العولمة والحضارة ( ديفيد بوكاي ) -1

 

تدون سجلات التاريخ الإنساني أساسا الصراع بين الحكومات الإستبدادية والقمعية من جهة، والتحرر من الطغيان والتطلع إلى تحقيق الحقوق المدنية من جهة أخرى؛ بين الأنظمة الشمولية والاستبدادية، والديمقراطية الليبرالية. على حد قول فوكوياما، وشهد القرن العشرين العالم الذي هاجمته تشنجات العنف الأيديولوجي في نضال الليبرالية الديمقراطية، أولا ضد بقايا الاستبداد، وبعد ذلك ضد البلشفية والفاشية، التي هددت بأحداث نهاية الحرب الذرية. لكن نهاية القرن شهدت انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية. ولم يكن العالم قد وصل إلى نهاية الأيديولوجية فحسب، بل أيضا إلى نهاية التاريخ، وانتصار الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وهكذا، فإن رؤية مارشال ماكلوهان، في وقت مبكر من عام 1964، فيما يتعلق بالقرية العالمية الثالثة، اتخذت شكلأ ومضمونا مع تعبيرها المنماز عن الإنتشار الهائل للإنترنت والبريد الإلكتروني؛ وهيمنة شبكات الإتصالات والأخبار، وعلى رأسها شبكة (كنن) التي نلتقي من خلالها، في الوقت الحقيقي وبسرعة الأحداث نفسها، أخبار الأحداث في جميع أنحاء العالم؛ ويلتف حولها جمهور واسع من الشباب وعدد كبير من شبكات التلفزيون ومجموعة كبيرة من قنوات البث التي هي تحت تصرف المشاهدين؛ وانتشار كوكا كولا وماكدونالدز في جميع أنحاء العالم، بِعِدِها ظاهرة ثقافية. وعلاوة على ذلك، يجري تقليص الفجوات القائمة بين السياسة الثلاثية، التي تتناول الحرب والسلام والسياسة العالمية، والسياسة الثلاثية التي تتناول القضايا الاجتماعية – الاقتصادية ورفاهية البشر. وأخيرا، المشكلات البشرية المعقدة، مثل البيئة، والغلاف الجوي، والبيئة؛ الأمراض والأوبئة؛ والجريمة، والعنف، والإرهاب؛ والافتقار إلى الأمن فيما يتعلق بالغذاء؛ والأزمات المالية والانهيار الاقتصادي – أصبحت تهديدات عالمية تتطلب تدخل البشرية جمعاء. مِن ثَمَ، هناك ادعاء حول التفاعلات العالمية التي تحدث إمكانية نوعية للتوحيد الثقافي. وهذا هو الأساس للحجة القائلة بأن الحدود الثقافية بين المجتمعات البشرية كانت غير واضحة وأصبحت الثقافات المحلية الآن عرضة للتأثير العميق للثقافة العالمية.

لقد انمازت العولمة ببعدين مهمين: أولا، تقصير المسافات في العالم – التي توقفت عن العمل كحواجز أمام البشر – وقد أدى ذلك إلى مشاركة متبادلة عميقة ومكثفة للناس من جميع الأعراق والثقافات؛ وثانيا، التوسع الهائل في الاتصالات بين الناس مما أثر على تماسكهم التعاوني وتوحيدهم،كما هدفت العولمة إلى تشكيل المستقبل من خلال رؤية العالم ككل وفوق كل شيء، وكان القصد منها أن تغني إشادة العالم في عصر بعد القرن العشرين العنيف ودفن العالم القديم، إيمانا منه بأن التعاون الدولي من شأنه أن يقلل من المعاناة الاجتماعية والاقتصادية، وأن يتغلب على خطر الإرهاب، تحقيقاً لعالم أفضل.

لقد انهارت الإمبريالية، وربما لا تعود أبدا. الاتحاد السوفيتي، الرمز الأخير للإمبراطوريات العالمية، اختفى. ولم تعد هناك حاجة لظاهرة من هذا القبيل، لا من أجل الرفاه الاقتصادي؛ وعدم رفع مكانة الحكومات ووضعها؛ وليس للدفاع العسكري. ولقد برزت العولمة بعد النضال الثنائي القطب في ظل التهديد النووي. وكان ينظر إليه على أنه تغيير مهم من أجل المستقبل، وعرف بأنه ثورة لا رجعة فيها نتيجة لسرعة البرق التي تتحرك في فضائها المعلومات والاتصالات والأشخاص والبضائع من مكان إلى آخر، نتيجة لتسارع انتشار الإبتكارات التكنولوجية في جميع أنحاء العالم. ومن هذا المنطلق، أصبح العالم موحدا ويعمل بشكل واسع بوصفه واحدا، بل ثقافيا كذلك. ومع ذلك، هل هذا هو الوضع الحقيقي؟ إذا وضعنا على الملابس علامات مألوفة، وِعَطَرنا أنفسنا بنفس الروائح، وإذا كان معظمنا يتكلمون نفس اللغة، هي ثقافاتنا مماثلة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يزال هناك عالم أول، عالم ثان، عالم ثالث وحتى رابع؟ في الواقع، أثرت الأسواق الاقتصادية على بعضها بعضاً بشكل متبادل، ولكن لماذا هذا الانقسام بين الشمال والجنوب،وفي الواقع أكثر كثافة؟ ولماذا يصبح الأغنياء أكثر ثراءً، ويصبح الفقراء أكثر فقراَ؟ وإذا وصلت نهاية التاريخ، وانتصرت الديمقراطية ، لماذا لا تزال هناك الكثير من الحروب بين الدول؟ والكثير من الطغاة يهددون بإحداث تدمير للبشرية؟ وإذا أصبحت الحدود الثقافية بين المجتمعات البشرية غير واضحة، فلماذا هناك زيادة في القومية المتعصبة؟ ولماذا تضاعفت الصراعات الإثنية والانتفاضات الانفصالية؟ وإذا كان المثال الديمقراطي هو المحبة للسلام والمنتصر، فلماذا لا تخرج الحروب من العالم؟ وإذا كانت الديمقراطيات تعمل حقا لصالح السلام، ولا توجد صراعات عسكرية بينها، فلماذا تشارك في حروب كثيرة ضد دول أخرى غير ديمقراطية؟ هل هو فقط من أجل العدالة والحرية؟ وإذا كانت اللغة الإنجليزية منتصرة، والجميع يستعملها، لماذا لا تزال هناك فجوات اقتصادية واجتماعية عميقة بين الدول والشعوب؟ ولماذا كان هنتنغتون محقا في تحليله ؟

ففي عام 1993، أثار (هنتغتون جدلاً كبيراً في أوساط منظري السياسة الدولية بكتابته مقالاً بعنوان صراع الحضارات في مجلة فورين آفيرز، وهي كانت رداً مباشراً على إطروحة تلميذه فرانسيس فوكوياما المعنونة نهاية التاريخ والإنسان الأخير. جادل فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ والإنسان الأخير بأنه وبنهاية الحرب الباردة، ستكون الديمقراطية الليبرالية الشكل الغالب على الأنظمة حول العالم. هنتغتون من جانبه عَدَها نظرة قاصرة، وجادل بأن صراعات مابعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية وإختلافاتها السياسية والإقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة. توسع هنتغتون في مقالته وألف كتاباً بعنوان صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي جادل فيه بأنه وخلال الحرب الباردة، كان النزاع آيديولوجياً بين الرأسمالية والشيوعية ولكن النزاع القادم سيتخذ شكلاً مختلفاً ويكون بين (حضارات محتملة ). وفي باب مناقشة واقع الثقافة العربية – الاسلامية فأن الواقع العالمي بعيد عن رؤية العولمة المتفائلة، ومن المشكوك فيه ما إذا كانت الحدود الثقافية غير واضحة، بل يبدو أنها اتسعت. لم يختفي العداء والحقد والعنف والمخاطر العالمية. ولم تتقارب المصالح الوطنية فحسب، بل حضرت جزئيا الحضارة الكونفوشيوسية والحضارة الهندوسية والحضارة السلافية الأرثوذكسية. هنتنغتون عد العديد من الحضارات المتميزة: الحضارة الغربية، الحضارة الأمريكية اليابانية، الحضارة الإسلامية، وربما الحضارة الأفريقية. هم جميعا اليوم في مواجهة حادة جدا مع الإسلام والعرب، التي تتشابك ثقافتها وتتشابك معا، والتي حدودها حدود الدم.

