التشكيل من المسرح الى السينما

 
التشكيل من المسرح الى السينما

أضحت الصورة البصرية لغة العصر وإحدى الوسائل المعرفية التي تحضر بفعالية في المجتمع، وهذه الصورة تقوم على البعد الجمالي في المسرح والسينما بشكل خاص وذلك لأهميتهما كجنس إبداعي لهما حضورهما، وهذا البحث هو دراسة للبعد التشكيلي في المسرح والسينما أو ما يدعى بالسينوغرافيا.

المسرح والسينوغرافيا

المنصة فراغ مفترض لتمثيل الواقع وهي كسطح اللوحة لكنها أي المنصة لها بعد ثالث عمق محدد يتم فيه اختزال المكان الواقعي عبر أخذ مفردات ورموز منه تعبر عن المكان الذي جرى فيه الحدث، حيث لايمكن نقل الواقع كما هو إلى المسرح، إذ يجري اقتطاعات منه وذلك بما يتناسب مع المنصة التي لها طول وعرض وعمق محدد. ويمكن الإيحاء بالفراغ الكبير من خلال استخدام رسوم منظورية على الجدار الخلفي للمنصة. ويمكن القول أن الديكور نقطة هو ارتكاز للنص المسرحي الذي لايكتمل عرضه دون تحقيق شروطه الموضوعية في تكاملها بدءاً من الديكور وحركة الممثل داخل المنصة الى الاضاءه واللون وبقية العناصر. إن نقل النص المكتوب الى نص بصري هو ما ندعوه بالسينوغرافيا أي فن تصميم المكان المسرحي. والسينوغرافيا إضافه جديده للعرض حيث تقدم صوره مشهدية جمالية سواء في المسرح أو الأوبرا، بمعنى آخر هي فن تشكيل فضاء العرض والصورة، وهي نشاط فني يفترض فيه معرفة بالرسم والعمارة والمنظور والصور والألوان والأشكال والحجوم الإضاءة، إضافة إلى القدرة على تحليل العمل لتجسيده. وتعنى السينوغرافيا بتنظيم الفضاء المسرحي لكل النواحي بدءاً من المساهمة في تصميم العمارة المسرحية مما يجعل كل عمل مسرحي بحاجة لرؤية سينوغرافية خاصة به حسب الموضوع الذي يتناوله، وربما يتطلب ذلك خلق مكان مسرحي ينهل من الخيال ممكن له أن لايأتي متطابقا مع حرفية الواقع. ولخلق سينوغرافيا ورؤية بصرية للمسرح لابد من معرفة أدواتها وتقنياتها:

الديكور
التشكيل من المسرح الى السينماالديكور هو جزء من العرض وتجسيد بصري لمكان الحدث المسرحي، أي إخراجه من الكلمات إلى الواقع الفعلي أو الفراغ المرئي لذلك ينبغي عليه، أي الديكور أن يأتي متواشجاً مع المنطوق محققاً حالة تكاملية بين ماهو سمعي وماهو بصري. اذاً فالديكور يشمل اللوحات المرسومة والعناصر المبنيه في الفراغ وكل ما يساهم في تكوين الصورة مبيناً فيها مكان الحدث وزمانه. ويمكن له أن يكون واقعياً تقليدياً وحرفياً في محاولته لمطابقة الواقع وهذا ما يدعى بالديكور الإيهامي، كما يمكن له أن يكون إيحائياً له بوظيفة دلالية ورمزية، وعند تصميم ديكور مسرحي ما تراعى النقاط التالية:

1. وضع مخطط علوي لكتل عناصر الديكور تدرس فيه حركة الممثل كي يأتي تموضع الكتل متناسبا مع حركة الممثل
2. بنقطة ارتكاز لتكوين الديكور تكون مركز ثقل بصري ويفضل ان تكون في الوسط وهي تحمي الديكور من التشتت
3. عدم ترك ثغرات لعين المشاهد سواء على يمين أو وسط أو يسار الصالة
4. تراعى مستويات الديكور المسرحي :
• مقدمة المنصة التي تعبر عن الرؤية الكلية للديكور وتتضح فيه توازنات
العناصر فيما بينها وتوازن العلاقات اللونية للأشكال.
• سطح المنصة أو أرضيتها التي توضع عليها عناصر الديكور.
• الجدار الخلفي للمسرح الذي يعبر عن العمق وما يتموضع عليه من عناصر أو مايشتغل عليه من رسوم وأشياء اخرى.

