احلام الحمير

 

“الحمار حيوان كريم لكونه يمنح اسمه للكثيرين بلا مقابل”

في فرنسا افتتحت أول مدرسة وطنية للحمير.

قال الصديق توما: ” متى ينصف الزمان فأركب فأنا جاهل بسيط أمّا صاحبي فهو جاهل مركّب. فسئل ما الفرق بين الجاهل البسيط والجاهل المركّب؟ فأجاب: “الجاهل البسيط هو من يعلم أنّه جاهل والجاهل المركّب هو من يجهل أنّه جاهل”.

وصورة الواقعة أن مجموعة من الحمير أضرب أحد أحمرتها على الطّعام مدّة من الزّمن حتّى ضعف جسده وتهدّلت أذناه وكاد يموت من الوهن. فأدركه أبوه قلقا يسأله عن سبب ذلك. ما بك يا بني؟ لقد أحضرت لك أفضل أنواع الشّعير وأنت لا تزال رافضا الأكل… ما بك؟ لماذا تفعل ذلك بنفسك؟ هل أزعجك أحد؟ … رفع الحمار الصغير رأسه قائلا: ” نعم يا أبي… إنّهم البشر

اِندهش الحمار الأب وقال له:” وما يهمّ البشر يا بنيّ؟”

فقال له: “إنهم يسخرون منّا نحن معشر الحمير..”

قال وكيف ذلك؟

أجاب: ” ألا تراهم كلّما قام أحدهم بفعل مشين يقولون له حمار.

وكلّما قام أحد أبنائهم برذيلة يقولون له حمار… يصفون أغبياءهم بالحمير ونحن لسنا كذلك؟”

فنحن نعمل دون كلل أو ملل وهم يتقاعسون. لم يعرف الحمار الأب كيف يردّ ولكن سرعان ما حرّك أذنيه يمنة ويسرة ثمّ حاور ابنه محاولا إقناعه بمنطق الحمير…

” انظر يا بني خلق الله معشر البشر وفضّلهم على كثير ممّن خلق و لكنّهم أساؤوا لأنفسهم كثيرا قبل أن يتوجّهوا لنا معشر الحمير بالإساءة، فانظر مثلا هل رأيت حمارا خلال عمرك كلّه يسرق مال أخيه أو ينهب طعامه؟

و هل رأيت حمارا يكنز الشّعير بينما غيره جائع! و هل رأيت حمارا يشتكي على أحد من أبناء جنسه و هل رأيت حمارا يعذّب بقية الحمير، لا لشيء إلا لأنّه أضعف منهم و هل رأيت حمارا عنصريا يعامل أبناء جنسه بعنصريّة اللون و اللغة و الجنس؟ و هل رأيت حمارا عميلا يتآمر ضدّ حمير بلاده؟ و هل رأيت حمارا لا يشبع من القتل و الدّماء أو يزهق الأرواح من أجل منصب أو كرسي حكم؟

نحن معشر الحمير نعرف من نحن؟ و لكن البشر لم يعرفوا الحكمة من خلقهم و تفضيلهم على سائر المخلوقات لذلك أطلب منك يا ولدي أن تحكّم عقلك الحماري و ترفع رأسي و رأس أمّك و تبقى كعهدي بك حمارا ابن حمار

يكفينا فخرا أننا حمير.. لا نكذب و لا نسرق و لا نغتب و لا نشتم و لا نرقص فرحا و بيننا شهيد أو جريح

أعجب الحمار بكلام أبيه فقام يلتهم الشعير قائلا سأبقى كما عهدتني يا أبي حمارا ابن حمار ثم أكون ترابا و لا أدخل النار.

حمارنا يا سادة يتصدّر اليوم المجالس و يذعن للحياة .. جميل يربطة عنق أنيقة يزرع شعرا مكان صلعته المكشوفة و يفرّ بعد العصر إلى مقهى منير ليشرب كأس عصير حالما بالفوز بمليار في برنامج الكبار و نادي القمار.

الحياة حلم داخل حلم كما يقول “ألان بو” فما أشدّ قلق المرء حين يكون حلمه الوحيد هو أن يبقى على قيد الحياة و قيد الأمل…. لشدّ ما يقلقني أن أنتظر الأجل.

لا شيء يعكّر صفوي إلا ذلك الحلم الذي يخفق بخاطري حين إكتشفت هشاشتي و أقمت بين شقوق الدولة في متاهة مجتمع عانس بائس معوق و معاق و يبحث عن بائعات هوى في الافتراضي لكيلا يسدّد لهنّ ديونه من ميزانية دولة عاجزة، وسط الغيوم يحاصره وجه فتاة شقراء تغازله و تناديه بأحبّ الأسماء لديه فيأخذ الكاميرا ليلتقط لها صورا من كل ركن تشاء ثم يتركها و يغادر.. لم تفهم و لم يفهم لعله اِنطفأت فيه شعلة الذّكاء!

قال أصغرهم أنا حمار أعشق النساء… قال كبيرهم نحن البغال و الحمير لم نعد في هذا البلد نركب و نحمل الأسفار بل صرنا نتسيّد و نتزيّن و نتمتّع بحضانة برلمانية بعد أن كانت لحومنا تباع في الأسواق. قال أوسطهم” أحلم بأن أكون رئيسا أو وزيرا لإنعاش الاقتصاد و السياحة فيأتي السيّاح يتفرّجون علينا و ننشئ وزارة للحمير…

تظاهرت بعدم الفهم فأنا إن تحمل عليّ ألهث و إن تتركني ألهث فقط أحاول من المال العام أن أسبح، و أتوغّل في مفاصل الدولة العميقة لأزور البلدان الشقيقة و الصّديقة.

نحن أحمرة هذا الزمان نلتقط اللحظة المختلسة… نملك، هواتف جوّالة نلاعبها و تلاعبنا و تأخذنا إلى آخر مدى من عمرنا المسروق و ذهبنا الأصفر نستورده من الخارج و نقتسم مع كلاب الحراسة الغنائم و المرابيح…

بماذا سنحلم نحن الحمير؟

نحلم بحفنة شعير… بذراع برسيم… بأتان لعوب طروب و نجلس على مقعد وثير و نقتلع من أنفسنا الضمير.

أخذنا صورة “سيلفي” لنبدأ في التّنبير…

و بفضل الأحمرة العرجاء ستتراكم علينا الأموال السوداء و بيع الأهواء.

يغيّر حمارنا الأكبر مشيته… لم يعد يضرب الأرض بقدميه بل صارت له صفائح شبيهة بالحذاء، و خفيفة تحميه من برد الشّتاء و التحق بحصص في التدليك على يد فاتنة حسناء.

ينتشي بالمتعة و النشوة و يكثر من الحمد و التّبريك و يمضى خفيفا كالدّيك.

حين يسود منطق المقايضة يأتي الوعد الكذوب و نصدّق الكيكذوب الذي يسعِدُنَا بالعسل من مؤخّرة الدّبّور….

ضاع كل شيء و سقطت خديجة و صرنا بقرا في انتظار الحلاّب ليمتصّ منّا آخر ما تبقّى من حشفة حلماتنا قبل أن يبلغ الفطام لنا صبيّا.

حاكمنا الموقّر ينتظر عودة المال المنهوب ليزيد تدفقّ الدّماء إلي القلوب، و لكنّ الوعد عرقوب فتمتّع بجهلك قليلا… إنّك جحش فلا تستمرّ بالجحشنة إذ كانت السلطة تجمّد العقول الفارغة و تحنّطها بمشهد رياضي أو نكتة تفوه من فم بليد…

أنا أفكّر إذن أنا موجود… و من قال لك يا ديكارت أنني موجود؟ إنّ ما يشغل حميرنا هو ما تحلم به القطط في مواسم الإخصاب فلو قرأوا يوما كتابا واحدا أو نظروا إلى ذاكرتهم لصاروا يكلّمون أنفسهم ولا زداد ضراطهم.

و لو نظر القرد إلى مؤخرته لما رقص طربا. فما تنتظر من شعب لا يطلب كل شيء بالحلال إلا اللحم و لا يطلب شيئا شرعيا من شراب غير الخمر.

شعب كيكذوب هيكذوب يقعقع في نوادي الصور الشمسية و التلفزية و لا يبالي مثل أيّ عاهرة لا تتوب.

لقد اِنتقلنا من مرحلة الشعب يحكم نفسه إلى مرحلة الشعب ينكح نفسه… فهنيئا لنا بالديمقراطية و هنيئا لكم بحكومة تتيه كالخزعبل في لهو الكلام ليس لها عنوان و مازالت تحدّثك عن فوائد الصّيام.

لا تعليقات

اترك رد