لماذا الإنسانية رتبة وليست دين ؟

 

في مواجهة التطرف والإرهاب والعنف ذو الطابع الإسلامي، وفي مواجهة حالات الحروب والصراعات والثورات العربية المستمرة منها والموؤودة، تردد الي الأسماع وكتب العديد من المثقفين عن وحول مفهوم ومصطلح الإنسانية كتوق عام الي التعالي بالنفس البشرية وإبعادها عن كل ما من شأنه أن ينمي مظاهر ونزعات التعصب والطائفية ومنظر الدماء والمهجرين واللاجئين. فما نتعايش معه نحن كشعوب عربية أصبح ثقيلا وكئيبا ويشكل لنا هاجسا وخوفا وتراجعا عن الحياة والأمل والحب، حتى طغت الأنانية والتعصب والفساد على غالبية أفعالنا وسلوكياتنا وحتى أحلامنا، سواء في تعاملنا مع بعضنا البعض أو مع الآخر المختلف. فلم يبقى لنا مكانا آمنا سوى تحت الأرض، فلم نعد نثق بالحروب القادمة على أراضينا.!! فكيف سيكون شكلها؟! والي متى سوف تستمر؟!! وكم عدد القتلى فيها من أطفالنا ونساؤنا وأصدقاؤنا؟!! فالوطن العربي بطوله وعرضه أصبح مستباحا ومنتهكا وقاصرا بل وعاجزا عن الدفاع عن نفسه. فمن يسكن القصور هم مجرد أدوات خارجية، ومن ينفذ السياسات الداخلية والخارجية ليسوا سوى أتباع متمصلحون من بقاء الوضع كما هو غارقا بالفساد والتخلف ، ومن يرفع الشعارات الدينية والوطنية والقومية ليسوا سوى البديل الأسوأ للسيئ الذي يحكمنا.

فماهي تلك الإنسانية التي يتردد حولها وعنها الكثير؟..ولماذا نرنو ونصبو اليها الآن ونطلبها بشدة وندعو بأن تكون الخلاص لما أصابنا ويصيبنا من عهر وجهل وتخلف بعد أن تمسكنا عقودا طويلة بشعارات القومية والعروبة والإسلام والطائفة ولم نحقق معهما سوى التراجع وتوقف التنمية والدمار المجتمعي ونحيب الثكالى والموت على قارعة الطرق ؟؟..وكيف نستطيع أن نجعلها ذات أفق عام وهدف تعليمي وبعد سياسي وعلائقي ومستقبلي؟..

لقد ظهر مصطلح الإنسانية منذ عصر النهضة الأوروبية كردة فعل على المذاهب الدينية التي أنكرت الذات الإنسانية، إلا أنه يعود في جذره الي العصور اليونانية القديمة ولا سيما في زمن أفلاطون وسقراط، حيث كانت نزعات الأنسنة والفردية في بداياتهما. وترتكز الفلسفة الإنسانية على النظرة الي الإنسان كغاية وقيمة في حد ذاته، وأنه محور الاهتمام والرعاية

بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى تتعلق بالدين أو الجنس أو العرق أو اللغة. فالإنسانية خيار يقوم على رابطة الأخوة بين أفراد البشر جميعا كمنطلق للتعامل والتعايش. فالإنسان جزء من هذا الكون الذي نعيش عليه، وهو أيضا من نتاج طبيعة واحدة لا تتجزأ يحمل بداخلها الإنسان الخير والشر والجمال والسلام والسعادة بشكل متفاوت بحسب التربية والتعليم والثقافة والمعرفة والدين.

وقد مرت الفلسفة الإنسانية بمراحل عديدة وتفسيرات وتأويلات مختلفة كان طابعها العام هو الإنسان، إلا أنها أختلفت في الأسس الفلسفية ، وهذا أمر طبيعي نظرا لتراكم المعرفة وإضافات الفلاسفة المحدثين. إلا أنه ومنذ القرن العشرين أصبحت النزعة الإنسانية أشد وضوحا وأشمل فهما، بعد أن قدمت الثورة المعرفية جانبا مهما في ترقية الطبيعة الإنسانية والإهتمام بالتفكير الإنساني وتفاعله مع البيئة، وإعطاء الإنسان قدرة على تحقيق ذاته وحل مشكلاته، والتعاون مع الآخرين لتحقيق حياة أفضل لبنى البشر في إطار عام من مضامين ومواثيق حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية والمساواة.

