العقل العلمي بين الرياضي السمتري والموسوعي ومرونته

 

منهج العقل العلمي وقدرات الفعل

مجتمعان يشيعان الخرافة و أو وجهاً من أوجه الجهل. مجتمع التخلف بالمطلق فهو يستند إلى الخرافة والجهل بأشكاله؛ ومجتمع استغلالي يبحث عن مراكمة الإنتاج لمزيدٍ من ربح المغانم، هو ذاك الذي يشغل الناس بدوامة البحث عن عمل للتخلص من البطالة ومن ثم يفرض واقعاً يمضي بمنطق أو ثقافة التقوقع في إطار التركيز على اتخاذ تعلُّم التخصصات العملية المقصورة بشؤون تقنية بحتة تُعنى بإعداد الإنسان لمهنة بأجر.. وهنا لا يجد ذاك الإنسان الذي يمتصه الاستغلال وقتا لمعارف غير تلك التي اشتغل بها ولا ثقافة تنويرية تخدم أنسنة وجوده بدل منحه أو التصدق عليه برؤى أو بثقافة استهلاكية المنحى سنلاحظ كيف تشيِّئ الإنسان نفسه..

وبكلتا الحالتين أو المجتمعين نجد الجهل الثقافي المعرفي يُبعد الإنسان عن الفاعلية والإيجاب وعن تشغيل عقله بـ(منهج علمي) يتسق بمفردات منطقه مع أنسنة وجوده، أي ما يمنحه فعلياً عملياً فرصة شمول مفردات وجوده وأنشطة حياته بخصوبة ثقافية موسوعية بعيداً عن حدود ضيقة الأفق للمعلوماتية الجامدة الصماء ولثقافة محايثة تقع في تزجية الوقت المتوافر للاسترخاء السلبي..

وبهذا فـ الأمي في مجتمع التخلف أمي أبجدياً ثقافياً، لا تجده يعرف ما يدور حوله من قوانين تدير تفاصيل يومه العادي أو ترتب منظومة عيشه وقوانينها العامة والخاصة. إنه مجرد رقم سلبي تابع يدور في فلك من يوجهه بلا وعي حداثي ناضج بما يشلّه ويجعلهُ لا يمتلك قدرة الفعل أو اتخاذ القرار.. ولا يبتعد عنه في تلك السلبية تجاه منظومة الحراك المجتمعي، ذاك الإنسان الذي لا يملك سوى علماً أو معرفة سمترية، تقنية بحتة؛ بمعنى تقليص مساحة امتلاكه سمة ثقافة موسوعية، ضرورية لتساعده على استيعاب أدوات تحليل الواقع والبيئة المحيطة وعلى إرادة اتخاذ قرار في توجيه مسار تلك البيئة..

هنا تتبدى قوة بعينها لتفرض سطوتها وتوجه النظام العام حيث تريد. فتصنع فرصاً مضاعفة لممارسة الاستغلال من دون عقبات جدية بوجهها. أي تُضعِف بتلك الثقافة الاستهلاكية أو تهيئ لاختفاء و\أو اضمحلال قوى المعارضة ذات الخطاب النقدي، التصحيحي، التقويمي المعبر عنه باشتغال العقل العلمي ومنهجه أي النهج والمنطق القائم على اتحاد السمتري المتركز على المعلوماتية وحقول تخصصات البناء المادي لحضارتنا وعلى الموسوعي بثقافة نوعية تبني روحياً حيث تطلعات الإنسان لإغناء وجوده قيمياً عبر الأنسنة ومعانيها ومحو الخواء الاستهلاكي سلبيته..

