عبد الرزاق المولى في أعماله التجريدية التعبيرية

 

تتميز أعمال ألفنان التشكيلي – عبد الرزاق المولى – بطابع التجريد التعبيري، من خلال فرش الألوان بمفردات وتكوينات تأخذ مساحاتها الحرة، دون وازع من المقيدات الضنكة في حدود مساحاتها. وهي صفة من صفات الصيغة ألتي تحتاج إلى الثقة العالية والجرأة، دون التقيد بما ستليه مراحل أهدافه المقررة في التحضير. وهذه الصفة تلازم كثير من الفنانين في أعمالهم الحرة المعاصرة، مثلما أشار لها ألفنان – بابلو رويز بيكاسو – بأن مضمون العمل وأهدافه يأتي لاحقاً من خلال مراحل سحبي من جراء الخطوط وتقلبات التكوينات ومتغيراتها بأمور قد تكون أكثر تحقياً لما أنوي أليه. وهذه من منطلقات التحرر من صيغ التقابل المتشابه لمصادر التكوينات نحو تجسيد المضامين والثيمات الهادفة للعمل الفني.

وفي هذا المضمار تتحقق مراحل إنتاج المستجدات من خلال (التجريب) والتجريب يأخذ مساحات الآفاق في محورين متكاملين، وهما التكنيك والمضمون بجوانبه الرمزية والمقاربة للشكل. على عكس الأعمال ألتي تحاكي الواقع والمصادر بما تخضع إلى مستجدات التجريب في حدود جوانبه التكنيكية. والأمر ينطبق ذلك أكثر على الأعمال الواقعية. وحتى الفرق بين الواقعية والانطباعية تتجسد المتغيرات الشكلية، بحدود التكنيك ألذي يحلل الألوان إلى متجاورات ومنها الفضاء ألذي يحيط التكوينات الإنشائية، ونقصد بها تتحول الفراغات إلى لغة ناطقة من الألوان المتنوعة.

في أعمال ألفنان – عبد الرزاق المولى – هنالك متغيرات وتنوعات في حركة الأشكال وتكويناتها المتداخلة مع بعضها، حيث تنتهي حافاتها إما بانحنائات مدورة، أو مثلثات وأسطح بأشكال مربعة ومستطيلة، تعلو فوقها كرة مدورة، تناقض الأشكال الأخرى العامة للعمل الفني، مما تساعد إلى الإنتباه وسحب النظر نحوها، تلك البناءات ألتي تتم على وفق التنوعات المنسجمة في خلاصة رؤى بنيتها العامة، تؤكد الخبرة ألتي تنضج وتولد من جراء الممارسات التطبيقية الدائمة للفنان عبد الرزاق المولى. ومن ضمن هذه الإشارات المطابقة لنتاج التجريب، هو التداخل لحركات الخطوط بين المفردات المتجاورة، بما تحمله من توافق لوني، أو ما يسمى بالألوان (المترابطة) كذلك إستخدام الألوان المتضادة ألتي تقترب من الألوان الداكنة بخلاصة رؤاها العامة، والذي يذكرني بتكنيك ألفنان العالمي جيريكو، برغم إختلاف الإسلوب والمضامين.

كون جيريكو أعماله رومانسية، بينما هنا تجريد تعبيري حداثي، ولكن نقصد الصلة المرتبطة بالتضادات اللونية. وأعمال أخرى مجسدة بألوان (حيادية) أو الأسود والأبيض، دون تدخل ألوان ذات إشارات صارخة، وهذا التطبيق المنطقي للشكل أيضا يذكرني بنصيحة وتوجيه أستاذنا الرائد فائق حسن – بأن الألوان المحايدة، هي البنية الأساسية والرئيسة لمنطق العمل الفني، إن لم تكن الخاتمة الشكلية فيها، فإنها الأساس التمهيدي لمراحله الاحقة. وهنالك أعمال تتنفس من خلال فضائها الفارغ من التجسيد اللوني، أو بألوان فاتحة الإشارات. أما في مايخص وسائل مصادرها المجسدة، فإن بعضها متكون من جدران لشناشيل مزخرفة بفرش ألوانها المختصرة والمجردة. وتبدو هيئة المفردات المتعرجة ومنها المستقيمة والمدورة أو المنحنية، كأنها من مواد الخشب، وبأبعادها الثلاث. من حيث الملمس والأبعاد الهارمونية المتدرجة، وفي الوقت ذاته تتناغم بنصوصها النثرية أو الشعرية العاطفية ألتي بقيت محتفظة في هواجس ذاكرته الوجدانية من القدم، وأبان تأثره وأعجابه بقصائد نزار قباني العاطفية الرقيقة، وتشكل الحروف العربية لديه في بعض أعماله أشكال وبنى إنشائية لتكوينات معمارية أو مفردات أخرى.

وتحتل مركزية بؤر بعض أعماله شخصيات إنسانية يسودها الجو العام لبنيتها اللونية العامة للعمل الفني، أي غير منفصلة أو متضادة بشكلها اللوني عن ما يحيطها ويلازمها من أشكال أخرى. وتسود الأعمال الفنية، طابع المهارة الإنشائية في أسسها التشكيلية، ولكن بمنطق حداثوي حر. منها الإيقاع غير المتكرر، والتوازن الاشكلي، والحركات المتنوعة، ولكن بعض الأسس الفنية التشكيلية هي ضمن مناهجها الثابتة، كالسيادة والمنظور، وعلاقة الشكل بالأرضية. وفي النتيجة النهائية فإن تبادل الحوار بين ذات المنتج للعمل ألفني وإنتاجه المجسد مع باثاته الإشارية نحو المستلم، بتوافق وتبادل معرفي ومشاعر الإحساس المتبادل على حد سواء. وكما هو معروف كل النتاجات العلمية والمعرفية والأدبية والفنون بأنواعها السمعية والمرئية، تتكامل بتصميمها المنهجي بشكلها الهندسي المثلث، ألذي يحتوي على ثلاثة جهات أحداهما يكمل الآخر، والمتمثل بالمبدع – والإنتاج – والمستلم . برغم إختلاف الفارق بينهما،

 

ولكن تبقى طاقات المنتج محتبسة في داخل خلجات نفسه، تتحمس وتفور وتنكبت بمردود سلبي مؤثر على المنتج دون إفراغ تلك المكبوتات إلى الوجود، كما يحصل لدى الآخرين لأسباب وعوامل قاسية متعددة. ويبقى النتاج أيضا لا وجود لأحيائه في التقبل والترويج والتقييم والتمتع، دون إستلام بالمدركات الحسية وبمراحلها الاحقة ألتي تبدأ من التنبيه ثم الإنتباه ثم الإدراك ثم الإختيار ثم التنظيم ثم التفسير ثم الإستجابة التذوقية الراقية من قبل ألفئة الممتلئة بالوعي والإحساس التذوقي. لذلك فإن أعمال ألفنان – عبد الرزاق المولى – كغيره من الفنانين توافرت فيها صفات وشروط الإستلام لما جسد فيها من القيم اللونية المتناسقة والمثيرة للأنتباه، فضلاً عن سرورح التأمل لما تختفي في مضامينها التفسير المباشر والسريع، نحو فك مرموزاتها الإشارية الغامضة. كما أن صيغة الألوان في بعض أعماله متنوعة التجاور والإختلاف كالألوان الحارة والباردة، عكس الأعمال ألتي أشرنا لها بسيادة الألوان الداكنة والمتضادة. إن هذه التنوعات سواء كانت في بنيتها الإنشائية أو اللونية،

هي نتاج الخوض في مجال التجريب المثمر إلى صيغ التبدلات والنتاجات المتجددة، دون البقاء في حدود التكرار الممل للنتاجات الأسلوبية، كما يحصل لدى البعض من الفنانين ألذين تمثل رؤية أعمالهم بصيغة عمل واحد. ويبقى كل فنان نشط وحرك في الإنتاج الإبداعي، يسعى إلى التبدلات والتجدد الدائم، حتى لو أختلفت الفوارق الأسلوبية، كما تجسد ذلك عند كبار الفنانين أمثال بابلو رويز بيكاسو، بين الواقعية والتجريد والتكعيبية، وبعض المشتركات مع الصيغ السوريالية. وكلما كانت المهارة عالية لدى الفنان، كلما أنتجت مستجدات متتالية، عبر المراحل الزمنية. ومن خلال تفسيرنا الخاص لأعمال ألفنان – عبد الرزاق المولى – نجد توافر تلك الصفات التي تقوده إلى النتاجات المتجددة.

المقال السابقيوم لي
المقال التالىالحرب الاعلامية والتوجيه الاعلامي
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. لغة نقدية عالية المستوى لا يفهمها إلا سيبويه وأساتذة معهد الفنون الجميلة في رأس الحواش….اختنقت وانا اقري المقال لولا أن تسعفتي ألوان اللوحات مل مرة لأخذ نفس لأكمل كبت الأنفاس في القراءة مجددا. ولكنني صديق للفنان فان لوحاته تعكس شخصيتة وواقع حياته الذي مر بمراحل القيادة والمنصب والجرءة والغنى وازدواج الواقع بين الحضر والجبل والعرب والكرد وقدرته المواكبة بين كل هذه المتضادات وألوان النفاق اقصد التضاد العراقي يضاف لها حسه الفني وذوقه العالي وسكون شخصيته الذي الهمه التأمل واختيار كل ماهو جميل ليسرقه من بين كل معارك الواقع العراقي ويقدمه وجبة لونية على مائدة لوحة فنعجب بها…

اترك رد