وهنا يمكننا القول باختصار لتعريف الإنسانية وربطها بعنوان المقال، بأن الإنسانية هي تأسيس العلاقات البشرية بناءا على المساواة الإنسانية دون تمييز. وتتحقق الوحدة الإنسانية بناء على وحدة الجوهر الإنساني وهي الوحدة الفطرية التي يحملها كل إنسان مثل امتلاك العقل وما يتصل به من أحكام وتواصل واتباع قيم الحق والإبتعاد عن الشر والحض على الخير والسلام. فحين يتحرر الإنسان من أنانيته المفرطة ويبتعد عن إنتماءاته الهامشية التي تشكل حاجزا يمنعه من التعايش مع الآخر المختلف، فهنا يكون أكثر قدرة على تحقيق السلام الداخلي لنفسه وتاليا لمن يتعامل معهم أو يلتقي بهم.

فمن هو الإنسان الإنساني؟..وهل يختلف مثلا عن الإنسان المؤمن وخصوصا في الإسلام؟..في الواقع قدمت الأديان وخصوصا الإسلام تعاليم تحض على التعارف وتحقيق الأخوة بين البشر، وهذا أمر جميل ومحمود. ولكن ما مدى حقيقة هذا الأمر؟..وهل فعلا تؤمن الأديان بالإنسانية بغض النظر عن دين الإنسان أو لا تدينه بالمره؟.

هنا يقع الخلاف والإختلاف بين مفاهيم الدعوات الدينية التي تحض على دعم الجماعة وممارسة الأخوة الدينية بين وحدة المؤمنين وتنفيها بتاتا عن الآخر المختلف باعتباره شيئا أو بشرا لم يرتقوا الي مصاف النخبة المختارة المؤمنة. وهذا الأمر يتضح بشكل جلي في توصيفات الأديان للمختلفين عنهم بالكفار والمشركين والمذنبين والعصاة وغيرها من الصفات المذمومة. ويحمل الفكر الإسلامي والفقه التراثي عبارات وأحاديث وفتاوي أشد انتقائية في وصف المخالفين وعدم قبول فئات من الناس لمجرد انهم ملحدين أو مثليين أو حتى مفكرين يريدون تجاوز أو نقد المقدسات الدينية، لتصبح الإنسانية والأخوة بين الناس معدومة بل وأشد من ذلك حيث يصبح هذا الفرد المخالف مستباح الحقوق ومهدور الدم والكرامة والحياة. ونشاهد ذلك بالتفصيل في الدول العربية والإسلامية جميعها، حيث لا تزال تعيش تخلفا حقوقيا بغيضا، إذ أنها تقوم بمصادرة أحد الحقوق الأساسية للإنسان، وهو حق عدم التدين، ومنعه من حق إبداء الرأي والتعبير.

وهنا يمكننا أن نقول، أن التصور الديني للإنسان وبالتالي للإنسانية يتأسس على الإيمان بفكرة “وجود الله”، والقول بأن لهذا الكون خالقا يتصف بصفات الكمال والقدرة المطلقة، هذه الفكرة مركزية في قيام الاجتماع البشري، وهي النواة التي تتأسس عليها ماهية الإنسان بحسب التصور الديني. بينما الإنسانية في المفهوم الحداثي تقوم على الإنسان ذاته وطبيعته وعقلانيته واندماجه مع الأنا الآخر كوحدة كاملة لا تفرقهما أي توصيفات دينية أو عرقية أو جنسية. فالإنتماء الإنساني، يصل بالإنسان الي قمة اكتمال انتمائه العالمي الذي ينسجم مع قيم الخير والتعايش والمحبة، ومع تفكير كل عقل حر، ومع مصلحة أي إنسان في العالم ورغبته بأن يسود السلام والأمن للجميع.

إن الإنسانية رتبة وليست دين، يصل إليها الفرد بعد أن يتجاوز عن أنانيته، وبعد أن ينصهر مع الآخر المختلف، وبعد أن يقبل المختلف عنه في التفكير والدين والميول الجنسية والفكرية ، فليس كل مؤمن بالضرورة إنساني. فالعلاقات الإنسانية هي العلاقة الوحيدة الصالحة للتعامل بين الإنسان والإنسان، على أسس إنسانية تضمن المساواة الإنسانية في القيمة الإنسانية وفي الكرامة الإنسانية وفي الحقوق الإنسانية بين جميع البشر بدون أي تفرقة وتمييز وإقصاء.

لا تعليقات

اترك رد