الإضاءة
الإضاءة عنصر هام في المسرح وخاصة بعد تطور تقنياتها، فهي تخلق احساسات مختلفة في الرؤية البصرية وذلك من خلال توافقها مع الكتلة وحركة الممثل والحالة الانفعالية والدرامية للحدث. وتلعب الإضاءة دوراً في تقطيع الحدث من خلال إنشاء بقع ضوئية، كما تحدد زمان ومكان الحدث يمكن من خلالها توجيه المتلقي وتركيزه على فعل ما. وباستخدام الاضاءة الملونة يمكن القيام بمزج بصري للون يترك انطباعات تخدم النص وهذا ما يمكّن العمل على خلق توافقات ما بين الصوت والضوء والحركة بغية إيجاد تأثيرات نفسية ما كالخوف والحزن وغيرها من الانطباعات.

اللون
تأتي أهمية اللون في الرؤية البصرية للنص في أنه يعطيه بعده السيكولوجي من خلال اختيار الألوان وتجاورها وتدرجاتها، لذلك يتطلب من عامل السينوغرافيا أن يكون ملماً بمسائل أساسية تتعلق بعلم اللون والدلالات النفسية له، لأن اللون له علاقة بالحجم حيث أن لكل لون طول موجي معين وبالتالي تأثير معين. ومن المسائل الأساسية التي تتعلق باللون معرفة التجاور اللوني الذي يمكن له أن يكون منسجماً عن طريق التناقض أو عن طريق التناغم وإمكانية توظيف الألوان الباردة والحارة بتجاورها. كل ذلك يخلق إحساسات معينة يجب أن تأتي متوافقة مع الفضاء المسرحي بعناصره وحجومه، ومع مضمون النص. قصارى القول في بناء السينوغرافيا أنها تتطلب أرضية فنية في فهم الشكل بصرياً وذلك من خلال إحداث وعي تشكيلي لديه حيث ثمة قرابة بين اللوحة التشكيلية والمسرح.

من المسرح إلى السينما
يمكن القول أن السينما مسرح متحرك ليس له متلق مباشر وليس له مكان ثابت كما في المسرح. يستطيع الممثل إعادة المشهد مرات عدة وتستطيع الكاميرا التحكم بالمسافة بين الممثل والمكان والمشاهد، ويمكن تصوير كادر لأدق التفاصيل. بمعنى آخر ما يصعب عمله في المسرح يمكن القيام به في السينما، وتلك الأهمية الكبرى لهذا الفن الذي جاء بجماليات جديدة ورؤى بصرية متنوعة لايتوفر فيها البعد الثالث كما في المسرح إنما يأتي إيهاماً مثل اللوحة التشكيلية. وقد جمعت السينما سبعة فنون كما هو معروف، من هنا تأتي قدرة السينما على خلق عوالم كثيرة، فتستطيع التعامل مع الزمن بمجال أوسع /نهار – ليل/ وتستطيع الذهاب إلى أقدم نقطة في التاريخ، ويمكنها استحضار المستقبل، لكن يبقى المسرح هو الأب الشرعي للسينما. وبقدر ما غاص المسرح في أعماق التجربة الإنسانية تأتي الأخيرة لتغوص أكثر، حيث يمكن من خلال حركة الكاميرا على سبيل المثال أن تظهر الكثير من العوالم الداخلية للإنسان. إذا المسرح يكتسب خصوصيته من خلال مكان وحدث ثابت والسينما تفلت منهما باتجاه خصوصيات ومناخات أخرى.

التشكيل والسينما
التشكيل من المسرح الى السينماثمة تقاطعات مختلفة والفن التشكيلي من حيث بناء الكادر. و السينما كما التشكيل اهتمت بأنسنة الأشياء للتعبير عن المعنى حيث لهذه الأشياء دلالات يمكن استخدامها رمزياً وتعبيرياً. إن كل ماحولنا هو انعكاس لتجربتنا الفردية والجمعية وهو تراكم تجربة يمكن استعادتها في توظيف فني جديد، فعندما يرسم فان كوخ المقهى، والغرفة والحذاء فإنه يعبر عن ذاته وينقل أحاسيسه عبر هذه الأشياء، وعندما يرسم لوحة (حقل القمح والغربان) لايرسم الفنان القمح لذاته بل يرسم الموت الذي يعيشه فان كوخ. بمعنى آخر إن المحيط البصري بعناصره المختلفة يمتلك دلالات لاتحد يمكن لها أن تتوظف فنيا سواء في السينما أوالتشكيل. من هنا تأتي أهمية إدراك الأشياء بصرياً ومعرفياً،حيث يتجاوز ذلك الإدراك المعطى الظاهري والمحسوس وهو أي الشيء أو الشكل يأخذ وجوده الموضوعي والقياسي بمعزل عن أي تفسير. إنه وجود قائم في الواقع وحقيقة قائمة في ذاتها. لكن المسألة الأهم هنا ليست في هذا الوجود بل في وعينا إلى هذا الشيء بصرياً ودلالياً وحدسياً، وبالتالي يأخذ الشكل معنى مزدوجاً، معنى فيزيائياً ومعنى بصرياً ومعرفياً وحتى خيالياً، وهذا ناتج عن علاقة الذات مع العالم الخارجي والإمكانية التأويلية لهذا العالم. ومن هنا كان القمح في لوحة فان كوخ متخطياً وجوده الفيزيائي. ويندرج ذلك على الكثير من الأعمال الإبداعية سواء في السينما أم التشكيل أم في الأجناس الإبداعية الأخرى. والسينما كما التشكيل لاتحاكي مظاهر الأشياء لذاتها، فهي تبحث عن الباطن وعن الجوانية الخاصة للتعبير عن الحالة الإنسانية. والفارق بين السينما والتشكيل في اختلاف أدوات التعبير، إن البحث السينوغرافي السينمائي لصيق بالحالة المعرفية فالأحاسيس والمشاعر والدلالات الجمالية تظهر ربما من خلال حركة الكاميرا أو الاضاءة، اللون وغيرها. واللوحة تجسد تلك الأحاسيس ربما من خلال ضربة فرشاة وعلاقات لونية معينه على قماش اللوحة. إن كادر السينما يتضمن جملة عناصر تشكل مشهداً لحدث ما في مكان وزمان معين، وهذه العناصر هي:
1. كتلة (أشخاص، بيوت، أدوات)
2. فراغ (الفراغ الموجود بين هذه الكتل)
3. لون (لون الكتلة والفراغ)
4. الإضاءة (التي تجعلنا نراهم)

هذه العناصر كلها لابد أن تكون متوافقة فيما بينها لتجسيد الحدث الذي يجري داخل الكادر وكل حدث له كادره الجمالي الخاص، وكل فيلم له لغته البصرية السينوغرافية الخاصة به.

الشكل الفني للسينما
ظلت الصورة مثار إشكال قديم وحاضر لأنها في تغير مستمر وأكثر ما نلحظ ذلك في الفنون التشكيلية. ومع ظهور المدرسة الواقعية الاشتراكية ازدادت حدة الحوار حول موضوع الشكل والمضمون. إن الذي لاجدل فيه بأهمية الشكل الفني حيث عبره يتم نقل الموضوع وفي الحقيقة لايوجد حدود فاصلة بين المضمون والشكل، إذ أن هذا الأخير كلما ازداد عمقاً، عبر عن المعنى أكثر وهو – أي الشكل – ليس آلية مكررة بل هو في تطور مستمر يتخذ بعداً ذاتياً وهويات مختلفة. ولاوجود لمعنى دون صورة ولايستطيع السينارست عندما يكتب، ألا يتخيل الصورة التي تكتسب أهمية كلما ابتعدت عن التسجيلية والنقل الحرفي للواقع، لأن البعد الجمالي للسينما هو الذي يرفع من سوية الفيلم السينمائي، ولتحقيق صورة متقدمة جمالياً، لابد من أن تكون عناصرها مشغولة بصرياً وخصوصا الكادر- الذي هو وعاء الحدث – والمونتاج والبعد الرمزي للفيلم.

