عن نظام التفاهة


 

اشعر ان كل ما يفكر فيه الناس من غير العرب، لاينطبق علينا ولايقترب منا وكاننا في عالم اخر او في زمن آخر، وحين اقرا بعض ما يقع بين يدي من تلك الكتابات التي لها علاقة بالسياسة او بعلم الاجتماع وسلوك البشر، اشعر وكان هذا الكاتب او ذاك يتحدث عن بشر غيرنا، قد تقرا في كتاب ما على سبيل المثال، ان على الاباء ان لايصرخوا بوجه ابنائهم او ان لايرهبونهم لان ذلك سيؤدي الى امراض وحالات نفسية تؤثر على سلوك الطفل انيا ومستقبليا، وقد تعلم او لاتعلم ان قوانين بلدان العالم المتقدم تمنع عمل الاطفال قبل بلوغ سن الرشد او سن معينة، وتمنع بيع الخمور والسكائر لهم، انظر حولك فلن تتمكن من عد واحصاء عدد اطفالنا الذين واجهوا ليس صراخ الاباء والامهات فقط بل الانفجارات والبؤس والجوع والبرد والمرض والقتل والاختطاف والابتزاز ، التفت يمينا ويسارا فتراهم يعملون في الاشارات الضوئية كمتسولين او في اماكن العمل الشاق وهم يدفعون عربات الحمل او يحملون الاثقال على ظهورهم تكسبا للرزق ولاعالة امهاتهم او شقيقاتهم مع ان ثرواتنا يمكنها ان تجعلهم من اسعد اطفال الارض، وفي زوايا الشوارع والازقة يتلذذ بعض الفتية بسيكارة او حبة مخدر او قنينة كحول، ومع ذلك فهم بالنسبة لنا ثروة المستقبل، هل يمكنك اذن ان تحصي عدد الامراض والحالات النفسية التي ترافق هؤلاء الذين سيكونون قادة المستقبل واصحاب قرار وسطوة وارباب عوائل واصحاب مهن، فاي مستقبل مريض ينتظرنا؟..

طفل صغير في سوريا او اليمن او العراق او ليبيا، يقتل اباه على مراى منه، او ينتهك ستر امه او شقيقته، ماذا يمكن ان نتوقع منه مستقبلا؟.. اسيكون طيبا مسالما صادقا متسامحا؟.. هذه الحالات ليست فردية بل هي ظواهر اجتماعية لايمكننا تفادي خطورتها وتاثيرها على مستقبل مجتمعاتنا التي لانعرف لها اية ملامح فلا نملك خططا ولا مناهج انما ندع الامور تسير وفق قاعدة ( دع المقادير تجري في اعنتها ولاتبيتن الا خالي البال)، ويمكنني ان استدل هنا على واقعة تعطينا دليلا وثيقا عن اطفال اليوم شباب المستقبل ورجالاته، في العراق اختطف طفل في الثالثة عشرة من عمره طفل جاره وعمره سبع سنوات ليطالب اهله بفدية، ثم تطورت الاحداث فيقتله خنقا بحبل، شريك هذا الخاطف طفل اخر في الرابعة عشرة من عمره، يبتزه من اجل ان يلوط به مقابل السكوت ولكنه طبعا لم يسكت، هذا الجيل هو نتاج نظام التفاهة والشر السائل ( الشر السائل هو كتاب مشترك مابين الكاتب البولندي زيجمونت باومان عالم الأجتماع وبين الفيلسوف والسياسي ليونيداس دونسكيس الليتواني ، يعالج مشكلات العصر الأجتماعية والفكرية والفلسية والأهم من ذلك التعقيدات السياسية وصراعاتها العنيفة الدائرة في العالم) وكنت اتمنى ان اتناول افكار هذا الكتاب لاهميته لولا اني قرات مؤخرا عدة مقالات تستعرض كتابا اخر صدر في كندا، ودار حول العالم كما قيل عنه لاستاذ الفلسفة والعلوم السياسية ( الان دنو) وعنوان الكتاب ( نظام التفاهة) والكتابان برايي المتواضع وحسب المقالات التي استعرضت ما جاء فيهما يصفان هذا العصر بدقة ويعطيان طابعا قاتما للمستقبل، في نظام التفاهة يؤكد هذا الفيلسوف ان التافهين قد حسموا المعركة وسيطروا على العالم، وقد حدد عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر كبداية لهذا النظام وتحولت السياسة حسب رايه من نظام قيم ومثل ومباديء الى لعبة تؤدي حتما الى الفساد، وتحولت الدولة الى شركة خاصة، واصبح السياسي عبارة عن ناشط يمثل مصالح زمرته..