بهذه الجدلية، تجد من يدير الأعمال والأنشطة التقنية أناس تسهل فرص توجيههم لمآرب مرضية في بيئتهم ومجتمعهم، ويسهل كبح أي نزعة نقدية فيهم ليتم ضمهم لجموع الإنتاج الخاضعة لإعادة توليد العلاقات الاستغلالية السائدة والتمسك بمن يديرها لمصلحة نظام بعينه.. وتسهل هنا بمجتمعات استهلاكية الثقافة، فرص شيوع منطق الخرافة والاعتقاد بالدجل والأضاليل، مثلهم، طبعا ليس بالتطابق والتناظر الكمي، مثل الأمي الأبجدي من حيث الآلية عندما لا يملك المرء بتلك المجتمعات المتقدمة تقنياً، ثقافة تفسر له طابع معاناته وأسبابها ووسائل الحل والتغيير؛ مع الحذر من حال الاستسهال في القراءة والظن أن المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا لا تحمل في رحمها قوى سامية قيمياً هي أجنة التغيير الإنساني الأشمل بما تمتلك من موسوعية إيجابية فذة..

إن قوى الاستغلال تستأنس وترتاح إلى أمرين: أولهما سيادة الجهل المطلق بمجتمعات التخلف حيث تسطو على تلك المجتمعات عبر نظم تابعة تدور في فلك الأولى، لامتصاص الثروات المادية تحديداً.. وثانيهما: إشغال أغلبية مجتمعاتها، بالقدر المتاح بين يدي ماكنتها السياسية الإعلامية، كي تكتفي تلك الأغلبية بمدارس تعلم التقنيات، لغرض ممارسة مهنة مقابل أجر للعيش؛ فيما لا تملك تلك الشخصية فرصة اكتساب الثقافة الموسوعية الرصينة وهي حقيقة على الرغم مما تجده متاحاً للقراءة والمشاهدة ذاك الذي يقف عند أعتاب نشر خطاب استهلاكي محض..

وإن سألت أحد تلك الأغلبية السائدة، ربما أجاب بمعرفته بالأرقام والأسماء والعنوانات.. ولكنه لن يستطيع تحليل ظاهرة أو التعامل مع اشتغالات العقل لكشف أعمق في تناول تلك الظاهرة أو تحليل الأسباب والنتائج والبدائل، كما أشرنا قبل قليل.

إذن، صحيح اشتغال العقل العلمي الذي نسعى إليه قد يكون تجاوز مجتمع الحداثة وما بعدها، وتلك المجتمعات تتقدم في منحها الحقوق والحريات وفي إنضاج الشخصية الإنسانية حيث لا يتم اشتغال العقل العلمي، بأفضل وأنضج تصور، من دون وجهي الحقيقة هاته، أي من دون اتحاد خطابي المعرفة العلمية السمترية أو الرياضية والثقافة الموسوعية الشاملة، كيما تتحقق قدرة الفعل إيجاباً عند الإنسان المعاصرويساهم بقدرة أفضل نوعياً في بناء المجتمع الجديد.

ونتسائل أيضاً كيف للعقل العلمي أن ينضج ويكتمل في اشتغاله وكيف للإنسان أن يحيا وهو مجرد آلة يديرها عنصر استغلالي مريض، بعدائه لأنسنة وجودنا؟ كيف يحيا وهو لا يعرف ما يدور حوله من إدارة ملفات بشكل يجري به سرقة طاقة إنتاجه؟ بصيغة أخرى: كيف يحيا ذاك الإنسان وقد تعطلت فرص اشتغال العقل العلمي ومنطقه عنده أو أصيبت بمثلبة أو تشوّه لنقص بنيوي؟

لا مجال لعيش إنساني حقيقي مكتمل روحياً ثقافياً بلا عقل علمي.. وهذا العقل العلمي يقتضي توحيد الخطابين المعرفي مع الثقافي بموسوعيته المرنة التي تشمل حقائق واسعة وعميقة في الوجود و تكشف من يتحكم به وكيف يجري توجيهه بغاية سامية لتغييره والتقدم به باستمرار بحسب متطلبات العيش الإنساني الحر الكريم..

