ثلاث قصص قصيرة


 

لا شيء في مكانه هنا!
يعلق الليل معطفه الأخضر على مشجبي، يستعير معطفي باهت الألوان، يسير على الأرصفة، يتجه إلى الحانة، في تلك اللحظة كنت أقف متسمراً أتامل ظل منفضة السجائر يبدو في غير مكانه ويلهو مع موجات الضوء رغم ضجيج توافد قطرات الندى وفوضى الصمت، في هذه اللحظة يأتي صوت ما من تحت المنضدة..لا ربما من خزانة الملابس يشبه قهقهات دخان سيجارة عشيقتي التي تركتها قبل لحظات، لا بل قبل سنوات..لكن لماذا عقارب الساعة هي الأخرى غادرت، لا شيء في مكانه هنا!

حالة
يرتعش كأس الماء الموضوع على الطاولة الصغيرة قرب سريرها، تتوقف عقارب الساعة عند الثالثة وثلاث دقائق وثلاث ثواني صباحاً، يتسلل ضوء صامت، يسير بخطوات هادئة ليلامس وجهها، تنهض مفزوعة، آنفاسها تركض، نظراتها مشتتة، لا تقوى على الصراخ، ينحت الفزع على وجهها تقاسيم يصعب رسمه، تحاول التماسك والسيطرة على رعشة جسدها، تنجح بصعوبة رفع رأسها، ثم رفع نصف جسدها العلوي شبه العاري.
تمد يدها إلى الكأس، تتمكن منه، هو في يدها الآن، ترفعه، تأخذ رشفة واحدة، ينسكب بعض الماء على صدرها، تشعر ببعض الراحة، تتمكن من قيادة جسدها، تظل محتفظة بالكأس، تتمكن من النهوض ومغادرة السرير.
شميز النوم القصير الأبيض لا يمنع هذا الجسد الصارخ بأنوثة ساحرة من التحرك.
تسير خطوات حذرة، تقف أمام الحائط، تظل متسمرة للحظات، تقترب أكثر، يلتصق وجهها بالحائط، تهذي بصوت خافت وغير مفهوم، تتحرك، تضع أذنها لتسمع صوتا ما، يهتز جسدها الملتصق بالحائط، شهيق..زفير، تهبط لتجلس، تحرك رأسها، تتغير ملامح وجهها لتعكس شعوراً باللذة، ترفع الكأس إلى فمها، تشرب بقية الماء، تمسح شفتها السفلى بطرف شميزها..تبتسم.

طقوس
يتأمل غصن الشجرة المرتعش، يسحب نفساً من سيجارته، يحبسه لثوان ثم يطلقه في الفضاء، يقف أمام نافذته التي تطل على هذه الشجرة العجوز، هذا الفعل الصباحي بمثابة طقس شبه مقدس وصلاة خاصة.
لم يغسل وجهه أو يمشط شعره، بيده فنجان قهوته وفي الأخرى سيجارته، تتراكم حوله وأمامه كتلات من الصمت، يكمل هذه الشعائر، الآن يُحسّ بالبرد، يغمس جسد عقب سيجارته، يلقي نظرة أخيرة للغصن، يُغلق النافذة، هنا تسرع نحلة مجهولة الهوية نحو النافذة، تصتدم بها، وشوشة ما لا يفهمها، يظل متسمراً للحظات، تحوم النحلة بالضفة الأخرى، تتراجع للخلف ثم تعود تكرر نفس الفعل، يحسٌُ هو أنها تحمل له رسالة ما، يتٱمل فعلها ومحاولاتها الدخول، يقرر فتح النافذة، يدها على المقبض..النافذة مفتوحة الآن..النحلة تتراجع إلى الخلف، تحوم، تسارع إلى الفضاء تاركة المشهد.

المقال السابقلماذا الإنسانية رتبة وليست دين ؟
المقال التالىمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد