ايران وامريكا ، والنفعية المتبادلة .. وجهة نظر امريكية !!


 

الأمر الذي يجمع حوله المراقبون ، ويتم الترويج له على نطاق واسع ، هو ان ادارةٍ ترامپ لاتمتلك ستراتيجية واضحة متكاملة حول صورة الشرق الوسط ( اقليم شرق المتوسط ) الذي تريده ، وباستثناء تصريحات وتغريدات الرئيس ترامپ ، كما يقال ، فأن الإجراءات الامريكية في مناطقه الساخنة لم تشهد غير تدخل محدود ضد الاصولية الاسلامية التي توصف بالارهاب ودعم يشوبه التردد للأكراد ؛ ربما فات المراقبون ملاحظة ان الإدارات الامريكية عادة لاتحمل معها ستراتيجيات جديدة بل يقتصر التجديد ان حصل في السياسات التنفيذية ، وان للولايات المتحدة ستراتيجية بعيدة المدى بشان المنطقة تم تطويرها بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة تضمنت عناصر قديمة واُخرى اقتضتها الظروف العالمية الجديدة واعادة تصنيف وترتيب مصادر التهديد لمصالحها كما سنرى .

ان عدم التدخل المباشر في صراعات المنطقة والاكتفاء بوجود عسكري محدود هو النمط الذي اتخذته الستراتيجية الامريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى غزو العراق عام ٢٠٠٣ ؛ تدخلت الولايات المتحدة عدة مرات قبل ذلك في صراعات المنطقة بالقوة العسكرية دون بقاء كثيف دائم . لقد عولت على حلفائها لتأمين مصالحها مثل ايران الشاه والسعودية ، وبدرجة اقل اسرائيل ، وتركت النظام الاقليمي ليتخذ شكله وفق توازنات القوى في المنطقة ، وقد حال ذلك دون طغيان قوة اقليمية منفردة بشؤونها . كانت الحرب العراقية – الايرانية مثالاً نموذجياً لذلك ؛ خلال تلك الحرب تم توظيف القليل من القدرات الامريكية بشكل شحنات محدودة من السلاح لايران وبعض المعلومات الاستخبارية للعراق كانت كفيلة بضبط إيقاع الحرب على مدى ثمان سنوات حتى عادت كفة العراق للرجحان بعد معركة ” الحصاد الأكبر ” { تعرف شعبياً في العراق بمعركة نهر جاسم } حول البصرة اوائل عام ١٩٨٧التي قصم فيها ظهر الجيش الايراني ؛ برز بعدها احتمال عودة القوات العراقية لاحتلال مناطق واسعة في اقليم خوزستان ( عربستان ) الذي يحوي معظم احتياطات ايران النفطية وتسكنه أغلبية عربية بما يهدد بتفكيك ايران ، فتم التحرك سريعاً مع السوڤيت لانهاء الحرب للمحافظة على شكل النظام الاقليمي القائم { أعلن العراق تهديداً مماثلاً قبل انتهاء الحرب ببضعة شهور اذا لم تنسحب القوات الايرانية من القاطع الشمالي حتى الحدود الدولية ، وقد نفذ الجانب الايراني وانسحب . كان المراقبون يرجحون اجتياحاً عراقياً لابعاد القصف المدفعي عن البصرة وتشكيل عامل ضغط على الجانب الايراني في ظروف عسكرية واستراتيجية مستجدة لانهاء الحرب } .

كان انتهاء الحرب الباردة إيذاناً بظهور ستراتيجية جديدة ؛ من اهم البنود فيها أعلان الاسلام عدواً حضارياً – ثقافياً ووضعت سياسات تنفيذية تتضمن ، من بين امور عديدة ، ترويج صورة الاسلام مرادفاً للارهاب لتسويق آية سياسات او حملات عسكرية يقتضيها هذا التوصيف { ظن الكثيرون ان ذلك كان مقصوراً على الكتاب ومراكز التفكير على غرار كتاب ” صراع الحضارات ” لصامويل هانتنغتون الذي مهد له بمقالة تحت ذات العنوان في مجلة فورين افيرز منتصف عام ١٩٩٣، ثم نكتشف اليوم انها كانت سياسة رسمية وما كان ينقصنا هو صراحة ترامپ لكي نفهم الامر على وجهه الصحيح } ، والعمل على اشغال العالم الاسلامي بعضه ببعض وكانت قضية الصراع التاريخي الشيعي – السني العسكري المسلح ، الذي توقف مع إلغاء الخلافة الاسلامية العثمانية عام ١٩٢٢ ، هي الاقرب منالاً والأقل كلفةً من خلال احياء طرف طائفي فاعل يعيد احياء الموضوع ، وكانت الضالة هي نظام ولاية الفقيه ومبدأ تصدير الثورة الاسلامية بنموذجها الشيعي الذي سخرت له ايران كل طاقاتها وكل زخم العنجهية القومية الفارسية . كان لابد من ازاحة السد الذي يحول دون ذلك وهو العراق ورسوخه بهذه الصفة بعد حرب الثمان سنوات . لقد بدات الحملة لتعبئة الرأي العام الغربي ضد العراق اثناء وبعد انتهاء الحرب مباشرة ، لقد كنّا في جهاز العمل الدبلوماسي العراقي نلمس ذلك ؛ جاءت بعض الاحداث لتوفر الذريعة للتدخل لإزاحة العراق وفي ذروتها قضية الكويت . توافقت هذه الرؤية مع أخريات من داخل المنطقة فجاءت ملبية لتطلعات يهود وعرب وعجم .

لكن السؤال المهم هو : كيف يتم تسويق ايران وجعلها مقبولة في الإدراك الامريكي العام The American Common Sense رغم الخطاب السلبي المشتعل المتبادل بين الطرفين على المستوى الرسمي خاصة بعد أزمة الرهائن ؟ والاهم من ذلك لماذا ؟! ماهي الأدوات المستخدمة في ذلك ؟! ينبغي ان نتذكر ان كل ذلك كان يحصل والعالم في خضم الدخول في حقبة مابعد الحرب الباردة اثر اجتماع ريغان وغورباتشوف في ريكيافيك ؛ لم يتفق الطرفان على قضية الحد من التسلّح النووي ولكن الانطباع الذي ساد العالم هو ان عصر المواجهات بين المعسكرين قد انتهى .

قبل الخوض في التفاصيل فانه ينبغي ذكر حقيقة أساسية حول السياق العام لهذه العلاقات وفقاً لوثائق منشورة ؛ منذ اللحظة الاولى لوصول خميني الى پاريس نشأت بين الخميني وعدد من مساعديه المقربين من جهة ، وأهمهم صادق قطب زادة وصادق طباطبائي ، وبين الادارة الامريكية اتصالات منظمة ومن خلال قنوات متعددة من الجهة الثانية ، وقد كانت موضوعات الحديث تدور حول مستقبل ايران ومستقبل العلاقات بين الطرفين . ظلت قنوات الاتصالات قائمة بعد قيام نظام الجمهورية بقيادة خميني وقد انحصرت دائرة الاتصالات بعد الثورة في دائرة ضيقة من المعممين المقربين من خميني من الجانب الايراني وفقاً لما يذكره بني صدر اول رئيس جمهورية إيراني ، ومن الجانب الامريكي كانت الاتصالات تتم من خلال دائرة ضيقة من پيروقراطيا البنتاغون ، عملت تحت تسميات مختلفة كما سنرى ، اضافة الى قناة الاتصال الدبلوماسي من خلال وزارة الخارجية في واشنطن والسفارة السويسرية في طهران ، وفي بعض الاحيان كان الرئيس الامريكي يقوم بتكليف احد من المساعدين المقربين كما حصل في قضية ايران غيت ثم بعدها التنسيق الرسمي حول الحرب على العراق ؛ في الاولى تم تكليف مستشار الامن القومي ماكفارلين ومايكل ليدن الذي كان يعمل في البنتاغون وفي الثانية تولى خليلزادة تلك المهمة من خلال الممثليات في جنيف ؛ والخلاصة ان الاتصالات المباشرة وغير المباشرة لم تتوقف على الإطلاق بين الطرفين ، في الوقت الذي كان فيه الامريكيون يرفضون لقاء او سماع اي طرف عراقي او مكلف من الجانب العراقي بعد أزمة الكويت وحتى الاحتلال ، رغم ان بعض المسؤولين العراقيين كانوا يملكون علاقات شخصية طيبة مع أطراف امريكية عديدة وقد كانت المقاطعة الامريكية لاي حوار مع الجانب العراقي ، سري او معلن ، امر غير مسبوق في العلاقات بين الدول التي تعترف ببعضها .

نعرف ايضاً ان الاتصالات كانت مستمرة بين ايران والولايات المتحدة خلال المفاوضات النووية من خلال حضور ممثل امريكي لدورات المفاوضات الرسمية او من خلال المفاوضات الثنائية السرية التي تمت برعاية عُمانية منذ ٢٠١٢ وحتى عقد الاتفاق في ٢٠١٥ . ومن التاريخ القريب نعلم ان نوافذ الاتصال الامريكية لم تغلق في وجه احد بما في ذلك العدو اللدود كوريا الشمالية ولم يستثنى من ذلك سوى العراق .

حملت لغة العداء التي تسود الخطاب الامريكي الخاص بايران منذ عام قيام الجمهورية الاسلامية الكثير من المفاهيم والمعاني السيئة : احد أطراف محور الشر ، دولة داعمة للارهاب ، اصولية دينية متطرفة ، نظام معادٍ للسامية ويدعو لإفناء اسرائيل …. والقائمة تطول حتى بلغت ذروتها مع مجيء الادارة الاخيرة برئاسة دونالد ترامب الذي اشهر منذ حملته الانتخابية روحاً من العداء قلما يخلو خطاب له منها ، وهو يتهم ايران بالسعي لامتلاك سلاح نووي رغم توقيعها الصفقة النووي المعروفة التي لاتلتزم بها ايران حسب وجهة نظره ، وانها ليست كافية حتى لو التزمت بها ايران . ايران وفقاً له تسعى للهيمنة على الشرق الاوسط وهي تمثل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها من خلال تأسيسها وتمويلها ودعمها للمليشيات الشيعية المنتشرة في المنطقة ، كما انها تدعم المتطرفين والارهابيين السنة مثل حركة حماس والجهاد الاسلامي وهي في نهاية الامر قوة عدم استقرار يهدد آمن واستقرار المنطقة والعالم . في عهد ترامب بدأ ينتشر على نطاق واسع استخدام مصطلح ( الاٍرهاب السني والارهاب الشيعي ) وهو مصطلح أنتج كما يبدو في الدوائر الاسرائيلية والصهيونية وصار عنواناً في خطاب الادارة الامريكية الجديدة وأركانها . لكن الوقائع على الارض تجري باتجاه اخر . في العراق واصلت القوات الامريكية تقديم الدعم البري والجوي للمليشيات الايرانية خلآل المعارك ضد تنظيم الدولة وقام دبلوماسيوا السفارات والقنصليات الامريكية بتفقد جرحى المليشيات جراء المعارك ؛ وفي سوريا لاتبدو الولايات المتحدة بصدد تقديم الدعم للقوى المناهضة للنظام الذي تدعمه ايران بل ان واحداً من بواكير قرارات ترامب كان إلغاء برامج أعدت من قبل المخابرات والبنتاغون لدعم الجيش السوري الحر . في اليمن تعلن الولايات المتحدة دعمها للتحالف العربي بقيادة السعودية وفي ذات الوقت تتصاعد حملة غير مسبوقة للتنديد بالعمليات الجوية التي ينفذها التحالف باعتبارها المسؤولة عن وقوع اعداد كبيرة من المدنيين ، فضلاً عن استهدافها المنشآت المدنية والمستشفيات . هذه الحملة تجد مكاناً واسعاً لها على الساحة الامريكية بما في ذلك داخل بعض الاوساط الرسمية وفي الكونغرس ، كما يبدو واضحاً ان البحرية الامريكية لاتبذل مايكفي من الجهود لقطع طريق إمدادات السلاح الايراني النوعي الايراني للحوثيين بدليل استمرارهم في إطلاق الصواريخ بعيدة المدى ضد اهداف سعودية ، وتؤكد المصادر الرسمية الامريكية انها صواريخ إيرانية الصنع بل ويقوم باطلاقها خبراء ايرانيون . اما في لبنان فالصورة واضحة وقد سمحت الولايات المتحدة بانزلاق هذا البلد الصغير الى احضان ايران فيما قامت بإرسال قواتها البرية عام ١٩٥٨ اليه معززة بقوة بحرية كبيرة لمنع سقوطه في احضان الناصرية القومية العربية .

ماهي حقيقة الامر اذن بشأن العلاقات الايرانية الامريكية ؟!

عام ١٩٧٩ تمت الإطاحة بشاه ايران نتيجة هبة شعبية شاركت فيها أطراف إيرانية عديدة رغم ان الشاه كان مايزال يحتفظ بقوة كبيرة بامكانها إبقاؤه على عرشه ومع ذلك لم يتمكن من استخدامها وكان ذلك مصدر استغراب السفير الامريكي في طهران حينها ، ثم اتضح ان ضباطاً امريكيين كانوا موجودين في مقرات قيادة الجيش والحرس الإمبراطوري لمنع قيام اي قوة عسكرية بتقديم الاسناد للشاه ، ولم يمضِ وقت طويل بعد قيام نظام الجمهورية الاسلامية حتى بدانا نشهد مناظر تنفيذ احكام الإعدام في قيادات بارزة كانت تحيط بالقيادة الايرانية قبل وبعد تسلمها للسلطة والتهمة هي العمل لصالح المخابرات الامريكية . جرى ذلك وسط موجة من العداء التي أججتها بعض القيادات الدينية ضد الولايات المتحدة واسرائيل ولكنها استهدفت في المقام الاول المحيط العربي المباشر وجرى التركيز على العراق بشكل خاص وتم رفع شعار ” تحرير القدس يمر من بغداد ” وأحياناً من كربلاء ، وكانت ايضاً أزمة الرهائن الامريكيين ، وفي خضم ذلك كما يسجل بني صدر في كتابه ” دوري في الكلام ” لم تنقطع الاتصالات بين بعض الاوساط الامريكية واوساط معينة داخل حلقة رجال الدين المقربة من راس النظام ، كما كشفت شبكة آلبي بي سي عن اتصالات كثيرة كانت تجري بين الخميني ومساعديه المقربين مع اوساط الادارة الامريكية حتى قبل وصوله للسلطة وكانت في مجملها تحمل تطمينات بان اسقاط الشاه لن يعني العداء مع امريكا وتجلى كل ذلك واضحاً في إمدادات السلاح خلال الحرب مع العراق فيما عرف بايران غيت .

مع ادارةٍ كلنتون منتصف التسعينات تم اعتماد سياسة جديدة تبنتها الادارة الامريكية تحت مسمى الاحتواء المزدوج تجاه ايران والعراق الذي كان موضوعاً تحت نظام العقوبات الدولية المعروف . لكن نظرية الاحتواء المزدوج التي هندسها مارتن إنديك اليهودي الصهيوني ميزت بين العراق وايران ، وتم على اساس ذلك اعتبار القوة العسكرية والضربات الجوية والصاروخية وسيلة لاحتواء العراق فيما دعت السياسة الجديدة الى احتواء ايران عن طريق العصا والجزرة ، اي الضغط من خلال العقوبات ثم العمل على التفاهم . في ضوء ذلك تم لاول مرة تخفيف العقوبات التجارية التي فرضت اثر أزمة الرهائن ورفع الحظر الجزئي عن استيراد بعض السلع الايرانية من قبل الشركات الامريكية مثل السجاد والفستق وهي من مواد الصادرات الايرانية المهمة ، كما كانت شركات النفط تُمارس اشكالاً متنوعة من الالتفاف حول نظام العقوبات عن طريق أطراف ثالثة وكانت عملية مكشوفة ولكن اوساط الادارة غضت الطرف عنها ، وكان التركيز يدور حول العراق الذي اعتبرته الاوساط الصهيونية في كل من الولايات المتحدة واسرائيل المعوق الرئيس لإمكانيات تحقيق تسوية لازمة الشرق الاوسط ؛ لقد صدر بالفعل قانون تحرير العراق ورصدت له ميزانية تقدر بحوالي مائة مليون دولار استحوذت الاحزاب الشيعية العراقية المرتبطة بايران على حصة الأسد فيها بل ان اجزاء من هذه المبالغ ذهب لتمويل بعض عمليات المخابرات الايرانية شمالي العراق من خلال احمد الچلبي ( وفقاً لمعلومات مصدرها وكالة المخابرات المركزية الامريكية التي انخرطت مع الچلبي منتصف التسعينات وعناصر المخابرات الايرانية في جهود هدفها انشاء حكومة عراقية بديلة شمالي العراق ) ، فيما ذهب قسم اخر لتمويل فبركة التقارير حول أسلحة الدمار الشامل على يد ذات الاحزاب الشيعية وتولى ادارةٍ العملية كل من عبدالعزيز الحكيم واحمد الچلبي .

قبل الغزو الامريكي للعراق جرى التنسيق بين القيادة الايرانية من خلال المخابرات ووزارة الخارجية الايرانية بشكل منفصل من جهة وكل من البنتاغون والبيت الأبيض .

تشكل في البنتاغون جهاز جديد سمي مكتب العمليات الخاصة الذي ترأسه وكيل وزارة الدفاع اليهودي الصهيوني دوجلاس فيث وكانت مهمته تنسيق واعادة صياغة تقارير المعارضة العراقية الشيعية المرتبطة بايران والتي كان يتم اعداد البعض منها من قبل الموساد الاسرائيلي ثم يقوم مكتب العمليات الخاصة بفرضها على المخابرات الامريكية باعتبارها معلومات واردة من اوساط عراقية موثوقة او من مصادر استخبارية صديقة . واقع الحال بالنسبة لهذا النشاط هو انه كان يتم في روما لفترة ثم انتقل الى پاريس بعد ذلك من خلال خلية تضم ممثلاً عن المخابرات الايرانية هو منوچهر قربانفر وممثل عن دوجلاس فيث هو مايكل ليدن اليهودي الصهيوني الذي يسود الاعتقاد بانه كان يعمل لصالح الموساد رغم انه لم يُتهم رسمياً لكن احد مساعديه في تلك الاتصالات حكم بالسجن بتهمة التجسس لصالح اسرائيل . كانت الاجتماعات تضم ايضاً ممثلين عن المعارضة الشيعية ( الچلبي والحكيم ) وقد تم تزويد البنتاغون والموساد بحوالي ٤-٥ آلاف صفحة من المعلومات السياسية والاستخبارية عن العراق وما يتعين عمله بعد الاحتلال والذي تحقق بعد الاحتلال كلمة كلمة وفقاً لتعبير ممثل المخابرات الايرانية فيما بعد .

اما البيت الأبيض فقد قام بتكليف خليلزادة بالاتصال بالجهات الدبلوماسية الايرانية قبل الاحتلال وأبلغهم بالقرار الامريكي بالحرب على العراق ؛ وفقا لما ذكره خليلزادة في كتابه ( المبعوث ) فانه قابل العديد من كبار الدبلوماسيين الايرانيين ومنهم محمد جواد ظريف الذي قدم بعض المقترحات حول كيفية ادارة شؤون العراق بعد الاحتلال ، ومنها مقترح يشبه الى حد كبير برنامج اجتثاث البعث الذي تم اعداده قبل سنة من ذلك التاريخ بشكل سري في مكتب الخطط الخاصة في البنتاغون ، وتم تكليف پريمر بتطبيقه بعد صدور قرار الرئيس بوش بحصر ملف العراق بالبنتاغون ورفع يد الخارجية ووكالة المخابرات الامريكية . كان اعلان قرار الاجتثاث مفاجأة للبيت الأبيض حسبما يذكر خليلزادة ولكنه كما يبدو لم يكن مفاجأة للاسرائيليين ولا للايرانيين الذين عرفوا كيف يستثمرون في الفراغ الذي ولده القرار .

حين علمت ايران بقرار الحرب قامت بتكليف السفير السويسري الذي يرعى المصالح الامريكية للقيام شخصياً بنقل رسالة هي عبارة عن عرض شامل لتطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وايران بعد تحسن كبير شهدته عقب الغزو الامريكي لافغانستان وما أعقبه من مؤتمر وطني افغاني عقد برعاية ألمانية – امريكية لعبت فيه ايران دوراً كبيراً لإيصاله الى تشكيل النظام السياسي الافغاني الحالي الذي همش الأغلبية الپشتونية لصالح تحالف اقليات الشمال والغرب . لقد بعثت ايران بعد أبلاغها بقرار الحرب على العراق بالرسالة التي اشرت اليها لكن وزارة الخارجية الامريكية رفضت التعامل معها لعدم قناعتها بجدية العرض الايراني الذي وصل في فقراته الى ابداء الاستعداد لتفكيك الجناح العسكري لحزب الله وإيقاف الدعم للفصائل الفلسطينية المسلحة وتطبيع العلاقات على جميع المستويات مع الجانب الامريكي ، لكن موقف الخارجية الامريكية اثار موجة من النقد داخل اوساط الادارة وبعض اوساط الاعلام . كانت تلك بداية الضوء الأخضر الامريكي لاندفاع ايران الى قلب المنطقة العربية مع تهديدها للكيانات القائمة وللهوية في عموم منطقة المشرق العربي .

اعتقد ان ماعرضته أعلاه يغطي المفاصل الاساسية التي شهدتها العلاقات الامريكية – الايرانية منذ قيام نظام الجمهورية الاسلامية وحتى الوقت الحاضر ، وقد سبق لي كتابة العديد من المقالات الموثقة المفصلة بشأن ذلك ولا اود الإعادة والتكرار وهي مازالت منشورة على صفحتي في الصدى.نت . لكن الامر المهم الذي وددت لفت النظر اليه هو هذه المفارقة العجيبة المتمثّلة في الخطاب التهديدي الذي يتبادله الطرفان فيما لانرى على الارض اجراءات عداء بذات القدر ، بل نلمس في الكثير من قضايا المنطقة المهمة تعاوناً وتنسيقاً وأحياناً تواطؤاً .

بعيداً عن الحساسيات الطائفية واستجابة لضرورة تثبيت الحقائق ومن خلال المفردات التي يستخدمها الطرف الامريكي على الاقل نلاحظ ان هنالك وضعاً اقليمياً في منطقتنا يستجيب بشكل واضح مع توجهات وستراتيجيات قوى عظمى وكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا وقوى اخرى رغم صراع النفوذ وتعارض الكثير من المصالح فيما بينها ، لكنها تلتقي لتثبيت وجود طائفي شيعي مسيس في قلب الشرق الاوسط وتحديداً بين سواحل المتوسط حتى أفغانستان ، وان كان من خلال سياسات تنفيذية تبدو متعارضة . تم فرض أقلية الهزارة الشيعية الافغانية على الساحة السياسية الافغانية متحالفة مع ما يسمى تحالف الشمال الطاجيكي – الأوزبكي لتنحية الأغلبية الافغانية الپشتونية السنية بحجة محاربة تطرف طالبان في الوقت الذي لاتشكل فيه طالبان سوى نسبة محدودة من هذه الأغلبية ، وتحت ذات الشعار جرت محاربة وعملية تهميش قوى فاعلة ذات وزن على الساحة السياسية والجهادية الافغانية والتي كانت من ابرز القوى التي ساهمت في تحرير أفغانستان من الاحتلال السوڤيتي . يمثل الحزب الاسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار احد هذه الرموز الى جانب اخرين يتم اتهامهم بالتطرف والارهاب لانهم يدعون الى خروج القوات الأجنبية بقيادة الولايات المتحدة والتي تم تأمين وتنسيق وترتيب وجودها في مؤتمر المصالحة في المانيا والذي لعبت فيه ايران الدور الحاسم . في العراق تم استبدال نظام علماني باخر قائم على المحاصصة الطائفية ، وفي سوريا يرفع جميع المتدخلين الدوليين شعار حماية الأقليات من طغيان العرب السنة ووصل الامر بالروس لإعلان معارضتهم الصريحة لحكم سُنّي ولاتتجاوز رؤيتهم لسوريا الرؤية الامريكية والغربية حتى وصل الامر الى رغبتهم في عقد مؤتمر المصالحة في سوشي تحت اسم ” مؤتمر الشعوب السورية ” .

يتم تناسي العديد من الاعمال الإرهابية التي تقوم بها ايران في قلب منطقة الخليج العربي وسقط جرائها عدد من الضحايا الامريكان ومع ذلك لانجد تجييشاً ضد ايران لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الإعلامي الذي غالباً مايجري الموقف الرسمي وفق اتجاهاته . مامن امريكي واحد يمشي في الشارع الا ويعرف ان أغلبية منفذي هجمات سبتمبر كانوا من السعوديين ، ويمكننا تعداد كم الإجراءات التي اتخذت ضد السعودية بشأن ذلك وآخرها قانون جاستا ، ولكن كم من الامريكيين يعرفون ان قتلاهم في حادثة تفجير الخبر كانوا ضحايا عمل ارهابي إيراني ، وقليل من الامريكيين من يتذكر الان ان حوالي ٣٠٠ قتيل امريكي من قوات المارينز سقطوا جراء تفجيرات قام بها حزب الله اللبناني الايراني تكويناً وتمويلاً وتسليحاً في بيروت . كم من الامريكيين يعرف ان قيادات إيرانية عليا هي موضوع مذكرات طلب اعتقال من قبل السلطات القضائية الألمانية والفرنسية بسبب ضلوعهم في عمليات ارهابية واغتيالات للمعارضين السياسيين على الاراضي الألمانية والفرنسية وعلى رأسهم آية الله علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الاسلامية .

