مسؤولية المثقف


 

قد يكون تعريف “المثقف” من التعاريف التي لازالت عالقة في الاطار الجدلي بين المفكرين، لم يحدد بتعريف جامع مانع، اذ لكل مدرسة فكرية ومفكريها تعريفاً مختلفاً عن الاخر!

وتتباين صفات هذا التعريف وشروطه ومهامه بين كل من هذه المدارس او مفكريها، كتباين مواقف المثقفين تجاه المجريات الحاصلة في بلدانها والمشاكل التي يواجهونها، في العراق يكاد يكون تعريف المثقف لدينا تعريف انطباعي مورث اكثر من كونه تعريفاً منهجياً.

حيث دائما ما ترادف كلمة المثقف صورة نمطية لكاتب او صحفي او مؤلف تغطي اهتمامته الثقافية والادبية حياته الشخصية بكل تفاصيلها، حتى تشعر بان المثقف لدينا وفي الكثير من البلدان العربية اشبه ما يكون اعتناق لعقيدة ودين مثقل بالطقوس والعبادات اكثر من كونه موقفاً ومهمة اصلاحية.

وفي الاطار السلبي لمفهوم المثقف انه قد ترادف مع مفهوم رجال الدين من حيث السلبية، الى نتيجة مفادها ان كان رجال الدين هم عمائم السلاطين فان مثقفينا هم كلابهم السائبة، يكفي ان تقرأ مقالات المدح والاطراء من الكتاب والطبقة المثقفة تجاه اي زعيم او حاكماً، ومنها والذي استوقفتني امس صورة لافتتاحية جريدة عربية كتب بعنوان كبير:” الملك فاروق يصطاد 344 بطة والسفير الهندي واحدة” اما حالياً وفي العراق تحديدا الجيوش الالكترونية والمراكز الثقافية المأجورة مثالاً.

هذا ليس اتهاما او اهانة للمثقف بقدر ما هي انطباعات واقعية، قد يقول احدهم بان هؤلاء لايسحبوا على المثقفين، بل ان المثقفين الاصليين هم انبل وارفع من هؤلاء، وقد يكون هذا القول صائباً لكن عزلة المثقف العربي والعراقي تحديداً بعيدا عن اسبابها قد اكدت هذه الانطباعات الى حد ما، في ظل فوضى تسيطر المفهوم الاصل وعدم توفر قيمة ثقافية لدور المثقف او تجارب اثبت فيها المثقفين دورهم وواجباتهم في مختلف مناحي الحياة نتيجة لطبيعة الحكم الدكتاتوري، وغيرها من الاسباب التي قد تبرر او لا تبرر نقص المثقفين والمفكرين العمليين في حياتنا الاجتماعية والسياسية.

مع احتلال الاميركي للعراق وانتشار عدوى “الدمج” التي شملت كل مفاصل الحياة ليست فقط العسكرية انما الثقافية والفكرية والسياسية، قد لحق هذا المفهوم العديد من المغالطات وعانى من الاستغلال السخيف من الاقلام المأجورة التي لاتجيد سوى لعق الاحذية.

ومع تصاعد الخطاب الطائفي والاضطرابات التي عانى منها البلاد قد جعل اولوية المثقف متاخرة عن الواقع او قد تكون غير مجدية لكن منذ عدة سنوات ومع تزايد الاهتمام او الاقبال العراقي على مواقع التواصل الاجتماعي بدأت مكانة المثقف او المثقف نفسه يجد منبراً يمكن ان يعرض افكاره ويناقش اطروحاته ويقوم بحملاته الاصلاحية.

وهذا عموما يمكن القول شمل العديد من البلدان العربية ولاسيما مع اوضاع الربيع العربي التي اعطت مكانة او احيت دور المثقف والحراك السياسي عموماً في المنطقة، ومن ذلك التاريخ بزرت على الساحة كوكبة وافكار واتجاهات جديدة من مثقفين وثقافات مع بروز براكين الدم والخراب.

وهنا ولد جيل ومفهوم جديد يقترب من وصف الناشط وهو مصطلح جديد اكثر ضبابية وقابلية للاستغلال والتزوير والسخرية حتى، على الرغم من التفصيل في هذا المفهوم، فقد يعرف عن نفسه احدهم ناشطاً سياسياً او ناشطاً مدنيا، الامر الذي ادى الى ظهور مغالطات تراكمية ارى ان تأثيرها السلبي اكثر من وجودها الايجابي لاسيما مع خطاب الحدة التأجيج الذي يسيطر على كتاباتهم.

حتى يكاد ينحصر دور ومهمة المثقف او الناشط في الحذلقة والاشهار والتأجيج والنقد الغير مثمر، بدون اية وضع للحلول وان كان هناك خاصة في العراق عقم وندرة من وضع الحلول لانقاذ البلاد.

لكن لايمكن ان نعتبر الشخص الذي يكشف المفارقات ويعرض التناقضات ويحدد مواضع الفساد والخراب بكل اشكاله هو مثقفاً، وهنا يحضرني مقتطف لخطاب من “صدام حسين” ساخراً في حديث له عن القضية الفلسطينية ودور الزعماء العرب قائلاً:” يطلع يوصفنا عبالك هو مراسل صحفي مو هيج الحجي ياب” !

