الأدب والسياسة

 

مقدمة :

هناك الكثير من الروايات التي أثّرت على مجرى التاريخ وغيرت كثيرا في الحياة السياسية والاقتصادية في الكثير من الدول وخاصة أوروبة والعالم . قراءة الروايات بالنسبة للإنسان العادي مصدر إثارة ومتعة وبالنسبة للإنسان المتخصص قراءة بين السطور ورسائل مشفرة يجب فك رموزها واستخلاص العبر . ومن بين الروايات العالمية التي أثّرت في مجرى التاريخ وساهمت في صياغته وإعادة صياغته يمكن أن نذكر الروايات التالية :

كوخ العم توم ، هاريت بيتشرستاو :

” إذا أنت المرأة الصغيرة التي كتبت الكتاب الذي أشعل حربا عظيمة ” بهذه الكلمات استقبل الرئيس ابراهام لنكولن الروائية هاريت بيتشر ستاو في أول لقاء لهما في عام 1862 وبعد مرور عشر سنوات من كتابتها للرواية العظيمة كوخ العم توم حققت الرواية المركز الثاني في الأعمال الأكثر مبيعا في القرن التاسع عشر بعد الكتاب المقدس .

لقد أنارت قصة العم توم وهو رق أمريكي من أصل أفريقي الطريق لفهم الأهوال والظلم الاجتماعي وحياة الرقيق والعبودية والتمييز العنصري وسبّب نشر الكتاب ضجة في الأوساط الشعبية الأمريكية . ساهمت الرواية من خلال أحداثها المؤلمة والمثيرة في إلغاء عقوبة الإعدام في الشمال الأمريكي وتفاقم التوتر مع الجنوب وزيادة التشنج بين البيض والسود الوضع الذي دفع الرئيس لنكولن لاعتبار الرواية سببا في الحرب الأهلية .

الغابة ، ابتون سنكلر

تتناول رواية ” الغابة ” التي كتبتها الصحفية أبتون سنكلر في عام 1906 موضوع ظروف العمل القاسية والفقر الشديد والمدقع وظروف الاستغلال التي يواجهها العمال المهاجرون الذين يعملون في صناعة اللحوم في مدينة شيكاغو الأمريكية . ورغم أن الرواية كتبت لتوضيح الظلم الذي تتعرض له الطبقة الكادحة ورجال السلطة الفاسدين واستغلال العمال المهاجرين إلى شيكاغو والذين يعملون في صناعة تعليب اللحوم والأغذية فإنها كانت صرخة عالية نحو سلامة الغذاء الصحية وفي يوم من الأيام اشتكت سنكلر قائلة : ” لقد قصدت بعملي قلب الجمهور لكنني بالصدفة المحضة أصبت معدته .”

ولا زالت الرواية تعد من أهم الروايات السياسية المؤثرة التي أثّرت في صناعة القرار في الولايات المتحدة في القرن العشرين . وقد أرسل الرئيس ثيودور روزفلت بعثة تفتيشية إلى داخل مجمعات تعليب الأغذية في مدينة شيكاغو وخلال عام صدر قانون تفتيش وفحص الغذاء مع قانون نظافة الطعام والدواء كما عبّد الطريق لاحقا نحو تأسيس إدارة الغذاء والدواء الأمريكية .

كل شيء هادئ على الجبهة الغربية ، انريك ماريا ريمارك

وهي إحدى الروايات الهامة المعادية للحرب. تصور رواية “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية ” أهوال الحرب العالمية الأولى من وجهة نظر جندي ألماني شاب . تُرجم الكتاب إلى أكثر من عشرين لغة وتم تكييفه ليصبح فيلما أنتجته هوليوود عام 1930 . تحدثت الرواية عن “جيل دمرته الحرب رغم أنه نجا من القذائف” على حد قول ريماك .

تناول الكتاب عبثية الصراعات وجذب الكثير من الانتقاد والمديح في ذلك الوقت وخاصة من مواطني ريماك لأنهم شعروا أن الرواية تحط من قدر المجهود الحربي الألماني . وكان هذا الكتاب من الكتب الممنوعة من التداول أو النشر أثناء الحكم النازي .

الأشياء تتداعى ، تشينوا أشيبي

ولعل هذه الرواية هي الأكثر شهرة للروائي والشاعر وكاتب المقال النيجيري تشينوا أشيبي حيث تصف مجتمعا قبليا ينهار نتيجة وصول المبشرين المسيحيين. كتبت الرواية في عام 1958 و بيع من الرواية أكثر من 10 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم ونشرت في حوالي 50 لغة . وما زالت تُقرأ وتُدرس على نطاق واسع كمثال على تأثير الاستعمار على الثقافة والهوية الأفريقية.

