المرأة في الفكر العراقي القديم

 

احتلت المرأة في الفكر العراقي القديم مكانة رفيعة ، دلت عليها الشواهد الاثرية والكتابية، وقد رأى العراقيون في المرأة الحياة السعيدة ، والعيش الرغيد ، كم جعلوها رمزًا للخصوبة والتكاثر ومحبة ، والاتحاد ، وأطهر المخلوقات ، وأكثرها حيوية ،لان التجمع الإنساني الأول لم يتأسس بقيادة الرجل المحارب الصياد، بل تبلور تلقائياً حول الأم التي شدت عواطفها وحدبها ورعايتها، الأبناء حولها في أول وحدة إنسانية متكاتفة وهذا ما اكدته الابحاث والتنقيبات الاثرية(السواح،دين الانسان).

ومما يعرف عن طبيعة المجتمع العراقي القديم وتؤكده الاثار والوثائق هو أسبقية المجتمع الأمومي على المجتمع الأبوي ، أن أقدم التماثيل التي شكَّلها الإنسان للعبادة في العصر الحجري هي تماثيل إناث على شكل دمى طينية ، أو فخارية في هيئة امرأة حبلى ، أو أم تضم إلى صدرها الطفل ألصغير أو عارية الصدر تمسك ثدييها بكفيها في وضع عطاء. وهذا ان دل على شيء ، فانه يدل على المكانة المرموقة التي اكتسبتها المرأة في الفكر العراقي القديم.

ويشير عبد الكريم منصور في كتابه (افاق فكرية) إن مكانة المرأة في اولى التجمعات البشرية القروية في بلاد الرافدين قد ارتقت الى مرتبة تفوق ما يمكن ان يتخيله المجتمع الذكوري وحتى النسوي في وقتنا الحاضر، حيث اعتبرت المرأة إلهة او ما يرادف كلمة إلهة أي “ربة”، وتبدو هذه الصورة أكثر وضوحا في العلامة الدالة التي كتب بها اسم المرأة في الخط المسماري، منذ منتصف الألف الرابع ق.م. وهي عبارة عن صورة نجمة داخل بيت ، وان علامة النجمة من اهم العلامات الدالة على الالهة والقدسية اذ كان وجود هذه العلامة في الكتابات القديمة يشير الى اسم احد الالهة ليضفي نوع من الاحترام والعظمة والحرمة والقدسية للكتاب ، وهذا ما ايشير به الى المرأة في تلك المجتمعات القديمة لبلاد الرافدين .

و يذكر لنا الاستاذ المرحوم طه باقر في مقدمته الحضارية أنّ مساهمة المرأة في تدجين الحيوانات، واكتشافها الزراعة أرسى أهم عامل لاستقرار الإنسان وبناء الحضارة، وكان لها سيطرة حقيقية على تلك العصور والتي دُعِيت عصر سيطرة المرأة ( Matriarchy )، فكانت أعمال المرأة بالإضافة لتربية الأطفال تتعلق بطحن الحبوب وتهيئة الخبز والطعام، وكذلك الغزل لصنع الملابس وتهيئة جلود الحيوانات، والعناية بتلك الحيوانات المدجنة في حظائرها، أما أبرز أعمال الرجل وواجباته فكانت على الأرجح تتعلق في صنع الأدوات الحجرية والأسلحة البسيطة وحماية قطعة الأرض الصغيرة المزروعة وصيد الحيوانات

وعندما اخذ نظام الأسرة في الحضارة العراقية في العصور اللاحقة (وخاصة في عصور انتشار الاقوام الجزرية في بلاد الرافدين) ، ياذ طابع السلطة الأبوية التي مارسها الرجل في تلك المجتمعات الا انها لم تكن سلطة مطلقة ، إذ كان للأم هي الأخرى مكانة مرموقة ، وكانت المرأة تتمتع بالكثير من الحقوق والامتيازات .

لم يحاول هذا المجتمع الرافديني محاربة الإناث ، رغم تفضيله الولد بسبب الاعمال التي يضطلع بها الولد لقدرته الجسمانية ،لكن الكلمات السومرية والمستعملة في معظم المواد القانونية والمتعلقة بحقوق الأطفال لم تدل على أي عنصرية او تفرقة بين الجنسين ، فكلمة السومرية (maru) والأكدية ، (dumu)تدل في معنى على الطفل الطفل بمعناه العام ، دون التفرقة بين البنت والولد.

ومن الدلائل الاخرى التي تشير على مكانة المرأة في الفكر العراقي هو تبوء المرأة مناصب مهمة في الدولة وممارستها وظائف غاية في الاهمية والقدسية فمن الملكات السومريات امرأة تدعى ” كوبابا ” استولت على مدينة كيش، إحدى المدن الرئيسة، حكمت مدة تقارب ثلاثين عامًا.