لا اريد الاستفاضة في عرض افكار دنو وتفسيراته للكيفية والاسباب التي ادت الى طغيان هذا النظام، ولكني تساءلت كثيرا وانا اقرا بعضا من ذلك، اذا كان العالم المتقدم بعلمه وثقافته وحرصه على الحقوق والحريات وبوجود مئات والاف المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان والحيوان، وبسطوة الاعلام وقدراته الاستقصائية، وبقوانين الشفافية والحوكمة قد خضع رغم كل ذلك لنظام التفاهة وتمكن التافهون منه وسيطروا عليه، فلم اذن ننزعج او نضجر او نستغرب نحن العرب من ان حياتنا بكل مافيها ليست سوى تفاهة؟..

ينتقد الفيلسوف دنو مثلا الجامعات الغربية ويقول انها اصبحت مصنعا للخبرات وليس للثقافة ويستشهد بمقولة لرئيس احدى الجامعات الكبرى في الغرب ( ان على العقول ان تتناسب وحاجة الشركات) وهذا يختصر لنا ان هناك في ذاك العالم الغريب عنا صراعا مازال جاريا بين الخبرة والثقافة، بين النظريات

والتطبيق بين ماهو عملي وما هو نظري، فاحمد الله كثيرا اذ ان اوطاننا وبكل فخر تفتقد للاثنين، الخبرة والثقافة، وبهذا نكون قد تخلصنا من احدى الصراعات الكثيرة التي نعيشها، فلسنا بحاجة بعد الصراعات القبلية والطائفية لصراعات علمية وهندسية وتكنلوجية، وفي حقيقة الامر فاننا كعرب ومسلمين مازلنا نعيش صراعا كبيرا يغطي على الكل وقد ابتدأناه قبل اربعة عشر قرنا ويبدو اننا لن ننتهي منه الا بعد ان ينهينا، فنحن مازلنا نعيش قيم ومباديء البدو التي يعتبر فيها البدوي ان الاخذ بثأره بعد اربعين عاما خطوة عجولة وان عليه الصبر اكثر واطول..

اي تفاهة اكبر من هذه التي نعيشها، والتي تسمح الظروف والالعاب فيها ان يتحكم الجهلاء والاغبياء واللصوص بمصائر واقدار الملايين، اي تفاهة اكبر من تلك التي تسمح للصراصير ان تطل براسها فتضع الالقاب والنجوم وتسير على سجاد احمر، اي تفاهة تلك التي تسمح لشخص ان يكون اميرا دون عمل شاق او فكر او ابداع فيمتلك طائرات خاصة ومليارات لايعرف عدها وعديدها، واي تفاهة اكبر من تلك التي يكون فيها السياسيون والقادة حمقى واغبياء، وان يتحول فيها الشعراء والادباء والفنانون والمثقفون الى اذيال للتافهين..

اما نصيحة الفيلسوف دنو لنا فهي( لاتقدم فكرة جديدة، فكر بميوعة وكن قابلا للتعليب، لقد تغير الزمن وامسك التافهون بالسلطة)..

المقال السابقمجتمع كســــيح
المقال التالىنريد المحاصصة
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد