ملامح التجديد في شعر الفترة الراكدة (( المظلمة ))


 

كان الزنكيون والأيوبيون قد تولوا عبئ الصراع مع الفرنجة و المماليك قد تولوا عبئ الدفاع عن البلاد ومنازلة المغول ، وقد استطاع الملك المملوكي قطز أن يقضي على المغول ويردّ زحفهم بعد احتلالهم حلب وحماة ودمشق ،وقد قام الامير ( قطز ) بقتل رسل المغول الذين جاؤوا يدعونه إلى الاستسلام ، وكانت ( عين جالوت )المعركة الحاسمة إذ اعتبرت من أهم معارك المسلمين في ذلك الزمن ، مثلها مثل معركة اليرموك و القادسية والزلاقة ، ومن الشعراء الذين ارخوا لتلك الفترة الشاعر شرف الدين الأنصاري في مدح المنصور الثاني:

جرّدت يوم الأربعاء عزيمة
                     خفيتر عواقبها عن الإدراك

وأقمت في يوم الخميس مبالغاً
                     في الجمع بين طوائف الأتراك

قعّدت أبطال التتار بصولةٍ
                     تركهم كالصّيد في الأشراك

وقد فتح المماليك بعد الظاهر بيبرس بزعامة المنصور ( قلاوون) طرابلس الشام، وبناها من جديد بعد أن خربها التتار وفتحت (عكا ) من قبل الأشرف (خليل ابن منصور قلاوون) .

ولمّا هاجم الفرنجة مدينة (الاسكندرية ) عام \767هجرية – 1365 ميلادية أسروا ونهبوا وقتلوا قسماً كبيراً منها، رثى شهاب الدين ابن مجلة هذا الثغر قائلاً:

أتاها من الإفرنج ستون مركباً
                     وضاقت بها العربان في البرّ والبحر

أتوا نحوها هجماً على حين غفلة
                     وباعهم في الحرب يصر عن فتر

وقد صور شعر الحماسة الأحداث العامة في ذلك العصر وعبّر عن الآلام والآمال واتجه نحو التصنع والتلاعب اللفظي، وقد كان شعراء ذلك العصر يشعرون بالغربة في أوطانهم الا أن العواطف في شعر ذلك العصر كانت صادقة بسبب الأحداث الجليلة الجسام

وفي شعرالمديح كانت هناك المدائح النبوية قيلت في مدح الرسول محمد عليه صلى الله عليه وسلم وقد راج سوقها بسبب رجوع الناس الى الدين بسبب سوء احوال البلاد وكثرة مصاعبها . وقد دفعت هذه العوامل الناس إلى الالتصاق بالدين والاستشفاع بالرسول الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم لتفريج الكروب، وقد شجع المماليك اتجاه الاحتفالات الدينية مما جعل هذا اللون من أنشط الألوان الأدبية.

من ذلك ما قاله البوصيري قصيدته المشهورة :

أمن تذكر جيران بذي سلم
                     مرجت دمعاً جرى من مقلة بدم

أم هبّت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ
                     وأومض البرق في الظلماء ومن إضم

وقد حذّر الشاعر في قصيدته من هوى النفس فقال:

النفس كالطفل إن تهمله شبّ على
                     حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فاصرف هواها وحاذر أن توليه
                     إنّ الهوى ما تولّ يصم أو يصم

وكذلك كثر المدح طلباً للعطاء والنوال ولبلوغ المراتب الوظيفية عند السلاطين ولن تقعد معانيه عن الشجاعة والكرم والحكم والعلم، وقد أغار شعراء هذا العصر على معاني غيرهم واستباحوها ورجعوا إلى ظاهرة الوقوف على الأطلال أو الغزل أو وصف الطبيعة. من ذلك قول ابن نباته مادحاً الشهاب محمود الشاعر الذي كان من كبار الإنشاء وكاتب اسرار الملك يقول : :

إمامٌ إذا هزّ اليراع مفاخراً به
                     الدّهر قال الدهر لست هناكا

علوت فأدركت النجوم فصفتها
                     كلاماً ففقت القائلين بذاكا

كذلك كثرمدح الاصدقاء والاقرياء والمعارف وغالباً ما يكون أقرب إلى الصدق وإن كانت المبالغات تغزو معانيه، وتسيطر عليه الصنعة الشعرية و البديعية.

لا تعليقات

اترك رد