وملكة (بو-آبي=شبعاد) التي مارست الملوكية مع زوجها آباركي وقد عرفت بحبها وشغفها بزوجها ومن دلائل على ذلك يذكر لنا الكاتب “حسين الهلال” ان الملكة (بو –آبي) بدافع حبها لزوجها (الملك أباركي) اوصت ان تدفن بالقرب منه بعد موتها واشتهرت بجمالها وأناقتها وهذا ما دلت عليه اثار وخزائن مقبرتها إذ اختارت (بو-آبي) بنفسها أدوات المائدة الأنيقة من أرقى المعادن وهو الذهب ، وكانت انسيابية التعرجات للكأس ، والكأس الذي تنتهي خطوطه القوسية بقاعدته الدائرية المملوء فراغها بزهرة تسد هذه الفراغ المدور . واختارت القلائد التي كانت خرزاتها من الذهب والفضة ومختلف الحجار الكريمة وهي تعتبر من النفائس الفريدة التي وجدت في المقبرة وكذلك شرائط ذهبية وزهور تعتبر من زينات الرأس البديعة حتى علبة الزينة اختارتها بعناية فائقة من الذهب وكذلك الملاقط . وأنواع الحيوانات ولم يقف هؤلاء الصناع عاجزين عن أي صناعة أكثر تعقيداً . لقد اهتمت هذه المرأة بجمالها وزينها التي لم تسبقها امرأة في كل العهود في تقديم أشياء أبداعية تضفي على المرأة جمالاً وأكثر ابهة وتعطيها الصفة الكاملة للقدسية الملكية . أو إعطاء الدرس في الأناقة واختيار الموضة للعصر الذي تعيش فيه هي وكل الفتيات السومريات ، وهذا أوج ما وصلت اليه المرأة في العهد السومري في الحضارة والتقدم ، وما دامت هي التي اختارت الأواني الذهبية لمائدتها الملكية وأدوات زينتها النادرة فلا يستبعد كونها هي التي أشارت على الصناع المهرة أن يصنعوا لها أكليل الرأس النادر ، والذي لم

يشاهد من قبل في العهود السومرية السابقة عند النساء اللواتي سبقن (بو-آبي) هذا الإكليل من الذهب الخالص الذي شكل أوراق الصفصاف أو اوراق شجر الزان المزخرفة بالذهب وقد ارتفعت فوقه ثلاث زهور تبدأ من مؤخرة الإكليل الخلفية وتنحني حركة الخطوط الثلاثة برقة مشكلة نصف أقواس تتطاول فيها الأدوار الثلاثة ، أن هذا الإكليل يضفي مهابة وإجلال للملكة(بو- آبي)

ومن الملكات اللائي تولين مناصب أزواجهن حينما كانوا يذهبون إلى الحروب ، أو مناصب أبنائهن ألصغار ومنهن (الملكة شيبتو) زوجة (الملك زمريلم) في مملكة ماري ، التي كانت في سوريا حوالي 2900 ق.م.

ومن اهم الملكات الاشوريات اللواتي كانت لهن دور كبير في السياسية الملكة زاكوتو )نقية( التي تنتمي إلى إحدى القبائل السامية الغربية من بلاد آشور كانت الزوجة المحبوبة والمفضلة لدى العاهل الآشوري سنحاريب ) 705 – 681 ق.م( وقد أطلق عليها زوجها اسمها الآشوري )زاكوتو) بعد الزواج حيث كانت سرية عنده. ولم تكن السيدة نقية زوجة ملك اعتيادية ترضى بحياة القصور المترفة ، بل استطاعت بدهائها وذكائها أن تساهم في حكم الإمبراطورية إلى جانب زوجها. وكان لها نفوذ كبير في أرجاء البلاد ، وتمكنت نقية بحنكتها أن تجعل من ابنها أسرحدون ولياً للعرش بالرغم من أنّه لم يكن الابن البكر لسنحاريب (ميادة كيالي ، دور المرأة)

أما من الناحية الدينية فكان للمرأة الرافدينية فقد كانت الالهة الاناث لهن اهمية كبيرة مثل الالهة الام التي كانت اول الربات التي عبدها سكان بلاد الرافدين والتي تشير الى الخصوبة والإنماء ، والإلهة إينانا(عشتار) بوصفها الهة حرب وحب.

كما كان للمرأة قسط وافر في إدارة المعابد ، و إقام ة المراسيم الدينية ، وكان الملوك والأمراء يتنافسون في تعيين قريباتهم في هذه المراكز ، وكان الرجل يفخر في أن يهب ابنته سريرًة للآلهة أو الكهنة ؛ لتخفيف ما يعتري حياة الكهان من ملل وسآمة ، بل يقدم القرابين في هذا الاحتفال الذي شرفه بإدخال ابنته إلى الخدمة المقدسة. ومن اشهر الكاهنات الاميرة والشاعرة (اناخيدوانا) ابنة الملك سرجون الاكدي التي لعبت دور كبير ومؤثر في حياتها والدها سرجون وكان لها الفضل في كسب تأييد السومرين وموافقتهم على حكم والدها سرجون الاكدي..

وهنا نقول ان المجتمع العراقي القديم هو اول مجتمع وأول نظام في الحضارات القديم الذي احترم مكانة المرأة وأعطاها حريتها في مزاولة الاعمال الى جانب الرجل لانها مصدر الحب والعطاء ، في الوقت الذي كانت فيه نظيرتها المرأة في الحضارات الاغريقية والرومانية والحيثية تعاني من سوء المعاملة وعدم الاحترام بل عدوها كأي غرض منزلي يمتلكه الرجل.

شارك
المقال السابقهنهنة
المقال التالىإجه يكحلها عماها !!
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية الشهادات • بكالوريوس اداب / تاريخ / جامعة بغداد 2001-2002م • ماجستير تاريخ القديم /جامعة بغداد/كلية الاداب 2008م • دكتوراه فلسفة في التاريخ القديم/جامعة بغداد/كلية الاداب2014م. الخبرات • تدريسية في كلية الاداب / جامعة الامام جعفر الصادق(ع) مدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد