إجه يكحلها عماها !!

 

” إجه يكحلها عماها ” أو “جا يكحلها عماها ” وكذلك ” راد يكحلها عماها ” مثل شعبي يردده العراقيون بحسب لهجاتهم المحلية للتعبير بأن فلانا من الناس أراد أن يصلح الحال ويحل الموضوع او المشكلة لكنه بدلا من ذلك أفسد ماجاء من أجله بل زاده سوءا ، وتوجد في الموروث الشعبي عدة روايات لأصل هذا المثل ، منها أن كلبا وقطة عاشا في أحد القصور قديمًا ، وكان الكلب يلاحظ جمال عيني القطة دائمًا فسألها عن سر جمالهما. وكان ردها بأن هذا الجمال نابع من الإطار الأسود الذي يحيط بعينيها والذي يشبه الكحل تمامًا، فأعجِب الكلب بفكرة وجود الكحل حول العين، وأراد لعينيه أن تكونا جميلتين كما هو الحال مع القطة فما كان منه إلّا أن وضع الكحل على اصبعه وحاول أن يضعه على عينه، ولكن لسوء حظه فقد دخل مخلبه في عينه وفقأها، ومن هنا جاءت المقولة “جا يكحلها عماها”.(1)
ورواية أخرى تقول انه كان هناك شخصان متجاوران وكل واحد منهما يمتلك حضيرة ابقار والشخص الاول كانت ابقاره اجمل ومتميزة بعينيها الكحيلة ..
ولذلك كانوا عندما يذهبون الى السوق لبيع الابقار فان الكثيرين يدفعون اعلى الاثمان بها, اماصاحبنا الثاني فان ابقاره عادية ولشدة غيرته اراد ان يجعل ابقاره مثل الأبقار (الكحيلة) فأخذ اداة الكحل والكحل في سالف الازمان لم يكن كما في هذه الايام بل كانت مادة الكحل الخام تحمى بقطعة معدنية خاصة لتذيبه فيسيل ثم يوضع في العيون فقام صاحبنا بجلب البقرة واراد ان يكحلها لكنه تَنَشَق الكحل فعطس واصاب عينيها بالقطعة المعدنية فعميت … وهكذا “إجه يكحلهاعماها “(2)

واليوم سنكتفي بهذين التفسيرين وسنلقي بظلالهما على قرار هيئة (المساءلة والعدالة) العراقية الصادر مؤخرا والمتضمن حجز ومصادرة ألأملاك والأموال المنقولة وغير المنقولة لأكثر من 4257 شخصا. وبالطبع كنا نأمل أن تصدر قوائم بمثل هذا العدد واكثر للفاسدين وسراق المال العام ومن مدوا يد العون للإرهابيين بل سلموهم محافظات عراقية كاملة ولامن مساءلة لهم ولاعقوبات من المفروض أن ترقى الى أحكام بالخيانة العظمى .
وبدءا فإن هذا القرار الجائر الأخير جاء ركاما آخر مضافا وبمثابة دعاية انتخابية سيئة واجرامية وبقصد انتقامي شرير متحلل من ابسط أطر القوانين وخارج عن روح الأعراف الانسانية ، وبهدف غير آدمي وتوقيت مكشوف هدفه الانفراد والآستئثار بالعملية الانتخابية التي يدعون زورا وبهتانا بانها ” ديمقراطية ” حرة وعادلة وأنها حق لكل أبناء العراق ، وإذا بها الان تترنح بين رافض وعازف عنها ومشكك فيها وساخط عليها سواء من الشعب العراقي أو أشقائه في البلاد العربية وشعوب العالم المحبة للخير والعدل والسلام وبذلك ينطبق بحق القابضين على السلطة (إجو يكحلوها عموها) .
كما شمل هذا القرار شخصيات توفاها الله منذ عقود وبعضهم شارك في التصدي للإرهاب وأعتبر شهيدا وفق قرارات حكومية و( الضرب بالميت حرام ). وفي جانب آخر فقد تعرضت كثير من عوائل الذين صدر بحقهم هذا القرار الى التشتت داخل وخارج العراق وهم يعيشون ظروفا إنسانية واقتصادية سيئة وأصبحوا عرضة لاستغلالهم من جهات أجنبية .
ان هذه العملية لاتؤلب مكونا على آخر كما يتوهم أصحاب الغرض السيء بل تغذي الطائفية المقيتة ناهيك عن الفتنة التي تنشأ بين المواطنين بسبب انتقال الملكية من طرف الى آخر دون وجه حق ، وكل هذا يحصل في وقت تسعى فيه كل مكونات العراق لكي تكون لحمتها واحدة ونسيجها متناسقا، كذلك فإن هذا الاجراء العدواني بعيد كل البعد عما مايتردد كذبا ودجلا عن سعي السلطة القائمة لتحقيق مصالحة وطنية ومجتمعية مزعومة وكلنا يعلم أن هذا الادعاء الباطل ظلت تتاجر به طوال سنوات مابعد الاحتلال وحتى اليوم ، كما أن قرارات الهيئة الحكومية غير المستقلة التي تسمى بالمساءلة والعدالة وهي منها براء لاتسهم مطلقا في الحد من مكافحة الارهاب وادواته وتحقيق السلام الشامل والعادل ، كما انها لاتصب في عملية التنمية المطلوبة لعراق المستقبل حيث يتحتم الابتعاد عن الأحقاد والضغائن والغل وفتح صفحة تعايش سلمي ، وأين الروح السوية والانسانية التي جاءت بها كل الرسالات ، وتحلى بها ودعا اليها الأنبياء والمرسلون وأئمة الأمة ودعاتها ومصلحوها ..!!. فتباحثوا.. وآسترشدوا وآهتدوا وتصالحوا وآنبذوا الأحقاد والأدران وآخرجوا الى الله والشعب بقلب ابيض سليم ، أما من تجدون عليه شائبة (من المغضوب عليهم ) وأنه خالف القوانين حقا وحقيقة فالقضاء هو الفيصل ، وحتى في هذا الصدد عليكم أن تبدأوا بانفسكم أولا فتتطهروا وتتقوا الله بشعب العراق ومقدراته وأمانة ثروات أجياله .
أخيرا أتساءل بالم ، مذكرا وعسى أن تنفع الذكرى : كيف تريدون ان نضمد جراحنا و نبني وطننا والبلاد الآن على شفا هاوية سحيقة مالها من قرار !!.. أليس بينكم رجل رشيد ؟!. فلا يعقل ان تحصل مثل هذه الانتهاكات وقد مضى على احتلال العراق خمسة عشر عاما.. عليكم تدارك ما صنعته مصالحكم وماجنته أيديكم ، فقد صدق فيكم القول ليس الان فقط وإنما منذ تسليمكم حكم العراق ، وقد آستبدلتم الكحل بالعمى عن قصد وسابق غاية ، فحق عليكم الدعاء : اعمى الله كل من أراد سوءا بالعراق وشعبه ، مثلما صدق فيكم الوصف (اجيتوا تكحلوها…عميتوها ..)..!!.

(1) بتصرف ، قصة المثل “جا يكحلها عماها”، شبكة أبونواف ، 04/03/2017
(2) بتصرف ، اجه يكحلها عماها ، شبكة بيت حواء ، 27-1-2018

لا تعليقات

اترك رد