وهذا المثال او الخطاب اجد من المناسب استعارته وانا اتحدث مع هؤلاء بكل اشكالهم وانتمائهم سواء المثقفين او الناشطين محليين في بلدانهم او ضد البلدن التي تهدد بلدانهم، اذ يكفي ان تعرض لي فساد السلطة الحاكمة وتذكرني بمعاناتي اليومية وانت لا تقدم لي حلاً، فانا ابن شعب والشعوب كالاطفال فهل تعي ذلك!

يكفي ان توضح لي التأمر الاميركي وتضعني امام فكرتين اما ان اميركا ليست بتلك العظمة فيمكن افناء وجودها لالتحقت مع قطيع تلك الفكرة، و انها دولة لايمكن فناء وجودهم وارتضي باليأس والاحباط!

يكفي ان توضح لي الخبث الايراني وتوسعه الذي لم يدع شيئاً لم يستولي عليه حتى ملابسنا الداخلية مكتوب عليها ساخت ايران، وتضعني امام واقع ان قاومت اتهمت بالدعشنة!

يكفي ان توضح لي المكر التركي وازدواجيته ودوره الخطير في العراق وانت مقيم فيها وتطالبني بمهاجتها، يكفي ان تخبرني بفساد الاحزاب الاسلامية وانت تعي جيداً انني اكثر وعيا ومعاناة منك منهاً !

يكفي ان تخبرني وتذكرني بواقع مرير اعيشه كل يوم احاول تناسيه والتعايش معه لتدفعني الى التمرد الطفولي والوحشي سمه ما شئت !

يكفي ان تطلب مني ان اعلن موقفي ضد هذه الحكومة واتحدى دمويتها في معركة خاسرة ضحيتها عائلتي وذاتي وحياتي وكياني، يكفي ان تحرضني على المواجهة وانا مطلق اليدين!

يكفي حذلقة وانت تتحدث وتكتب عن مفارقات وسخافات السلطات بحروفك وانت تعي انها لن توقف ظلماً او تحرر اسيراً!

يكفي ان تطالب الشعب بالوحدة والتعاون وانت عاجز من التعاون من نخبة من المثقفين لتقديم ندوة او تشكيل تجمعاً فكرياً ثقافياً او اجتماعيا وسياسياً ينهض بالواقع الذي نعيشه.

يكفي كل هذا يا ايها الحبة ولااقول هذا لدعوة للعبودية او للمداهنة، لكن اقول هذا لان هذا الشكل من واجبات المثقف ان صح تمسيته ” بالانتقاد” الغير بناء ليس مثمراً، ولم يعد يثير الشعب الذي اعتاد على هذا الواقع خاصة وان وكتاباتكم ساهمت بترسيخ فكرة ان لاأمل من الاصلاح فذهب يتعايش مع الواقع المرير بكل تنازل واستستلام!

لهذا لم اعد اخشى بان حروفكم اصبحت لم تعد تؤثر او تحرك الجموع، انما اخشى يوماً دماءكم هي الاخرى لاتكون سوى رقم في شريط الاخبار فيعلق عليها احد ابناء الشعب يا له من احمق!

اقول هذا بعيداً عن مثالية باسكال بونيفاس في كتابه المثقفون المزيفون واكثر عقلانية من تعريف اليسارية ان المثقف الحقيقي هو من يقدم الحلول لا فقط الانتقاد، المثقف الحقيقي من يضع حلولاً اياً كانت المهمة او القضية التي يتحدث عنها سواء سياسية او اجتماعية او دينية!

اقول هذا لانني ارى لازالت هناك امكانية توفرها مواقع التواصل وهناك جموع وشعوب تعترف بشكل او باخر بجهلها ومستعدة للتعلم والانصات للمثقفين الجادين في واقع هناك من يتلاعب بعقولها ترد عليه بعبارة “تم”، نعم هناك أمل ومساحة ان استطاع مثقفينا استغلالها قد نرى اثراً ملموساً ويكون للمثقف العراقي دوراً وتاثيرا يدونه التاريخ.

لكن الامر يحتاج جهد فني يتمثل بتطوير مهارات المثقفين الاصلاء الاصليين خاصة من كبار المعرفة والعمر في فنون مواقع التواصل، والية النشر والتدوين، اكثر من الكتابات التقليدية، ويحتاج جهد فكري يتمثل بوضع حلول منهجية قادرة على التطبيق ويكون قادراً على دفع الجمهور لتطبيقها.

اما ان يستمر مثقفينا بحالة الجلد وشاهد كيف يتم او الحذلقة او العزلة اعتقد سوف يكون حالهم كحالة القنوات الفضائية الاحادية لايتابعهم وينصت لهم سوى قلة قليلة بارقى حال لايمكن ان نطلق عليهم غير وصف السذج والبطرانين على الرغم من قيمة الجهود التي يبذلونها

لا تعليقات

اترك رد