في مذكراته يذكر دوجلاس فيث وكيل وزارة الدفاع الامريكية إبان غزو العراق ان تقارير مبكرة وردت اليه تشير الى تسلل قوات ومليشيات عراقية ترعاها ايران واخرى إيرانية الى داخل العراق وسيطرت على شريط حدودي من الشمال الى الجنوب دون ان يتم اتخاذ اجراءات ضدها ، ويؤكد السفير غالبريث الذي عمل ضمن سلطة الائتلاف المؤقت ان فيث كان يقدم شهادات كاذبة بشأن ذلك امام الكونغرس ويؤكد للمشرعين الامريكيين ان كل شيء تحت السيطرة ، ثم انتهى الامر بان وضع العراق تحت احتلال إيراني – امريكي مزدوج ، وان ايران كانت تقوم تحت سمع وبصر القوات الامريكية بتشكيل وتدريب وتسليح المليشيات المسلحة التي يعلي ترامپ صوته اليوم بشأنها واصفاً إياها بالإرهابية ، لكنه ينسحب أمامها من العراق رغم صرخاته الكاذبة بانه يريد تحديد نفوذ ايران في المنطقة .

المقال الذي أقدمه كتبه الپروفيسور ولي نصر عميد معهد پول نيتز للدراسات الدولية المتقدمة التابع لجامعة جونز هوبكنز المعروفة وهو إيراني – امريكي ؛ ومضمون مقالته يعكس نمط الخطاب الذي يستخدمه اللوبي الايراني في الولايات المتحدة . والملفت ان تقوم مجلة فورين افيرز بنشره في عددها المطبوع لشهري اذار ونيسان لهذا العام . قليل من الناس من يعرف حجم النفوذ والتأثير الذي يتمتع به اللوبي الايراني في الولايات المتحدة ؛ انه لوبي كبير وفعّال كما يضم اطياف متنوعة من الملكيين والعلمانيين القوميين والإسلاميين ورغم تباعد رؤى هذه الاطياف الا انها تفهم ان النظام السياسي شيء وايران شيء اخر ، وان الترويج لايران ومواقفها المستجدة منذ مطلع هذه الألفية يخدم المصالح الوطنية العليا لايران وتعتقد ان مزيداً من الانفتاح الامريكي على ايران يضيف رصيداً وقوة لجناح المعتدلين في النظام الايراني الحالي ويحسن من فرص زيادة نفوذهم في السياسة الايرانية الخارجية والداخلية وقد يؤدي في النهاية الى تفكك خط المتشددين . اغلب الناشطين في هذا اللوبي هم من الذين درسوا وتخرجوا في الجامعات الامريكية ويفهمون كيف يعمل النظام السياسي الامريكي ولديهم قنوات اتصال مع السلطات الايرانية يقدمون من خلالها المشورة والنصح وهناك مايبحثون على الاعتقاد انهم مؤثرون في قرارات الحكومتين الايرانية والأمريكية على حد سواء ونشاطهم يقلل من امكانية وقوع مواجهات حادة بين الجانبين ؛ يتخذ هذا اللوبي من مراكز الأبحاث المتخصصة بالشؤون الايرانية في اهم الجامعات الامريكية نقاط انطلاق للتأثير في صياغة الرأي العام في اوساط المشرعين والأكاديميين والاعلاميين . غير ان المقال يعتبر من جانب اخر وجهة نظر امريكية يمثلها مجلس العلاقات الخارجية الامريكي احد اهم مراكز التفكير الامريكية ، ان لم يكن أهمها ، وقد شكل دوماً معيناً للقيادات السياسية لمختلف الإدارات فهو يمثل التيار الرئيسي لنمط التفكير الامريكي بشأن السياسات الخارجية . قد يبدو متبايناً مع نمط الخطاب الذي تتبناه ادارةٍ ترامب ، لكن القاعدة هي خطاب المجلس والاستثناء هو خطاب ترامپ ؛ ذلك واضح في السياسات التي تنفذ على الارض وتبدو في جوهرها اقرب لتفكير المجلس منها الى خطاب ترامپ خاصة بعد عمليات التشذيب التي طالت ذئاب الادارة مثل بانون وكوشنير واخرين . وجهة النظر التي يعبر عنها المقال تقترب كثيراً من وجهة نظر اوباما التي عبر عنها في لقائه الشهير مع الصحفي الامريكي المعروف غولدبيرغ على صفحات مجلة ( أتلانتيك ) بشأن منطقة الشرق الاوسط وديناميات الاحداث فيها .

{ اخواننا العرب يمولون عدداً كبيراً من مراكز التفكير الامريكية ولكن من اجل الكيد بعضهم لبعض . خلال الأزمة الخليجية تم الكشف عن حقائق مخزية بهذا الصدد ويمكن لمن يرغب البحث في موقع Intercept بهذا الخصوص }

لنتابع …

ايران وسط الانقاض : كيف تستفيد ايران من اوضاع الشرق الاوسط المضطرب

هنالك سبب واحد لعدم الاستقرار والفوضى في الشرق الاوسط بدءاً من الاٍرهاب الى الحرب الأهلية في سوريا والحرب في اليمن ، وهذا السبب هي ايران وفقاً للخطاب الرسمي الامريكي لادارة ترامب .

لكن ايران ليست السبب في انهيار الاستقرار في الشرق الاوسط وان العمل ضد ايران واحتواء نفوذها في المنطقة لن يجلب الاستقرار ، رغم انه يجب الإقرار بان ايران قد استفادت من انهيار النظام القديم في المنطقة والذي كان يشكل عامل احتواء لها ، كما ان بعض سياساتها في المنطقة تمثل تحدياً للولايات المتحدة . لقد اتبتت ايران انها دولة پراغماتية والصفقة النووية خير دليل حيث قدمت الدليل القاطع على ان ايران تحركها حسابات المصلحة الوطنية وليس الرغبة في نشر الثورة الاسلامية . ان استعادة استقرار المنطقة مرهون بإعادة تقييم السياسة الامريكية لتكون اكثر قدرة على ادارةٍ الصراعات واستعادة التوازن .

اعتيادي اكثر مما يمكن تصوره

ان احد اخطاء الغرب هو النظر الى ايران على انها ” قضية ” وليست ” دولة ” ، لكن ذلك تقييم غير صحيح . هنالك في ايران خط من المتشددين الأيديولوجيين وفي ذات الوقت هنالك معتدلون راغبون في التعاون مع الغرب . في السياسة الداخلية يبدو الطرفان في حالة حرب ممتدة ولكن في السياسة الخارجية يتحرك الجناحان وفق اعتبارات ذات طابع قومي وذات صلة بالامن الوطني ؛ هذا التوافق بين الجناحين هو الذي قاد الى الصفقة النووية .

يعتقد السياسيون الامريكيون مثل وزير الدفاع ماتيس ان ايران دولة ثورية تسعى لاعادة صياغة المنطقة من خلال المليشيات والفوضى ومد النفوذ تماماً كما كان يفعل الاتحاد السوڤيتي والصين في بداية تأسيسهما ، ولكن الحقيقة هي ان ايران اقرب الى النموذج الروسي والصيني الحاليين . انها مثلهما تنتهج سياسة تدعو للتغيير ولكن ليس من خلال ثورة ، وان قيادتها اقرب الى نموذج پوتين وتزي جنبنغ من نموذج لينين وماوتسي تونغ .

ان رؤية القيادة الايرانية الحالية لاتختلف كثيراً عن رؤية الشاه . لقد اراد الأخير ايران قوة مهيمنة في الشرق الاوسط والخليج مسلحة نووياً وبجيش متفوق . كانت تلك هي رؤية الجمهورية ايضاً بنكهة ثورية في البداية ثم تنحت هذه الرؤية لصالح الرؤية القومية خلال العقد ونصف الماضيين . الخطاب الرسمي الايراني الحالي خطاب إسلامي لكنه متلبس بنكهة الأساطير القومية القديمة . على شاكلة روسيا والصين فان ايران تستذكر ماضيها الإمبراطوري وتعلن طموحاته في ان تكون قوة كبرى ولكن النظام الاقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة هو الذي يعيق تحقيق هذا الطموح .

ان هذا الطموح الايراني يتزامن مع قلق شديد بشأ ن الامن القومي الايراني . ان القوة المسلحة الاسرائيلية والأمريكية تشكل تهديداً حالياً واضحاً لايران . لقد وضعت امريكا مئات الالاف من جنودها على حدود ايران خلال غزو العراق وافغانستان وقد اعلنت انه سيكون من الغباء اذا اعتقدت إيران انها قادرة على مواجهة تلك القوات ، ولكن سرعان ماوجدت هذه القوات نفسها غارقة في دمائها على يد المليشيات الشيعية والمتمردين السنة الذين قامت ايران بتدريبهم وتسليحهم ؛ لعل ذلك هو السبب الذي يشكل مصدر كراهية ترامپ لايران .

ان العالم العربي يشكل تهديداً مماثلاً بالنسبة لايران . منذ عام ١٩٥٨ وحتى احتلاله مثل العراق تهديداً دائماً لايران ، كما مثل الموقف العربي السلبي تجاه ايران مصدراً للتوترات الطائفية في المنطقة . تخشى ايران كذلك موجة التسلّح في العالم العربي ومستويات الانفاق العسكري المتصاعدة في السعودية واسرائيل والعراق والأردن ولاتحمل ايران في سباق التسلّح هذا غير المرتبة الثامنة في منطقة الشرق الاوسط .

تعتمد أيران لهذه الاسباب ستراتيجية يمكن تسميتها بالدفاع المتقدم ، وتتضمن دعم المليشيات والجماعات المتمردة الصديقة بضمنها حماس وحزب الله ولإهمالها يمثل تهديداً على حدود اسرائيل . ان فلق القد الايراني هو لمسؤول عن ريب وتجيز هذه المنظمات الوكيلة ، وقد ابت حزب الله انه حليف فعال لانه القوة العربية الوحيدة التي سجلت انتصاراً ضد اسرائيل وهو الذي اجبر اسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ وأحبط هجومها في تلك المنطقة .

يمكن قول ذات الشيء عن برنامج ايران الصاروخي ونشاطها النووي قبل اتفاق عام ٢٠١٥ . الهدف هو تأمين مظلة حماية ستراتيجية تماماً كما تفعل پاكستان في مواجهة الهند . ان اي بلد يقدم على مهاجمة ايران سيلقى رداً مدمراً .

ألمحيط المضطرب

قد تبدو ايران بالنسبة للبعض مصدراً للتهديد اكثر من اي وقت مضى ولكن ذلك انطباع غير صحيح اذا ما اخذنا بالاعتبار ان المنطقة تسودها الفوضى منذ عقد ونصف . لقد انهار النظام الرسمي العربي الذي عولت عليه الولايات المتحدة لادارة شؤون المنطقة واحتواء ايران . لقد تظافر الغزو الامريكي للعراق مع الهبّات الاجتماعية العربية لتطلق عنان النزاعات الطائفية والعرقية التي تحولت الى حروب أهلية في بعض الاحيان .

ان وضعاً كهذا قد حسّن من فرص النفوذ الايراني بفعل انهيار مراكز القوة الاخرى في المنطقة . تمكنت ايران من خلال اصطفاف كردي – شيعي في العراق من تشكيل الحكومات وفض الخلافات وتقرير السياسات ، ولذلك تحول العراق الى مركز نفوذ إيراني يفوق النفوذ الامريكي ، وفي سوريا قامت ايران بدمج جهود حزب الله مع متطوعين شيعة في قوة فعالة أحبطت جهود المعارضة مما مكن الرئيس الأسد ان يكون صاحب اليد العليا في الحرب الأهلية ، ومن الطبيعي ان يشكل ذلك عامل نفوذ لايران ؛ وفي اليمن تمكنت ايران من خلال استثمار متواضع توريط السعودية وحلفائها في حرب مكلفة ادت الى تحويل وجهة الموارد السعودية بعيداً عن العراق وسوريا .

من المؤكد ان هنالك ارتدادات سلبية لهذه السياسات الايرانية ومنها دفع سمعة ايران الى التراجع عربياً . الامر الذي كان له دور حاسم في صعود التطرّف السني الممثل بداعش . ولكن هزيمة داعش في الفترة الاخيرة تثبت مدى فعالية ستراتيجية لدفاع المتقدم التي تتبناها ايران ؛ لولا التدخل العسكري الايراني السريع لكانت داعش تسيطر على بغداد ودمشق الان . قد تبدو سياسة ايران الداعمة للمليشيات والجماعات المسلحة شكلاً من تصدير الثورة ولكن على العرب ان يفهموا امراً واحداً : كلما أبدى العرب مواقف عدائية تجاه ايران ، فأنهم سيجدون ايران تتدخل في بلدانهم .

صحيح ان البيئة المضطربة في المنطقة قد تزيد من فرص الصدام الايراني مع الولايات المتحدة . غير ان ايران بعد هزيمة داعش هي اكثر استعداداً وقوة وقد تمكنت قوات الحرس الثوري الايراني من تدريب وتسليح مليشيات شيعية كبيرة بضمنها متطوعين شيعة قدموا من أفغانستان للقتال في سوريا ، فيما يقاتل الحوثيون القوات السعودية في اليمن ؛ هذه القوى مع حزب الله تشكل قوة عسكرية يحسب حسابها ، وعندما تنتهي الحروب في المنطقة ستكون القوى الشيعية قد فرضت نفسها في الحياة السياسية لبلدانها ، وسينتهي دور العرب السنة في التفرد بتقرير شؤون المنطقة { المقصود هنا هم القوميون العرب لان السنّة ليسوا طائفة ولم يقدموا انفسهم كطائفة في العالم العربي مع أغلبيتهم الساحقة وطبيعة توجهاتهم السياسية العلمانية } .

لقد فاقمت المواجهة مع السعودية وقرار ترامپ منع السفر الى الولايات المتحدة المشاعر القومية الايرانية . ان القلق الايراني يتصاعد مع التطورات التي تشهدها العلاقات الامريكية السعودية وخاصة منذ توقيع الصفقة النووية ، ومع قيام ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان بإطلاق تهديداته بنقل المعركة الى داخل ايران عام ٢٠١٧ . لقد اخذت ايران تتعرض للأعمال الإرهابية التي استهدفت في السابق العواصم العربية حيث تعرض الپرلمان الايراني وضريح الخميني لعمليتي تفجير انتحاريين . ان هذه المخاطر المتزايدة المحيطة بايران تمنح ستراتيجية الدفاع المتقدم مزيداً من القبول في داخل ايران . لقد كان قادة ايران يعملون في بداية احداث سويا على اخفاء حجم تدخلهم في سوريا وكانوا يخفون حجم الخسائر ، فيما يفخرون علناً بذلك في الوقت الحاضر .

مما لايمكن نكرانه ان بعض التظاهرات قد انطلقت في ايران اواخر العام الماضي واوائل العام الحالي رددت شعارات معارضة للتدخل في كل من سوريا ولبنان وفلسطين وعلى انفاق الموار هناك ، لكن الحقيقة المؤكدة ان ايران ليست مهددة بالانهيار بفعل مايسمى ” التمدد الإمبراطوري ” ورغم ان الايرانيين يطرحون التساؤلات حول لطموحات الاقليمية لحكومتهم ، لكنهم لايجادلون في أهمية الدفاع عن البلاد ” وان التهديد الذي يمثله المتطرفون السنّة تجاه المدن الشيعية المقدسة في العراق وسوريا ولايران ذاتها ” يشكل مصدر قلق للشعب الايراني . ان الانتقادات لن تزحزح القادة الايرانيين عن مواقفهم وهم يَرَوْن ايادٍ اجنبية وراء التظاهرات وان على ايران ان تظهر قوتها لحماية نفوذها في الشرق الاوسط .

من المباحثات الى المواجهات

لقد أعطت ادارةٍ اوباما الضوء الأخضر لعملية تمزيق النظام الاقليمي من خلال انكفائها في المنطقة . لقد أحجمت عن التدخل في سوريا كما تجاوزت ستراتيجية الاحتواء تجاه ايران من خلال عقد الصفقة النووية ؛ لقد أغضبت هذه الصفقة العالم العربي ولكنها قللت من دواعي تورط الولايات المتحدة في الشرق الاوسط في الوقت الذي تسعى فيه للتخلص من اعباء تدخلها فيه .

من الامور التي اثارت مخاوف العرب هي الصفقة النووية التي افترض العرب انها ستدفع الولايات المتحدة لاعادة النظر في موقفها من ايران وانها ستصرف النظر عن سياسة الاحتواء تجاهها . مافات العرب فهمه هو انه مع تهاوي نظامهم الاقليمي فان هذه الستراتيجية لم تعد ممكنة او لازمة .

من الواضح ان الاتفاقية النووية لم تغير الموقف الامريكي تجاه ايران . لقد عقدت ادارةٍ اوباما صفقات تسلح ضخمة مع البحرين والكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات العربية ، وقد كان ذلك مصدر خيبة امِل في اوساط مؤيدي الصفقة النووية في ايران . لم تكن ايران تأمل في ان ترى انه في مقابل تخليها عن احد اهم اوراقها ترى ميزان قوى التسلّح التقليدي يميل لصالح الطرف الاخر وقد وجد هذا الطرف في ذلك تشجيعاً للمضي في اللجوء الى القوة بدل التفاهم وحرب اليمن مثال في ذلك . لم يكن امام طهران خيار اخر غير مضاعفة برنامج تسلحها الصاروخي .

لقد عادت ادارةٍ ترامپ الى الستراتيجية القديمة بالتحالف مع السعودية . لاتستطيع الولايات المتحدة العودة الى ستراتيجية الاحتواء في وقت اغلقت فيه الافاق امام تحسن العلاقات مع ايران .

اما اعادة بناء النظام الاقليمي العربي فهي غير ممكنة . ان سوريا والعراق تعانيان من حالة تمزق عرقي وطائفي وهما تحت النفوذ الايراني وهذا يعني غياب اثنين من اربعة شكلوا ذلك النظام بعد الحرب العالمية الاولى الى جانب مصر والسعودية . لقد شكل العراق بشكل خاص درعاً ضد النفوذ الايراني ورمحاً في خاصرة ايران .

ينبغي الإشارة الى ان قوة الولايات المتحدة على المستوى الدولي والاقليمي في تراجع وهي لاتمتلك القوة اللازمة لتقليص المكاسب الايرانية او املاء فراغ القوة في المنطقة . لقد تبدَّى تراجع النفوذ الامريكي في فشل امريكا في ثني الاكراد عن المضي قدماً في الاستفتاء حول الاستقلال في العام الماضي في الوقت الذي تمكنت فيه ايران من اجبار القادة الاكراد على التراجع عن فكرة الاستقلال وتسليم كركوك وإجراء تغييرات في القيادة الكردية .

ذات الشي ينطبق على حليف امريكا الرئيسي ونعني بها السعودية . لقد نجحت في تجييش الرأي العام السني المعارض للتدخل الايراني في سوريا وتمكنت بالتعاون مع قطر وتركيا من وضع ايران ووكلائها هناك في موقف صعب من خلال دعم القوى المعارضة للاسد ، ولكن هذا الجهد عجز عن تحقيق هدفه النهائي مع دخول السعودية في الخصومة مع قطر وتركيا ، وفي نهاية المطاف تمكن نظام الأسد من البقاء في وجه المعارضة العربية السنية ، وفي اليمن تمكن الحوثيون من الصمود في مواضعهم في وجه القوة العسكرية العائدة للتحالف الذي تقوده السعودية .