أن نهج نهاية التاريخ والعولمة التي جاءت في أعقابها وتكاملت معها، تقوم على تصورين ليسا بالضرورة دقيقين: أولا، الدولة عفا عليها الزمن بِعَدِها محور التركيز الرئيس، معلقة كلاعب في النظام الدولي، وهل تفقد قوتها وسيطرتها السيادية؟ وصعود دولاً جديدة بدلا من الإمبراطورية السوفياتية المنهارة، والكثير من الصراعات الوطنية، ودُحِضَ هذا الإدعاء. وحتى مهامه ونشاطه اليوم التي لا تُظهِر تماما علامات الأزمة تماما . وثانيا، هل أدى النمو في أهمية القوى الاقتصادية العابرة للحدود والجهات عبر الوطنية إلى تقليص أهمية الصراعات بين الدول على الأراضي؟ وهل حلت الجغرافيا الإقتصادية محل السياسة الجغرافية؟ إن العنف القائم على مستوى عال من الشدة في جميع أنحاء المعمورة، ولا سيما في دول العالم الثالث ودول الاتحاد السوفياتي السابق، والنشاط الإرهابي للإسلام الأصولي ضد معظم الحضارات(على حد رأي الكاتب)، دليل على أن واقع العولمة ما زال يمثل رؤية في الوقت الحاضر. في الواقع، كل من هو في خضم التغيير الثوري، وينظر اليه فقط من باب أهميته ونطاقه. ومع ذلك، فمن المشكوك فيه ما إذا كان العالم في بداية القرن الحادي والعشرين أكثر استقرارا وأكثر هدوءا. ولن يكون بالضرورة أن يكون موجودا دون عنف الحروب والإرهاب. وطوال القرن العشرين، كانت هناك موجات عديدة من الرأي العلمي تشير إلى أن الدولة تخسر دورها بسبب التهديد النووي الكلي بسبب ارتفاع اللاعبين عبر الوطنيين المؤثرين، نتيجة للعولمة. غير أن الدولة كانت، من الناحية العملية، هي الإطار الأكثر وضوحا، وما زال من المشكوك فيه جدا ما إذا كانت ستظهر قوة ستزيلها من مكانها المركزي وتحتل مكانها في النظام الدولي. في الواقع، فإن معظم الولايات هي مجتمعات متعددة الجنسيات حيث الولاء للمجتمع الإثني له الأسبقية على الولاء للدولة. لكن حتى في هذه الحالات، فمن المشكوك فيه ما إذا كانت هذه الدول سوف تنهار في وحدات صغيرة دون القدرة على حماية سيادتها. وستستمر الدولة في الوجود أيضا، لأن النظام الدولي يعزز الوضع القائم على أرض الواقع، ويخشى التغيرات الهيكلية التي قد تسبب الفوضى والتفكك. وتعمل الدولة على النهوض بالمصالح الوطنية، من أجل رفاهية وأمن مواطنيها، وتهتم بالدفاع عنها من العدوان الخارجي، مع الحفاظ على القيم الثقافية والاجتماعية.

ومن المشكوك فيه تماما ما إذا كان سيظهر بديل حقيقي، وستظل الدولة هي العامل الأساس في النظام الدولي من أجل الخير والمرض..

1- ARABISLAMIC POLITICAL CULTURE: A KEY SOURCE TO UNDERSTANDING ARAB POLITICS AND THE ARABISRAELI CONFLICT- DAVID BUKAY

لا تعليقات

اترك رد