استاذ الاجيال الدكتور سامي عبد الحميد


 

ذاكرة متوقدة وصوت يجلجل وابتسامة مضيئة وكأنه ابن الثلاثين, لا يرافقه سوى عكّاز ينوي التخلّص منه ,لان العكّاز ليس بسبب الكبر لاسامح الله بل هو اثر حادث سيارة في الاردن ادّى الى كسر في ساقه ..,الثلاثاء في قاعة الجواهري الساعة الثانية وصل قبل جميع من جاء للاحتفاء به لانه تعوّد على الالتزام في المواعيد ,كان هذا تكملة لدروسه الماضية ,جلس مبتسما في يده كيس لانعرف مافيه ,طلبنا لها الطعام فضحك وأخرج سندويشا بسيطا من الكيس : قال هذا طعامي اتيت به من البيت .. .هل اتيت من البيت استاذنا ؟ :لا كانت عندي بروفة في المسرح الوطني لمسرحية ارامل حاولت اخراجها عام 2013 لبغداد عاصمة الثقافة لكن ذلك لم يتحقق والان حانت الفرصة لذلك .اي امر هذا !

رجل تجاوز التسعين من العمر ولديه كل هذا الطموح والحب والتفاؤل . سؤال :ماذا تتمنى استاذنا الفاضل؟ جواب :ان يمد الله في عمري كي اعمل واحقق ماأنوي عمله .هذا هو الشاب سامي عبد الحميد الذي يتهيأ للاحتفاء به من اتحاد الاذاعيين والتلفزيونيين بمناسبة بلوغه التسعين من العمر ..توقعنا انه سيجلس صامتا يستمع للمتكلمين لكنه تكلم ساعتين ونحن نستمع منبهرين به وهو يسرد ذكرياته حينما كان في المتوسطة ويذكر زملائه بأسمائهم الثلاثية . كان حقيقيا وصريحا وحينما طلب منه الدكتور صالح الصحن ان يمثل لنا مقطع من عمل ما ,صمت قليلا ثم تغيّر لونه وشكله ..

عيناه ,فمه ,جلسته وترجّل حوار من اغنية التم على ماأظن ..الله ماأحلى ملامحه وأبهاها ,بلحظة تم الغاء سامي عبد الحميد واستحداث شخصية جديدة لها ملامحها وشكلها وكلماتها وتعابيرها وحينها اقتنعت انرفض سامي عبد الحميد لمصطلح مسرح الصورة كان له فيه حق لكن هذا لايصح الا مع امثاله ,مع من يصنع من الحوار بلاغة قد تتفوق على تعابيرها الصورية, وفي هذا مخاطرة ومجازفة عظيمة لان العظماء لايوجدون دائما ,وسامي عبد الحميد قد لايتكرر ..

الملك لير مات لكن سامي حيّا قويّا طويل العمر ان شاء الله ,صنع مجدا لايضاهيه مجد ,وحينما مثّل لير في مسرحية شكسبير من اخراج صلاح القصب كان كمايريد شكسبير بالضبط وكما يريد سامي وغير مايريد القصب لان مافي داخل سامي لشكسبير لايستطيع حتى شكسبير نفسه ان يغيره لذا فانه لم يستمع لاية ملاحظة من القصب ,والقصب لم يعطيه ملاحظة وبهذا فلقد تخلص من سلطة مخرج الصورة التي تخص الاخرين من ممثلي المسرحية, أما هو فبلاغة الكلمة تكتمل معه من الشكل والتعبير واللغة الجسدية التي يجيدها سامي الذي تربى وتركّزت عنده ملامح المسرح الحقيقية من خلال حبه وفهمه واستيعابه لالكسندر دين ..

مازال يتلفض المفردة وكأنها خارجة من فلترة بتقنية مذهلة وقد مرّت في مراحل تكبير يغطيها عسل ملكي يغري القلب والاذنين معا ..ثم تتساءل من هذا الشخص حينما لايكونلير الشكسبيري ؟هل ممكن ان يكون مرزوك ابو عطية العربنجي كما شاهدناه في مسلسل الذئب والنسر وعيون المدينة اخراج ابراهيم عبد الجليل ؟..الجواب لا حتما لانه سامي عبد الحميد الذي يغير جلده واسمه ولغته التعبيرية مع كل شخصية يصطادها هو فيكون هي الشخصية بعينها وباجمل صورة وابلغها .ادائه يختلف في المسرح والتلفزيون والسينما ,فنجده في المسرح قليل في تحريك رأسه وشفتيه ورأسه يتقدم قليلا على جسده وتطول شفتيه وتصغر عينيه ويحمرّ لا خجلا بل توقّدا وتفاعلا مع الحوار الذي يحترمه جيدا ويحسن التعامل معه تعبيريّا لا لفظيّا مجرّدا ..أما في السينما فاننا نراه وكأنه يرمي الحوار في خانة الصورة التي يمنحها فرصتها في التعبير عن جزء كبير من المفهوم بفعل لغة هذا الوسيط التي تعتمد الصورة ومفاصلها قبل كل شيء .وفي التلفزيون جنح الى استحضار اسلوب جديد له على الاقل وهو البساطة في التعبير وعدم اجهاد نفسه على افعالمشتركة يمكنها ان تبني من خلال الاشتراك في رسم بنية المشهد الذي يتعامل مع جمهور خاص وتلقي له خواصه وخصوصياته وقد ظهر هذا جليا في مسلسلي الذئب والنسر .