تتبنى السعودية مع قدوم ولي العهد الجديد محمد بن سلمان سياسة مواجهة واسعة النطاق مع ايران . انه يشن حرباً في اليمن ويخاصم قطر ويحاول عزلها وحاول ليِّ ذراع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وإجباره على الاستقالة في نوڤمبر الماضي كما يبحث عن دور في العراق ويحاول استمالة بعض القيادات الشيعية المنشقة مثل مقتدى الصدر ؛ على السعودية ان تتوقع اوقاتاً صعبة وهي تمضي في هذه السياسة ، ولكن على الامير ان يوجه انتباهه الى قضية خلافته لوالده على العرش ، وعليه ايضاً ان ينفذ برنامجاً صعباً وطموحاً للاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية ؛ يريد تنفيذ كل ذلك وهو يتبع سياسة مواجهة مع ايران .

لكن ايران لاتشعر بالعزلة كما تتمنى واشنطن وحلفاؤها . في حزيران الماضي قادت السعودية حملة لعزل قطر دبلوماسياً واقتصادياً على خلفية مزاعم دعمها للجماعات الإرهابية وحركة الاخوان المسلمين ، وكانت النتيجة مزيداً من التقارب بين الاخيرة وايران التي أصبح لها موطئ قدم في السواحل الجنوبية للخليج .

تخاصم السعودية تركيا ايضاً التي يحكمها حزب العدالة والتنمية القريب من الاخوان المسلمين . ان رؤيا التحالف الامريكي – السعودي لاتتوافق مع المصالح التركية وهو امر شجع تركيا على توثيق علاقاتها مع روسيا وايران وتمكن الرئيس اردوغان من استثمار هذه العلاقة الجديدة للتأثير على مجرى الاحداث في سوريا . لقد التقى الرئيس اردوغان كلاً من الرئيس الايراني والروسي في سوشي لتقرير مصير سوريا .
ان الخصومة المتنامية بين الولايات المتحدة مع تركيا تتزامن مع الدخول الروسي للمنطقة وهو امر اساء المسؤولون الامريكيون تقدير حجمه ، وسرعان ما اتضح ان روسيا هي اللاعب الرئيسي على الساحة السورية وانها اصبحت القوة التي لابد من حسابها في المنطقة .

لم يكن بوسع روسيا تحقيق ذلك من دون مساعدة ايران وقد امنت الهيمنة الايرانية على الارض الفرصة لتحقيق هذا النصر الروسي . لقد عمل الجانبان سوياً في أفغانستان وفي اسيا الوسطى والقوقاز لمواجهة النفوذ الامريكي ، وكلاهما ينظر لنفسه على انه خصم للتحالف الذي شكلته الولايات المتحدة لاحتواء ايران . ان روسيا تفهم قيمة ايران ودورها في تأمين طموحاتها بفعل موقعها الجغرافي الفريد وحجم سكانها وموارد الطاقة التي تحتويها اضافة الى شبكة التحالفات والوكلاء التي تمتلكها في الشرق الاوسط .

لقد تمكن الايرانيون والروس من خلال عملهما في سوريا من توثيق علاقات عسكرية واستخبارية مما يمنح ايران القدرة على مقاومة الضغط الامريكي . لقد ادى تراجع ادارةٍ ترامپ عن الصفقة النووية مع ايران الى توثيق العلاقات الايرانية مع روسيا ، وتمكنت من الحصول على أسلحة روسية متقدمة وقد يصل الامر الى توقيع اتفاق دفاع مشترك ، وذلك سيعزز التعاون العسكري والاستخباري ويمنح روسيا الحق في استخدام القواعد الايرانية رغم ان ايران لم تفعل ذلك حتى الان ولكن يبدو ان سياسة الولايات المتحدة تزيد من فرص النفوذ الروسي في المنطقة .

حان الوقت للحديث

لقد اساءت ادارة ترامپ تقدير الموقف في المنطقة . ان محاولة احتواء ايران بمعاونة شركائها العرب هي سياسة خطرة . لاتمتلك الولايات المتحدة قوات كافية في المنطقة قادرة على التأثير في الاحداث في سوريا والعراق ، ناهيك عن محاولة قهر ايران . ان مواصلة السياسة العدائية تجاه ايران ستعيد توجيه موارد الولايات المتحدة بعيداً عن قضايا اكثر الحاحاً مثل المواجهة مع كوريا الشمالية او ردع روسيا والصين . كذلك لاتستطيع الولايات المتحدة التعويل على حلفائها في المنطقة فهم غير قادرين على اخراج ايران من العالم العربي كما انهم عاجزون عن ملأ فراغ نفوذها ان حصل . ان أية مواجهة في المنطقة سوف تستدعي التورط المباشر للولايات المتحدة .

اذا ما افترضنا انه بامكان الولايات المتحدة توفير الموارد اللازمة لاحتواء ايران فان ذلك لن يجلب الاستقرار، لان ايران عامل لايمكن تعويضه لانشاء نظام إقليمي مستقر . ان مواجهة كهذه ستدفع ايران للتصعيد في ستراتيجية الدفاع المتقدم . نتيجة لذلك فان دولاً مستقرة مثل البحرين وقطر والإمارات والأردن يمكن ان تنهار ، اما الدول الضعيفة مثل العراق ولبنان فيمكن ان تغرق في حالة من الفوضى على غرار ليبيا واليمن ، واقل النتائج المتوقعة هو انه سيتعين على الولايات المتحدة ان تتعامل مع الأزمات الانسانية التي ستنجم عن ذلك اضافة الى المنظمات الإرهابية التي ستبدأ من حيث انتهت داعش .

يتعين على الولايات المتحدة ان تفكر في نظام إقليمي لايستبعد ايران وان على واشنطن ان تتعامل مع ايران التي تتطلع للتعاون مع واشنطن وحلفائها بدلاً من دفعها للاستثمار في نظام إقليمي بديل تدعمه روسيا .

من اجل تحقيق ذلك فانه ينبغي للولايات المتحدة التعويل على الدبلوماسية اكثر من القوة وان تبحث عن الطرق الكفيلة بخفض التوترات من خلال التعامل مع ايران وان تبدأ من حيث وصلت اليه الامور بموجب الاتفاق النووي كما ينبغي لها تشجيع التعاون الايراني – السعودي لحل الأزمات الاقليمية بدءاً من سوريا واليمن .

ان التعاون مع ايران يمكنه ان يقود الى حل الكثير من مشكلات المنطقة وارسا اطار لاحلال السلام والاستقرار بعيداً عن روسيا رغم ان ذلك صعب في ظل ماتقوم به ادارة ترامپ . ان البديل عن التعاون مع ايران هو دفع المنطقة الى مزيد من الفوضى .

شارك
المقال السابقهل المرأة حقاً إنسان من الدرجة الأولى
المقال التالىأكرهك
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. مقالة في غاية الاهمية … احسنتم الاختيار وابدعتم في التمهيد …. المؤلم ( العرب يمولون مراكز التفكير الاميركي من اجل الكيد والايقاع ببعضهم )

اترك رد