فيل


 

يحكى في تراثنا الشعبي أن شاب كان جالسا في الدار و هو حزين. و لما دخلت عليه امه سألته لما هو على هذا الحال، فقال لها أن الرجال في المقهى لا يقدرونه. حينها نصحته و قالت يا بني، يجب عليك ان تجلس في الوسط بين الرجال و تقول كلام كبير.

الابن اخذ بنصيحة امه، و ذهب في اليوم التالي إلى المقهى، ليجلس وسط الرجال و يقول بأعلى صوته “فيل”.

طبعا استهجنه الجالسون الذين اصلا لم يكونوا يقيمون له وزنن و لكنهم ضحكوا بأعلى صوتهم. و انتهى بالشاب بأنه تحول من منبوذ إلى مهرج، ينتظر منه أن يضحك السامعين بكلامه الغير منطقي.

هذه القصة الشعبية، ترويها الأمهات لأبنائهم الشباب لكي يتعلموا آداب الحديث و المجالس.

لكن الواقع لم يتوقف عند هذه العبرة. فنمط التهريج هو السائد. لذا فإننا نرى أن التهريج و السب و القذف هو ما يسمع و يرى، أما الكلام الموزون و الحوار البناء فيبقى يهمس خافتا في احد زوايا النسيان.

لذا فإن اكثر الشخصيات ضحالة و اكثر الأفلام و المقالات سخافتا هي التي تنجح في الاستمرار و الوصول إلى ادراك المتلقي. بينما يبقى الفكر العام عند الأفراد غير متطور و هش.

إن الغلط ليس من ذلك الشاب الأحمق الذي قال “فيل” و إنما من الجالسين الذين تقبلوا “المهرج”، فلو كانوا متنورين لما كان بينهم الشاب المنبوذ الذي تحول الى مهرج.

فنحن الشعوب العربية مررنا بأدوار تدهور مستمر من دون ان نتطور و من دون ان نفهم لماذا نحن متدهورون. و نبقى بيئة حاضنة للتدهور و الانحطاط.

نحن كنا نعزو تدهورنا إلى حكامنا الظلمة، لكن حتى مع زوالهم (كما الحال في العراق و مصر و ليبيا) لم تتحسن احوالنا، لا بل تدهورت في نواحي كثيرة. هنا اريد ان اؤكد باني لست من انصار الظلمة، لكني اريد ان اضع اصبعي على الجرح. إن سبب حالنا المتدهور هو جهلنا بالدرجة الأولى و الأخيرة. فلو كنا متنورين، لما صار حالنا كما هو الآن!

نحن لن نعيش حياتنا بشكل صحيح ما لم نكون متنورين، و هذا الكلام ليس موجه للجمع و انما لكل فرد.

التنوير ليس أن تكون متعلم و لا أن تكون تابع لمجموعة سياسية معينة أو حتى أن تكون مؤمن او غير مؤمن بعقيدة معينة. بل التنوير يتلخص بقدرة الفرد على فتح نوافذ العقل، و هذه هي النقطة الفاصلة بين الفرد الحر القوي و الفرد التابع.

و المجتمع بدوره ليس إلا مجموع الأفراد، فإن كانوا جهلة فسوف يكون مجتمعهم ضعيف، أما إن كانوا متنورين فلن يكون مجتمعهم إلا مجتمع قوي يصمد أمام كل الصعاب.

الحل هنا لن يأتي عن طريق تغيير راديكالي و إن ما نحتاج اليه هو تغيير المنهج لدى الأفراد، و ذلك ليس منوط بفترة زمنية محددة. إن التنوير يبدأ بالفرد، يبدأ عندي و عندك، لينتشر بشكل تلقائي في المجتمع.

نعم سوف يفند هذا الرأي من الكثيرين، فكيف يأتي التغيير بهذه الطريقة السهلة و بمجرد التعامل مع الذات. لكن إن امعنا النظر، فسوف نجد الفرد المستنير هو شخص يتصرف بطريقة غير التي هي معهودة، فيكون حينها فاعل و يتصرف و يبتدع أشياء مفيدة، لتنتشر طريقته الناجحة من فم إلى فم من تلقاء نفسها.

لنبسط المسألة و ننظر إلى الواقع المليء بالمشاكل. ما هو دور الفرد في كل تلك المشاكل؟ نعم سوف يقول الفرد بأنه ضعيف أمام الوضع و النظام العام، لكن هل قام هو فعلا بأي دور تنويري في مجتمعه؟ هل كفل أو تبنى يتيم؟ هل صرف وقته لتعليم الشباب الغير متعلم؟ هل قرأ كتبا و تثقف؟ هل نظف محيط بيته؟ هل زرع شيئا؟ هل إن تعامله في الشارع هو تعامل محترم و خلوق؟ هل رفض اعطاء أو اخذ رشوة؟ هل تعامله مع المختلف هو تعامل حسن؟ هل فكر في انشاء أي مشروع مبتكر؟

و غير كل هذا، هل لديه افكار ناهضة تتماشى مع الحاضر و الواقع الفكري؟

في الواقع لدينا مجتمع متكون من أفراد ليسوا متنورين و ينتظرون أن يأتي الفرج من السماء أو من الأرض أو من أي مكان اخر و لكن ليس من انفسهم.

إني آسف لأقول بأن جواب اكثرنا هو “لا” لأغلب تلك الأسئلة، فكيف لنا اذا أن نكون مجتمع قوي؟ و كيف لنا أن ننهض إن كنا تبعة لأرباب الجهل و الفساد و التقاعس؟ و اكثر من هذا ان نكون نحن جزء من هذا التدهور، فكل واحد منا يطمح لان يعيش كانسان مع إنه يفتقد معنى الإنسانية.

خلاصة الكلام هو أن الحياة الكريمة لا تحول الفرد إلى إنسان. بل إن الفرد الذي يكون مستنير هو ذلك الفرد الذي يكون إنسان، و حينها فقط تتحول الحياة إلى حياة كريمة.

هيا انهض أيها الفرد من سباتك، و افتح نوافذ عقلك ليدخل لها النور من كل مكان و تتحول إلى إنسان بكل معنى الكلمة. حينها فقط سوف تكون تعيش في النعيم.

لا تعليقات

اترك رد