محسنون بثياب ممزقة ، روبرت تريسيل

استند روبرت تريسيل في جدله الاشتراكي عام 1914 على مجموعة من الناس الشرفاء الذين يستغلهم مجموعة قابضة من الرأسماليين يعتمدون على الاستغلال في إدارتهم لأحوال الطبقة العاملة في المجتمع إبان حكم الملك إدوارد في انكلترا .

كان العمال محبين للبشر وكانوا يحررون الناس من العبودية من باب الشفقة وأرادوا أن يمنحوا المستخدمين قيمة عملهم .

كانت الرواية جزءا لا يتجزأ من الدافع للإصلاح الاجتماعي والعمالي الذي بدأ في القرن العشرين .

عناقيد الغضب ، جون شتاينبك

يسجل عام 1939 رحلة أسرة أوكلاهوما الكلاسيكية المفلسة غربا على طول الطريق 66.

وأبرزت الرواية الأكثر مبيعا بين الكتب فور صدورها حالات الفقر والقهر المروعة في فترة الكساد بين مئات الآلاف من المهاجرين الذين يسافرون إلى كاليفورنيا للعثور على عمل .

تم حظر الكتاب وحرقه في عدد من الأماكن بما في ذلك مقاطعة كيرن و كاليفورنيا حيث انتهت رحلة عائلة جود

1984 ، جورج أورويل

انتشرت رواية 1984 بشكل واضح بين الشباب ولكن قد لا يعرف الكثيرون معلومات كافية عنها فقد صدرت رواية “1984” في عام 1948 وهي رواية سياسية ديسوتوبية ومصطلح ” يوتوبيا ” يعني ” العالم المثالي ” أو بالأخص “الحضارة المثالية” وخصوصاً في جانبها السياسي والاجتماعي ومصطلـح “ديسوتوبيا” يشير للفكرة المعاكسة لذلك والتي تعني المجتمع القائم على القمع والاستبداد.

الرواية عبارة عن تصور وتحذير لمستقبل من المحتمل جداً حدوثه وتاريخ نشر الرواية هو في غاية الأهمية فعنوان الرواية بالنسبة لتاريخ نشرها يلمّح بأن السيناريو المستقبلي المخيف المذكور فيها قد لا يكون بعيداً , بل إن العديد من المفكرين يظنون أنه قد تحقق جزء كبير منه , والعقبة التي تحول دون تحققه كلياً هي مجرد عقبة تكنولوجية ؛ وبشيء من التطور العلمي والتكنولوجي قد يصبح عالمنا ، إن لم يكن كذلك الآن ، مثل عالم “1984”.

فقد حققت رواية 1984 نجاحاً كبيرا على المستوى العالمي وتم اختيارها كإحدى أفضل مئة رواية وترجمت إلى أكثر من ستين لغة.

وتدور أحداث رواية 1984 في المستقبل بمدينة لندن عام 1984 حيث وينستن سميث موظف ذو 39 عاماً من العمر وهو يعمل موظفاً في وزارة الحقيقة أي أنه صحفي يراقبه رجال الشرطة ويراقبه جيرانه رغم أنه ليس مجرماً وليس ملاحقاً ولكن الرقابة نوع من السلوكيات اللاإرادية التي يقوم بها الجيران ضد جيرانهم لذلك يصبح سميث تحت عين أوبرين صديقه وعضو في الحزب الذي يراقبه عن كثب.

وتقدم هذه الرواية التي كتبت أحداثها بطريقة تنبؤية مجتمعاً شمولياً يخضع لديكتاتورية فئة تحكم باسم ” الأخ الكبير” الذي يمثل الحزب الحاكم ويبني سلطته على القمع والتعذيب وتزوير الوقائع والتاريخ باسم الدفاع عن الوطن والكادحين ، حزب يحصي على الناس أنفاسهم ويحول العلاقات الإنسانية والحب والزواج والعمل والأسرة إلى علاقات مراقبة تجرد الناس من أي تفرد أو تميز وتخضعهم لنظام واحد لا ينطبق على مسؤولي الحزب. إنها رواية جديرة بالقراءة وإعادة القراءة .

أدخلت الرواية الكثير من المصطلحات إلى عالم السياسة والحكم مثل ” الأخ الأكبر” و”التفكير المزدوج ” و ” جريمة الفكر ” و ” وزارة الحقيقة ” و ” وزارة السعادة” التي تستخدم اليوم على نطاق واسع في عالم الصحافة والإعلام . الرواية تذكير دائم وهام بحرية التفكير وحرية الفكر والتعبير .

