فيلم جرافيتي ( الجاذبية ) : وحدة مرعبة وحنين جارف للأرض !


 

لو طلب مني أن الخص هذا الفيلم المدهش بجمل مختصرة لقلت:خيال علمي واقعي، بطولات خارقة لرواد فضاء شجعان، وحدة مرعبة، حنين جارف لكوكب الأرض…ولتفاصيل حياتنا اليومية ، حيث يصبح للغة الصينية معنى، وحيث تقلد البطلة صوت الكلاب التي تسمعها عبر ارسال راديوي من قبال صياد أسماك صيني (حنين لأصوات الكلاب القادمة من بعيد ..)، كما أنها تسترجع ذكرياتها مع طفلتها المتوفاة بفعل حادث مدرسي عبثي، ومهما أبدى رواد الفضاء من مهارات وقدرات فنحن اولا واخيرا كائنات أرضية نعشق الجاذبية الأرضية بديلا عن التوهان بلا جاذبية ضابطة، وربما اشتق المخرج عنوان الفيلم من هذه الفكرة !

ولا يمكن لسعادتنا أن تتحقق الا بوجودنا فوق الأرض مهما بدا منظرها باردا وغامضا عن بعد، الا انها ساحرة وخلابة، كما أننا لسنا شيئا في فضاء بارد ساكن مرعب، وحتى المركبات الفضائية الثلاثة الروسية والأمريكية والصينية فقد تحولت لطائرات موت انتحارية لا آمان فبها او بداخلها وقد تحولت بثوان معدودة لحطام قاتل متطاير لا يرحم أحدا! لقد

 

 

 

 

 

 

نجح هذا المخرج الميكسيكي الفذ بطرح رؤيا فريدة لمغامرة فضائية (ممكنة الحدوث)، وبناها بمشهدية سينمائية خارقة ومتجانسة وربما غير مسبوقة، معتمدا على عناصر الأداء البارع والتصوير الآخاذ الثلاثي الأبعاد، مع سيناريو سردي غريب يعتمد على فكرة واحدة : الصراع الوجودي للحياة في فضاء عبثي… كما أبدعت “ساندرا بولاك” بدور العالمة الطبية الفضائية التي تقوم برحلتها الفضائية الاولى، وساعدها بذلك عبقري التمثيل جورج كلوني بدور القائد الفضائي الخبير الذي لم يتوقف لحظة عن تسليتنا ورواد الفضاء والمركز الأرضي بالحديث المتنوع الجاذب والحافل بالدلالات الا فضل اخيرا ان يضحي بنفسه لتنجو بولاك مشجعا اياها على المجازفة والاستمرار، حتى يظهر لها في آخر هلوساتها بعد أن تكاد تفقد الأمل بالنجاة وهي بالمركبة الصينية التي بدت كملجأ أخير بعد تحطم المحطة العالمية وتحولها لحطام فضائي قاتل!

دراما فضائية تشويقية !

أخرج هذه التحفة السينمائية المكسيكي الفونسو كوارون ، ومن بطولة “ساندرا بولاك وجورج كلوني” كرائدي فضاء وهما الناجيين الوحيدين من مهمة فضائية فاشلة بفعل اندفاع ركام قمر فضائي دمر بواسطة صاروخ روسي ، كتب كوارون السيناريو وعرض الفيلم بافتتاح مهرجان البندقية السينمائي ، وقد نال اعجاب النقاد والمشاهدين، وتم الثناء على ايمانويل لوبيسكي لعمله الفذ في ” السينماتوغرافي ” : يتحدث الشريط عن تفاصيل المهمة الفضائية الاولى للدكتورة ريان ستون الباحثة الطبية، والتي يساعدها رائد الفضاء الخبير مات كوالسكي في مهمته الفضائية الأخيرة قبل التقاعد …كوالسكي يتنقل بواسطة “دوافع نفاثة ” مركبة حول كرسيه الفضائي والتي تسمح له بالتنقل لكافة الاتجاهات والمواقع، وأثناء محاولتهما اجراء صيانة خارجية لأحد أذرع التلسكوب الفضائي هابل، يحذرهما فجاة قائد المهمة الأرضي من مركز التحكم بهيوستون من اندفاع حطام متسارع بفعل تدمير الروس لقمر صناعي متعطل بواسطة صاروخ مما ادى لسلسلة من التفاعلات الغير مسيطر عليها، وتطلب ذلك انهاء المهمة فورا والعودة للمحطة الفضائية …ولاحقا يفقدان الاتصال بالمركز الأرضي مستمرين بمحاولات يائسة للاتصال، ويؤدي تأخرهما لفصل “ستون” من المركبة تاركا اياها تحوم تائهة ومرعوبة في الفضاء، ولكن “كوالسكي” يسارع لنجدتها متجهين للمركبة، التي يتبين ان الركام المندفع قد دمرها وقد قتل باقي الفريق المرافق! ثم يستخدمان النفاثات للتوجه للمحطة الفضائية العالمية التي تدور حول الأرض على بعد مئة كيلومتر، ويقدر “كوالسكي” بخبرته أنهم يملكون تسعين دقيقة فقط قبل ان يكمل الركام دورته ليعود ليهاجمهم مهددا حياتهما!

وبطريق عودتهما للمحطة الفضائية العالمية يناقش كلاهما ذكرياتهما وتداعيات الموت المأساوي لابنة “ستون” الصغيرة بحادث مدرسي، وعندما يصلا المحطة العالمية التي تدمرت جزئيا بفعل نفس الركام المتطاير، لاحظا بانه تم اخلاء طاقمها بواسطة محطة سويوس وبأن البارشوتات المتبقية قد دمرت مما يمنع عودتهما الامنة للأرض …لكن “كوالسكي” بخبرته يقترح استخدام بقايا محطة “السويوس” للانتقال للمحطة الصينية القريبة ” تياتغونغ” بغرض ستخدام كبسولة الفضاء للعودة، ولكن اليأس يسيطر عليهما مع انخفاض مستوى الاكسجين وبلا قوة تحريك نفاثة كافية حيث يحاول الرائدان الامساك بالمركبة، وفي اللحظة الأخيرة تتعرقل قدما “ستون” بحبل براشوت “سويوس”، لكن “كوالسكي” وقد تاكد من قدرة النفاثات على دفعهما بعيدا، يقرر برباطة جأش نادرة أن يضحي بنفسه تاركا فرصة النجاة لستون لتنجذب باتجاه المحطة فيما يسبح كوالسكي تائها وبعيدا، ولا ينسى أن يوجهها بتعليمات اخيرة مشجعة! وعندما تدخل ستون للمحطة العالمية تبذل قصارى جهدها للتوجه لسويوس للنجاة من حريق طارىء كبير، وفيما تناور بكبسولة الفضاء بعيدا عن المحطة المخترقة، تلاحظ صعوبة انفصال السويوس، حيث تنجح باللحظة الحاسمة للانطلاق نحو المحطة الصينية “تياتغونع”، وتفاجىء بانعدام الوقود الكافي للعودة للأرض …وبعد اتصال عشوائي مع صائد سمك صيني يدعى “أنينجانج”، تبدا ستون محاولة انتحار يائسة بواسطة تخفيف ضغط الكبسولة بغرض فقدان الوعي تدريجيا حتى الموت (انتحارا)! ولكن شبح “كوالسكي” يظهر لها وكأنه حقبقة ساعيا لتشجيعها، ودالا اياها لامكانية استخدام صواريخ الانزال الشغالة لتوجيه كبسولتها باتجاه المحطة الصينية ، وحيث يتحقق لها ان ظهوره المفاجىء ما هو هلوسة ورسالة انقاذ وربما “تخاطر” …ثم تعود بحماس لتفقد مستوى الاكسجين مستخدمة صواريخ الانزال للانطلاق نحو مركبة تيانغونغ “أمل الانقاذ الأخير”، ولكنها تفشل فتستخدم طفاية حريق كبيرة كنافثة، ولكن الحطام المنطلق يحطم اجنحة المحطة الصينية أيضا ، ثم حيث تتمكن د.رايان اخيرا من الدخول للكبسولة “شينزهو” في اللحظة التي تبدأ فيها المحطة الصينية بالتفكك …وتنجح ستون أخيرا بمعجزة من الدخول لجو الأرض، كذلك فهي تكاد تسمع أصواتا صادرة من المحطة الأرضية وكأنها تتابع مسار كبسولتها ، ثم تهبط اخيرا ببحيرة، ولكن حريقا كهربائيا يجبرها على اخلاء نفسها بصعوبة وتنجح اخيرا بفتح الكبسولة التي تندفع المياه لداخلها بقوة …ثم تنجح ستون بالتخلص من بزتها الفضائية المعيقة للنجاة بنفسها، وتنطلق سابحة من اعماق البحيرة باتجاه الشاطىء ويبدو وكأنها لا تصدق اخيرا أنها قد نجت ، وتتفوه بكلمة “شكرا” وهي تترنح ماشية باتجاه الشاطىء بالنتظار فريق الانقاذ…

تيمة الفيلم الفلسفية :

الفيلم بالرغم من تصويره للفضاء الاانه يدخل ضمن فئة أفلام الكوارث والرغبة الجامحة بالنجاة، ويلقي ضوءا على التغيرات النفسية للأبطال عندما يواجهون الموت المحقق …استخدم كوارون ستون لعرض حالات “الوضوح-المثابرة-كفاءة التدريب والارتجال الذكي”، بمواجهة مشاكل كبيرة في فضاء قاس بلا جاذبية وبلا دعم ومشورة، بعد أن فقدت زميلها الخبير المتمكن! وبالرغم من أن الفيلم لم يسعى لمنافسة الفيلمين المرموقين “الاوديسا وسولاريس” ، الا انه استخدم عدة لقطات ومشاهد مجازية تظهر ستون وكأنها تكاد تدخل للرحم ثانية بعد ان تفقد الأمل وتصاب بالرعب والقنوط، حيث تبدو محطات الفضاء بالبداية وكأنها الرحم الآمن للانسان التائه في الفضاء الخارجي! كما يظهر نفس المجاز المعبر بمشهد النجاة والخروج الآمن من مياه البحيرة بعد ان كادت تتعرض للغرق في المشاهد الأخيرة، حيث بدت مياه البحيرة وكأنها مصيدة موت كما الفضاء الخارجي مع مفارقة وجود الجاذبية هنا، وتحول الغرق هنا كبديل للموت الفضائي في أجواء فقدان الجاذبية الشديدة البرودة، كما أن الفيلم يناقش مغزى الحياة والموت متمثلا بموت رواد الفضاء الآخرين، وفقدان كوالسكي وتداعيات فقدانها لابنتها الصغيرة سابقا، كما يسلط الأضواء على قدرة الاصرار للنجاة!

تبدو المشاهد متناقضة ومعبرة ما بين الوجه الدفيء الحي للأرض وعمق الفضاء البارد المظلم، كذلك بين فوضى انطلاق الحطام القاتل وسكون الفضاء السرمدي والصوت الصادح لموسيقى تصويرية معبرة …يستخدم المخرج لقطات طويلة لجذب انتباه المشاهدين وتعميق تركيزهم، وحيث تتناقض هذه اللقطات مع اخرى تبين تحطم المحطات الفضائية تباعا ضمن تناوب مدهش لبزات وكبسولات الفضاء، كما لم ينسى “كوارون” أن يستعيد مشاهد سابقة لأفلام لافتة باستخدامه لصوت الممثل القدير “ادهاريس” كما ظهر بدوره اللافت بأبولو 13، و”سينجوري ويفر” كما ظهرت بفيلم ريدلي سكوت الشهير “الغرباء”. ولكن التحدي الأكبر بدا هنا متمثلا بكيفية التصوير بأجواء فاقدة للجاذبية ، مما اضطر المخرج والفريق لاستخدام مؤثرات حاسوبية لمشاهد الطيران بالفضاء وكذلك روبوتات متحركة ذاتيا تتماثل تماما مع حركات “بولاك” وهي تطير داخل المحطات الفضائية! ولكن مهارات التولبف والتصوير والاخراج لم تسمح باكتشاف ذلك، كما تم تصوير الهبوط ببحيرة باول بأريزونا، وشكت بولاك بأنها اضطرت لكي تبقى لحوالي عشر ساعات داخل هيكل معدني صمم خصيصا للتصوير، ولا وسيلة للاتصال الا من خلال سماعات الرأس “كنت اشعر بوحدة شديدة “!

 

أحسن تصوير فضائي وافضل أفلام العام 2013:

أثنى النقاد على عناصر التمثيل والاخراج والسيناريو والسينماتوغرافي والمؤثرات البصرية وتصميم الانتاج وتصوير البعد الثالث (الثلاثة دي)، كما نوهوا بموسيقى “ستيفن برايس” المعبرة التي ادخلتنا بتشويق جذاب للحدث الفضائي وجذبت تركيزنا …وان كنت استغرب حقا من اداء جورج كلوني الذي بدا وكانه يتجاذب اطراف الحديث باسترخاء مع اصدقائه في مقهى بحديثه الدائم وثرثرته المحببة، ولم يشعرنا بالتوتر والقلق ولو للحظة واحدة حتى عندما ضحى بنفسه معطيا المجال لبولاك لكي تحظى بفرصة النجاة الوحيدة، فلم يبدو عليه الخوف والرعب المتوقع، ولعب دور شخصية قيادية نموذجية، وربما بدا ذلك مبالغة درامية ضرورية، فيما أشعرتنا “بولاك” بالقلق والتوتر والمعاناة والرعب طوال الوقت. أظهر هذا الشريط الفريد من نوعه الوجه المشرق لسينما المستقبل بالرؤية السينمائية المتقدمة وكأنه بدشن عصر سينمائي جديد ” ما بعد التكنولوجيا”،

وبدا كوارون صاحب رؤيا توازي رؤيا كاميرن بتحفة آفاتار، حتى ان كاميرون أثنى على الفيلم بقوله أنه احسن تصوير فضائي تم انجازة ، أما المخرج “المجنون” كوانتين تارانتينو” فقد اعتبره واحدا من افضل افلام العام 2013، كما تم ترشيحه للاوسكار القادم بمجالات: الاخراج لكوارون ولويسكي للتصوير والسنماتوغرافي وبولاك للاداء، ويكفي التمتع بمشاهد انطلاق الركام المتطاير المنقذف بالفراغ الكوني ولقطات روادالفضاء الهاربين المذعورين لكي يستحق هذا الفيلم اوسكارا في التصوير والمؤثرات، وكدلالة لتحول المحطات الفضائية الثلاث الآمنة لركام قاتل عشوائي …

 

من حوارات الفيلم :

لفت انتباهي قدرة كاتب السيناريو على تضمين الحوارات في الفيلم لمقاصد ومغازي لافتة بطريقة جاذبة ومنها:

لدي شعور سيء بصدد هذه المهمة ( وقد كرر كلوني هذه العبارة الحدسية مرتين )…كنتيجة لتحطم القمر الصناعي فقد فقد نصف سكان أمريكا الشمالية الفيسبوك…تلقيت خبر مقتل ابنتي وأنا اسوق سيارتي، ومنذ ذلك اصبحت أسوق معظم الوقت…ما الذي يعجبك اكثر بشان هذه المهمة؟ لون عيني بني (غزل ام تحرش ام تحفيز ).. ثم صوت التحكم الأرضي قبل بدء الكارثة: ابتعدوا واهربوا فورا!

انطباعات سينمائية :

سأنهي مقالي المطول هذا بنفس طريقة استهلاله ، أي بجمل معبرة وموجزة وذات دلالة:

ليس فيلم أفكار كتحفة كوبريك السينمائية في العام 2001 ، ولكنه يطرح خبرة فضائية غير مسبوقة ويمثل تحديا تكنولوجيا فريدا من نوعه. يناقش بذكاء قانون نيوتن،حابس للأنفاس ومرهق للأعصاب، الثنائي “كوارون ولوبيسكي” يتركان المشاهد بحالة من انعدام الجاذبية، مزيج خلاب من الجمال والرعب والتشويق، ثوري بطريقة اخراجه وتصويره، تحفة سينمائية بصرية، يجعلك تشعر وكأنك تسبح كرائد فضاء ويدخلك لصميم الحدث، خيال علمي واقعي ومتوقع أنصح ذواقة السينما لمشاهدته والتمتع بمكوناته الفنية .

لا تعليقات

اترك رد