامية تحقق بعد فتح مكة، وترسخ بعد وفاة النبي محمد، وظهور الحاكم تحت مسمى (الخليفة) في إيحاء إلى ارتباط الديني بالزمني، لكن الواقع الجديد فرض اقترابا حثيثا إلى مفهوم الدولة، فظهور الحركات المرتدة فرض واقعا عسكريا وأمنيا دفع الحاكم إلى إتخاذ مواقف دينية في إطارها العام، مدنية باعتبارها تكتيكات دفاعية عن الدولة الجديدة، وبعد انتهاء هذه المرحلة دشن الحاكم مرحلة جديدة هي تثبيت الدولة الناشئة عبر توسيعها تحت ذريعة نشر الإسلام، وهو تكتيك أثبت نجاحه في إنشاء دولة كبيرة قوية ثرية… فقد انسحبت الفكرة الدينية لتكون لاحقة لمفهوم الدولة الذي تصدر الخطاب والسلوكيات التي انتهجها الحكام لاحقا خاصة في الدولة الأموية، التي رسمت للفتوحات الإسلامية هدفين حافظت عليهما طويلا، كان الهدف الأول ظاهرا من خلال الدعوة إلى نشر الدين الإسلامي عبر الوسائل المتاحة، إسلام بالقبول أو القتال أو فرض الجزية.. والهدف المركزي الآخر متحقق ضمنا وهو بناء دولة مترامية الأطراف ذات سيادة وقوة تستطيع أن تكون فاعلة في الصراعات الكبرى المعروفة آنذاك.. وإذا كان تبني الامبراطور قسطنطين للمسيحية سببا في انتشارها، فإن الفتوحات الإسلامية المقرة من قبل خليفة المسلمين، كانت سببا في انتشار الإسلام، ولنأخذ مثالا آخر تم فيه فرض فكرة جديدة على شعب كامل بعد أن تبناها الملك… فاسماعيل الأول كان شاه إيران في الفترة 1487-1524 وكان شافعي المذهب، لكنه اعتنق المذهب الاثني عشري الشيعي فقام في عام 1501 بفرضه على عموم فارس والأراضي التي تحت سيطرته.. حتى أصبح المذهب الرسمي للدولة.. ولم يعد أحد يتذكر اليوم بلاد فارس التي كانت شافعية ذات يوم.

كان من النتائج المباشرة لاستقواء المسيحية بالامبراطور قسطنطين، تمكنها في منتصف القرن الرابع الميلادي من إزاحة خطر القسيس إيريوس الذي كان قد حقق انتشارا أقلق المسيحية التقليدية وأوشك أن يزيحها لصالحه، فهاجر ايريوس وأتباعه إلى مناطق الشرق الأوسط والجزيرة العربية.. وواصلوا من هناك تطوير أفكارهم التي لم تؤمن بالثالوث المقدس والصليب وألوهية المسيح وكونه ابنا لله.. متناغمين مع أفكار طائفة مسيحية أخرى كانت تحقق انتشارا واسعا آنذاك، تلك هي طائفة الأبيونيين، ونعرف بعض القساوسة الأبيونيين المشهورين منهم ذوي التأثير المباشر على النبي محمد كالقس ورقة بن نوفل والقس بحيرا الراهب، ولعل من نافل القول الإشارة إلى أن زوجة النبي خديجة كانت تعتنق المذهب الأبيوني كذلك، وتم عقد زواجها على النبي محمد وفق شروطه، أي أن زواج النبي محمد كان مسيحيا في الواقع، وسنعرف لاحقا أن الأفكار التي تداولتها الأريوسية والأبيونية كانت الأساس النظري المهم الذي استقى منه الدين الإسلامي (الذي ظهر فيما بعد) بعض أفكاره الرئيسية الكبرى.. ويدفعنا هذا إلى طرح سؤال جوهري، هو إن كانت هذه الأفكار شائعة عبر تلك المذاهب المسيحية، فما هي ضرورة ظهور دين جديد يطرح الأفكار نفسها؟… ولا يقدم جديدا حقيقيا ومختلفا؟… وليست الأفكار فحسب بل القصص والتواريخ والأسماء، فالملائكة جبرائيل، اسرافيل، اسرائيل، عزرائيل… الخ، والأنبياء، اسحق وابراهيم واسماعيل ويعقوب وزكريا ومريم وبعض المصطلحات الدينية التي اعتبرت اسلامية فيما بعد، مثل قرآن، صلاة، آية، كافر، الجنة، النصارى… وهذه المفردات جميعا وغيرها كثير مأخوذة من اللغة السريانية بشكل مباشر.. وهذا يدحض في الواقع الزعم بأن لغة القرآن هي عربية خالصة، إضافة إلى ما أثار انتباه العارفين ببواطن اللغة العربية آنذاك في وجود الكثير من الآيات التي لم تقدم قيمة فكرية أو عقائدية أو سلوكية مؤثرة بل إنها زادت المتلقين بلبلة وسببت لهم إرباكا استثمره المشتغلون بتفسير النص الديني في غرس تصورات لم تكن قريبة في واقع الأمر من جوهر الدين الإسلامي… ولنأخذ مثالا الآية التي جاءت في سورة النور: (ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهتكم أو بيوت أخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم، أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم، أو ما ملكتم مفاتحه، أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون)… فما أرادت الآية الوصول إليه كنتيجة هي أننا قادرون على أن نأكل في بيوتنا أو بيوت أقربائنا مجتمعين أو فرادى، واذا دخلنا لابد أن نسلم على أنفسنا، نفعل كل ذلك لعلنا نصبح عقلاء… القراءة المباشرة لهذه الآية تثير استغراب قارئها في كثرة التكرار الذي يعد ضعفا بلاغيا ظاهرا، ولا أهمية المعنى.. فما مبرر وجودها وشغلها هذا الحيز المهم من القرآن؟… لابد أن يعمل المشتغلون بالنص الديني على تقديم قراءة صادقة وحقيقية تظهر جدوى وجود مثل هذه الآيات في متن القرآن…

لا تعليقات

اترك رد