واذا تحدّثنا عن سامي عبد الحميد كمخرج مسرحي فان ذلك يطول ويطول لكن الاسلوبالغالب في اعماله هو اهتمامه بالجانب الفلسفي الذي يخص الحدث الاساسي كونه يعتمد في اغلب المسرحيات التي اخرجها على المسرحيات التي تبنى حول فكرة قويّة مثيرة للجدل ,وهذا الجدليتطلب حوارا بليغا من قبل جهتين ستتغلب احدها على الاخرى ولو انذلك قد يتغير احيانا في مسرحيات شكسبير الذي تعامل مع الكثير منها لكن تعامله كان يستجيب للقيم والنوازع التي تسكن ذات المخرج سامي عبد الحميد ,فهو حينما يقوم باخراج هاملت فأنه يحولها الىهاملت عربيا ,وحتى مع مسرحية عطيل فانه يضع لها مفهوما اخرويسحبها الى منطقة تعبيرية ينوي من خلاله طرح مفهوم ينتمي له على ان لايتجاوز المفهوم الاساسي كثيرا .تمرّس سامي وتدرّب كثيرا على روح المسرح الشكسبيري وحلّله الى عناصره الاولية واشتغل على مااستنتجه هو في كتبه وبحوثه الكثيرة فهو ينظّر فيها لما يراه واقعا مسرحيا يضيف حيوات للبناء ولا تنتقص منه .وحتى حينما اخرج مسرحية (انتيغوني )فانه اختار النص الذي كتبه (جان انوي )وليس سوفوكليس لانه يرى في هذا النص مساحة مضافة من التجديد تمنحةفسحة من الحرية التي تساعده في بث القيم المضافة اخراجيا وتقنيا كان ذلك في عام 1966 .وهذا نفسه الذي سحبه نحو مسرحية (غربة )التي تتحدث عن رحلة القهر والتعب والتعذيب للفنان حسن السوداني في طريق هجرته الى السويد لكنه حينما يجد نفسه في شخصية فانه يترك الاخراج ليتفرغ لحياة الممثل لذا نراه ترك الاخراج لتلميذه كريم خنجر ليشترك في الرحلة وهو بعمر الثانية والثمانين .

ولد سامي عبد الحميد عام 1928 في مدينة السماوة وتنقل في محافظات الجنوب ومدنها .مثّل وهو طالب في المتوسطة والاعدادية في المسرح المدرسي ودخل كلية الحقوق وهناك التقي بالفنان يوسف العاني الذي كان يجمع حوله محبي المسرح في فرقة جبر الخواطر و حاول سامي انينافسه هو ومن معه فاستدعو المخرج ابراهيم جلال كي يخرج لهم مسرحية (تاجر البندقية ) .شجعه ابراهيم جلال لدخول معهد الفنون الجميلة وتدرّج في الدراسة فحصل على دبلوم من الاكاديمية الملكية لفنون الدراما في لندن وماجستير في العلوم المسرحية من جامعة اورغون في الولايات المتحدة .

الّف كتب بعظها منهجي, منها فن التمثيل ,فن الاخراج ,وترجم العناصر الاساسية لاخراج المسرحية لالكسندر دين ,وتصميم الحركة لاكسفورد,والمكان الخالي لبروك .كتب عشرات البحوث من اهمها :(الملامح العربية في مسرح شكسبير )الذي طوّره وتحوّل الى اطروحة دكتوراه نالها عام 2004 من كلية الفنون .وله بحث (السبيل لايجاد مسرح عربي متميز) ,و(العربية الفصحى والعرض المسرحي )و(صدى الاتجاهات المعاصرة في المسرح العربي ) .شارك في مهرجانات عديدة منها :قرطاج,ربيع المسرح المغربي ,المسرح الاردني ,كونفرسانو في ايطاليا ,جامعات الخليج العربي ,ايام الشارقة المسرحية .نال جوائز عديدة منها جائزة التتويج من مهرجان قرطاج ,وسام الثقافة التونسي من رئيس تونس ,جائزة الابداع من وزارة الثقافة العراقية ,افضل ممثل في مهرجان بغداد للمسرح العربي الاول .

أخرج للمسرح اعمال كثيرة منها (ثورة الزنج ,ملحمة كلكامش ,بيت برنارد البا,المفتاح ,في انتظار كودو,الزنوج ,القرد كثيف الشعر ).وفي السينما مثّل في افلام (من المسؤول اخراج عبد الجبار ولي عام 1965 ,وفيلم نبو خذ نصر اخراجكامل العزاوي عام 1962 ,وفيلم المنعطف اخراج جعفر على عام 1975 ,وفيلم الاسوار عام 1979 وفيلم المسألة الكبرى عام 1982 ,والفارس والجبل 1987 من اخراج محمد شكري جميل ,وكرنتينا اخراج عدي رشيد ) ومثل في مسرحيات (النخله والجيران ,بغداد الازل بين الجد والهزل اخراج قاسم محمد ,والانسان الطيب اخراج عوني كرومي ,وانسو هيروسترات ,قمر من ادم اخراج فاضل خليل,مسرحية روميو وجوليت في بغداد اخراج مناضل داوود ) .له ايضا كتاب (التمثيل بين التقمص والتشبيه) .واشترك في تمثيل بعض المسلسلات منها (فوبيابغداد).عملت عنه الفنانة المخرجة خيرية المنصور فيلما من خمسة اجزاء لحساب قناة النهرين وقد زودها بارشيف كبير فوتوغرافي وفيديوي اضاف للفيلم الطويل جمال وبلاغة وواقعية كبيرة .

لا تعليقات

اترك رد