وهذا العقل العلمي كذلك، ليس ما تركَّزَ في معرفة علم بقصد النهوض بمهنة فعديد من أصحاب شهادات تقنية لا يملكون ثقافة إنسانية تمنحهم فرصة تشغيل عقولهم ومفاعلتها مع الظواهر المحيطة بقدرة الفعل وإرادة اتخاذ القرار. أذكّر هنا بأولئك الذين يزدرون العلوم الإنسانية وعلوم الأدب والفن وما يدرسها على خلفية اعتقاد بأن العلم هو المادي الرياضي فقط لا غير وما عداه لا يمثل علما ولا تحكمه محددات العلم. وطبعا هذه الحقيقة تظل مرافق سلبي لإفرازات ثقافة مربوطة بمرحلة بعينها وطابع هوية نظامها لكن الحياة تمضي من مرحلة إلى أخرى ومن تشكيل ونظام إلى آخر على وفق عناصر التحول القائمة على حركة التغيير البنيوية في العقل نفسه.

والصائب الذي يتوالد باشتراطات موضوعية في نطاق حركة التغيير البنيوية للعقل العلمي ومنهجه، تكمن في أن نجمع بين العام والخاص؛ وأن نوحد بين الحصول على علم يفيدنا في اشتغال تخصصات البناء المادي لوجودنا وتلمس وسائل السيطرة عليه وبين الحصول على موسوعية تمتلك ظاهرة التعميم المناسب والشمولية التي تفضي لمرونة التفاعلات مع ما يستجد من ظواهر ووقائع وأحداث وضبط بنى المجتمع وعلاقات الإنتاج فيه لمصلحة أنسنة وجودنا..

بهذا فقط، يمكننا أن نصل إلى معنى قدرة الفعل وما تقتضيه أو ما يقتضيه تحقق الأداء عبرها ليس في ممارسة مهنة حسب وتشكيل مسارات البناء المادي بتنوعات تفاصيلها وتعقيدات مراحل التقدم بل في أنسنة وجودنا بتشغيل موضوعي سليم للعقل عبر منهج علمي ومنطق لا يضعنا أسرى عند القيم الاستهلاكية وحال تشييء الإنسان والاتجار به وامتصاص قدراته عبر تعطيل إرادة القرار وقدرة الفعل المجتمعي الأشمل لا في إطار مجتمع التخلف الذي تسطو عليه فلسفة الدجل والمخادعة والتضليل ولا بمجتمعات التقدم التقني (عندما) تسود فيها ثقافة استهلاكية بلا قيم روحية للإيجاب في مساهماتنا البنيوية المتقدمة..

ومجدداً ودائماً فهذه الحقيقة تؤكد أنه لا اكتفاء بعلوم متخصصة أو بالخاص في تركيزه على الدقيق المحدد المشروط بمركز أو بؤرة (مادية) بعينها، عادة ما تكون في شؤون مهنية صرفة، تقع في إطار هيكلي لنظام التقدم التكنولوجي الذي سنلاقي فيه الشخصية السلبية التي تحيا بشعار ((شعلينة لازم)) بوجه من أوجهها وليس بذات الصورة الموجود بها هذا الشعار ببلدان التخلف، بمعنى قول أو شعار (لا علاقة لي بما يدور)، أنا أذهب لأشتغل وآخذ مرتبي لصرفه في مقتضيات حياة استهلاكية أجدها تمثل كل معاني وجودي وهي في الحقيقة تنفي باستهلاكيتها أي معنى للروح الإنساني الأنضج قيمياً…

وحيث أن أنسنة وجودنا تؤكد أن لا اكتفاء بالإعداد لممارسة المهنة فسيكون على الضفة المقابلة واجب اتساع واتحاد بموسوعية قرينة بخطاب الثقافة النوعية المغايرة البديلة، واجب شموليته لمعطيات مرنة بالضرورة في حراكها، مرنة في منطق اشتغالها؛ كيما يساعد الشخصية على ولوج ميدان اتخاذ القرار وقدرة الفعل بمجالات تتفاعل (إيجاباً) مع البيئة والمحيطة ويصبح الإنسان صانع حياته ويكون هو من يحدد مسارها على وفق علاقات إنتاج جديدة تُنهي ظاهرة استغلاله أو ركنه على أرفف الاستهلاكية والسلبية بوجهها القيمي…

وبالإيجاز نجد أنه عند تحقق (اتحادٍ) متوازن بين الرياضي السمتري والموسوعي المرن تنضج شروط اشتغال العقل العلمي وقدرة الفعل فيه، وهذا هو سرّ اقتضاء نشر العلوم (مقرونة) بالضرورة بثقافة التنوير وشموليتها وإيجابية معطياتها، مؤكدين هنا بأننا لا نقصد بالمرونة تلك الخطابات التي تُشِيع الخرافة حتى في بعض مجتمعات التقدم التقني \ التكنولوجي أو بعض تفاصيل بناها الهيكلية…

ألا نجد قسماً كبيراً من الغيتوات المنتمية لجاليات في عزلة تمد جسورها إلى منابع التخلف وتعزف بسلبية مريرة ضد بيئتها المهجرية؟ ألا نجد قسما من التصويت مازال ينتمي بخلفية رؤاه لمرجعيات عنصرية من جهة أو اعتقادية تسطّح الإنسان وتفرغه من عمق التفاعل مع الظواهر وتحليلها وواجبات تغييرها؟

إن تلك الإشارات جد معتادة في مسيرة التاريخ المتنامية باتجاه الوصول إلى النموذج الأفضل تطوراً وتقدماً يترافق مع درجة ما نصل إليه من قدرة تشغيل العقل العلمي ومنهجه واره في صنع الشخصية الفاعلة إيجاباً..

وكإشارة تمثل استنتاجاً مما أردت المرور عليه أنبه على حقيقة تقديم قوى الاستغلال والتخلف في العراق لمجابهة إرادة الشعب في التخلص من أعلى نسبة فساد عالميا من إفرازات نظام الطائفية أقول تقديم أحزاب الطائفية لما يسمونه تكنوقراط كي يُظهروا أنفسهم أنهم يأتون هذه المرة بوجه جديدي ونهج آخر وفي الحقيقة هم يتمظهرون بادعاءات مضللة مازالت تخضع لذات الاتجاه وأن من يقدم نفسه ويسوقون له على أنه تكنوقراط منقذ ليس سوى خزان معلوماتي بمهنة وتخصص بعينهما فيما رؤيته تتفق مع منطق الخرافة ومع شل العقل العلمي ومنهجه وهو لا يخجل من إعلان انتمائه لمشروع الإسلام السياسي الظلامي وطائفيته كما المنتمي لهذا الجناح أو ذاك من أجنحة الطائفية..

إنني أحذر شعبنا وقوى التغيير من خديعة البحث في تكتيكات تمر عبر تحالف مع هذا الطرف أو ذا من باب البحث عن عتبة مرور لبرلمان يكرس إعادة إنتاج منطق الخرافة والدجل ومزيد خراب أكثر من هذا الذي الشعب فيه.. يجب التخلص من أحزاب الطائفية بصبر وبنهج ينتمي للعقل العلمي لا لسفسطة سياسية تشوه المسار وتلوث النزاهة التي اتسمت بها قوى التغيير وتضحياتها السامية النبيلة..

لنكن على وعي بعمق ما يجب أن نحمله فكريا فلسفيا وبآلية تضبط النهج بسلامة اشتغال العقل وبرامجه التي تؤنسن وجودنا وتعيد لنا احترام الذات الوطني الإنساني وتصنع علاقات إنتاج سليمة صحية صائبة يمكنها التقدم بنا واللحاق بركب عالمنا ونظمه المتقدمة..

وإلى لقاء مع تفاعلاتكنّ وتفاعلاتكم كي ننضج معا وسويا مقترحات هذه المعالجات بمحورها المخصوص..

لا تعليقات

اترك رد