لا تقتل عصفورا ساخرا ، هاربر لي

يريد هاربر لي أن يقول في هذه الرواية الرائعة : ” لا يمكنك أن تفهم شخصا ما حتى تنظر وتقيم الأشياء من وجهة نظره ….حتى تضع نفسك في مكانه وتسير بين الناس وفي رأسك عقله .” هذه الكلمات أتت على لسان بطل الرواية أتيكوس فينش حين أراد أن يناقش فكرة عدم المساواة العنصرية في ولاية ألاباما في الثلاثينات من القرن العشرين . لا تقتل عصورا ساخرا من الروايات الرائعة التي حققت أكبر نسبة مبيعات في الولايات المتحدة الأمريكية وكافة أنحاء العالم حتى في أيامنا هذه . لقد علمنا الكتاب أن نقدر الآخر ونضع أنفسنا مكانه لفهم ردود أفعاله في الحياة كما دخل عالم السياسية من أوسع الأبواب .

المحبوبة ، توني موريسون

يقال أن توني موريسون الحائزة على جائزة نوبل قضت ثلاث سنوات تفكر في الفوز بجائزة بوليتزر قبل أن تكتب كلمة واحدة في الرواية .

المحبوبة ، الرواية التي تعالج قضايا العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية، فازت في مسابقة صحيفة نيويورك تايمز كأفضل رواية أمريكية على مدى 25 عاما.

استعارت الرواية حكايتها من قصة زنجية هربت من الظلم مع أطفالها وعندما يعثر عليها المالكون تسبقهم خطوة وتفضل ذبح ابنتها على أن تتركها للعبودية . كانت هذه الحكاية اللبنة الأولى لتأليف القصة حيث يفضل الإنسان قتل نفسه وأطفاله على الوقوع أسيرا في أيد همجية تسوم الكرامة الإنسانية صنوف الذل والعذاب .

وفي إحدى المرات صرحت توني قائلة : ” أنا لا أكتب انتقاماً من العنصرية بل لتغيير اللغة ومفاهيمها من لغة همجية إلى لغة لا تنتقص من الناس ،أنا لا أحمل سيفاً، ولا أبتغي رد المظالم، أريد ملء الفضاء بصوت النساء السوداوات “.

كان فوز توني موريسون بجائزة نوبل للأدب لعام 1993 مفاجأة للكثيرين ، فسر البعض فوزها بالجائزة بأن لجنة نوبل خضعت لضغوط سياسية واقتصادية وإنسانية، وقالوا أن اللجنة أغفلت جون ابدايك وفيليب روث ، ولم تعط أيا منهما الاهتمام الذي يستحق ، وقالوا أن كون ابدايك وروث من الذكور ومن البيض لم يكن عاملا مساعدا لفوز أي منهما بالجائزة . والواقع أن توني موريسون لم تفز بالجائزة لأنها امرأة ولأنها سوداء ، والذين يعتقدون أنها فازت بها لأنها كذلك يظلمون الكاتبة ويظلمون الجائزة. وتقول توني موريسون عن نفسها: ” إنني من مواليد كليفلاند ، جذوري تعود الى الجنوب ، هرب أهلي من العبودية في القرن العشرين و كان الصراع بين التكيف مع الواقع الأبيض والحفاظ على الهوية السوداء هاجسي الأول دائماً.”

” المحبوبة ” هي أفضل روايات توني موريسون التي فازت بجائزة بوليتزر أكبر الجوائز الأدبية في الولايات المتحدة عام 1988. وهي رواية مكثفة وغنية في أسلوبها وأفكارها. فالحدث الواحد ينظر إليه من زوايا مختلفة شخصية ووطنية وتاريخية وإنسانية.

أخذت توني القصة من تقرير عثرت عليه في ” الكتاب الأسود” ، وهو مجموعة من قصاصات الصحف والإعلانات الصحفية التي ترصد تاريخ الأميركيين الأفارقة من بداية التجارة بالرقيق إلى حركة الحقوق المدنية. وكان التقرير الذي هزها من الأعماق بعنوان ” زيارة إلى الأم السوداء التي قتلت ابنتها الوليدة لئلا تعيش في عالم يهيمن عليه البيض”. وتشهد الجدة عملية القتل . ويتحدث التقرير عن الفقر والبؤس في حياة هاتين المرأتين ويقول: هاتان العبدان عاشتا حياتهما كلها على بعد ستة عشر كيلومترا من مدينة سنسناتي . يقولون لنا إن تجار الرقيق في هذه المنطقة رحماء جدا بالعبيد ، وإذا كانوا كذلك فكيف لنا أن نتخيل ما يفعله التجار الرحماء؟ ويختتم كاتب التقرير تقريره قائلا: لا ضرورة للتعليق .

نجحت موريسون في تصوير الرق بكل بشاعته وقسوته بأن سمحت للشخصيات والتفصيلات بأن تتكلم بنفسها عن نفسها دون تدخل من الكاتبة . البطلة هي “سيث” تهرب من مالكها الأبيض في ولاية كنتاكي وتقيم مع حماتها في ضواحي سنسناتي، والظروف التي تفر فيها سيث تجعل منها بطلة حقيقية فهي حامل بابنها الرابع، ويتخلى عنها زوجها في اللحظة الأخيرة ، ومع ذلك ترسل أولادها الثلاثة في عربة متوجهة إلى اوهايو ثم تلحق بهم عام 1855، بعد أن تلد ابنتها دينفر. وعندما ينضم إليها بول دي ، أحد معارفها ، بعد ثمانية عشر عاما يتعرف إلى ظروف حياتها. لقد فر ولداها الكبيران . أما ابنتها الصغرى فتبدو عليها أمارات الانسحاب والعدوان، وأما ابنتها الأخرى فقد ماتت منذ وقت طويل ولكن روحها وذكرياتها تسكن البيت.

فلا شك أن شيئا رهيبا حدث في البيت ، وكثير من الرواية مكرس للكشف عن هذا اللغز. وسيث غير متعاونة في عملية الكشف ، فهي تريد أن تنسى الماضي ، وهي تعتقد أن مهمتها في المستقبل هي نسيان الماضي، ولكنها لا تفلح في هذه المهمة. وفي يوم من الأيام تفاجأ بزائرة اسمها محبوبة. وهو الاسم الذي أطلقته على ابنتها، فنكتشف أن هناك مبررات فلسفية وإنسانية للقتل. لقد كان أمام سيث خياران: إما أن تقتل ابنتها أو أن تقبل بأن تعيش الطفلة في ظل العبودية . إن مثل هذه الخيارات الصعبة عنصر أساسي في الفن الروائي العظيم ، وهي تذكر بالأزمات المعقدة التي تمر بها شخصيات شكسبير والكتاب الإغريق القدامى. إن اهتمام توني بمثل هذه الأزمات المعاصرة هو الذي جعل رواياتها، بالإضافة إلى أنها فن رفيع ، تاريخا اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا لمشكلة السود وأمثالهم من المضطهدين في العالم.

وتبرز الرواية المفارقات الكبيرة في حياة أشخاصها: فهم يبتسمون عندما يشعرون بالحزن، ويتوقعون إلى الموت “فالبطلة التي قتلت ابنتها تقول: لو لم اقتلها فإنها كانت ستموت، وهذا ما لا أحتمله قط” ، والحياة الطيبة هي الحياة التي يعيشونها في الظلام، لأن النهار بشمسه ودفئه يذكر بالعمل المضني تحت إشراف البيض: “اجتمع الواحد منهما بالآخر أيام الأحد فقط منذ سنوات طويلة، وما عدا ذلك كانا يتحدثان ويتلامسان ويأكلان في الظلام ، ظلام ما قبل الفجر وما بعد غروب الشمس. لذلك كان نظر الواحد منهما في وجه الآخر صباح يوم الأحد متعة حقيقية. كان هال ينظر إليها وكأنه يريد أن يختزن في ذاكرته ما يراه منها في ضوء الشمس ليعوض عما رآه من ظلها في باقي أيام الأسبوع” .

خاتمة :

هناك من يقول أن الأدب مكرس للأدب والفن للفن ولكن الحقيقة الراسخة دائما هي أن الأدب لا يمكن أن ينجو من السياسية ومن القضايا الكبرى .الرواية كانت دائما تأريخا خياليا وسجلا جميلا للألم البشري ولم تكن في يوم من الأيام منفصلة عن الواقع بل كانت لصيقة بالألم والهم البشري وسجل البشرية مليء بالألم والحكايات المحزنة للروائيين في أكثر مكان من العالم في الشرق والغرب والجنوب. يبقى أن نذكر القارئ الكريم بما يفعله الإرهاب في بلدي سورية وهناك من قتل أطفاله حتى لا يقع أسيرا في الفك المفترس للإرهاب الذي لا يرحم . سيأتي يوم ويروي التاريخ الأدبي حكايات مأساوية أرتكبها الإرهاب بحق السوريين على اختلاف ألوانهم في تصرفات يندى لها جبين الإنسانية .

لا تعليقات

اترك رد