الكادر
الكادر هو مستطيل الشاشة ببعديه يمتلك منظومة بصرية وتكوين فني لعناصر يتم حصرها داخل هذا المستطيل. يجري داخل الكادر الحدث بمكانه وزمانه ويتحكم المخرج في إظهار الصورة بالشكل الذي يريد وبما يخدم المعنى وللخروج بكادر جمالي. يستوجب العمل على بناء الصورة بتوازن وتنسيق بصري متقن ويتخذ الكادر توزعات عناصره حسب طبيعة الحدث ومعناه بغية الوصول إلى حساسية خاصة بالمخرج في التعامل مع التكوين وحركة الجسد والفراغ. إن أشكال بناء الكادر متنوعة عموماً ولاتحد الصياغات الإخراجية للشكل الفني للصورة لكن يجب أن يكون ذلك متوافقاً مع اللون الذي يتخذ معناه حسب طبيعة الفيلم ومضمونه، فيختلف اللون بين فيلم رومانسي وفيلم ينطوي على العنف أو بين فيلم عن حياة الريف وآخر تجري أحداثه داخل المدينة. ويدرس اللون عموماً من خلال خدمته لغايات وأهداف مضمون الفيلم. وما ينطبق على اللون ينطبق على الاضاءه التي تأتي حسب طبيعة الفيلم وإيقاعه، فقد تستخدم اضاءات متدرجة لمشاهد تصور حالة حلمية ما أو شاعرية أو إضاءه جانبية لشخص جاري التحقيق معه، وللتعبير عن الخوف قد تستخدم اضاءه من الأسفل.

إن اللون والاضاءه غير منفصلين عن حركة الكاميرا التي تضفي خصائص تعبيرية شديدة الخصوصية. وفي الحقيقة تأخذ الكاميرا دور العين، عين المشاهد وتأخذه إلى المكان والأشياء وإلى أدق التفاصيل. وحركة الكاميرا تفوق الرؤية العادية فهي تستطيع الانتقال سريعا من مكان لآخر ومن زاوية نظر لأخرى، فعند تصوير حشد من الناس مثلاً، قد تصور من الأعلى وفي لقطة أخرى من الأسفل، وقد تقودك إلى أقدام الناس ليظهر لك بين هذه الأقدام حذاء مثلاً. ولحركة الكاميرا عدة أساليب للتعبير البصري للوصول أكثر إلى عمق التجربة. فعندما تعم الفوضى في صالة أو مسرح قد يقوم المخرج باهتزازات للكاميرا لتضفي الاثاره أكثر، وعند تصوير امرأة تصرخ يستطيع المخرج القيام بارتجاج للكاميرا لتؤدي نفس الغرض. وقد توهمنا الكاميرا بأن هناك أشياء تتحرك لكن في الحقيقة هي التي تتحرك كتصوير سيارة من الأمام أو منزل يهتز. ولإضفاء الأثر التعبيري قد نستخدم أسلوب التصوير التراجعي الذي ينقلك من مشهد لعنصر قريب متراجعاً نحو عناصر أخرى. وأساليب التصوير عديدة كأسلوب التتابع ، التقطيع المتقاطع، التدوير وغيرها.

التقطيع والانتقال
الفيلم هو مجموعة من المشاهد يتم ربطها عن طريق عملية المونتاج والمونتاج هو توليف المشاهد مع بعضها، فكل مشهد هو قطعة مستقلة لكنها تدخل في نسيج الوحدة الكلية للفيلم. والانتقال من مشهد لآخر أصبح عملية هامة لما يمكن ان يمنح الفيلم من تأثير جمالي في حال كانت الانتقالات غير مفتعلة، وقد تكون متسلسلة سردية أومتباينه لكنها – أي الانتقالات – ممكن أن تأخذ أبعاداً كثيرة في توظيفها الجمالي والدلالي، ففي التقطيع والانتقال المتباين والمتناقض يمكن أن نرى مشهداً لشاب وفتاة في لحظة شاعرية ويلي ذلك مشهد لجريمة قتل، مثل هذا التعاكس بين المشهدين كل منهما يؤكد الآخر وقد يكون الانتقال دلالياً، فمن مشهد لرجل حزين ووحيد في الشارع إلى مشهد لعلبة فارغة تدحرجها الريح. ويمكن استخدام التقطيع السريع للتعبير عن حالة ما أو استخدام الأساليب المتداولة : أسلوب التلاشي، إعتام المشهد، والمزج.

إن السينما نص بصري مفتوح لاحدود للجماليات فيه، وهي مثل اللوحة تعكس ذات المخرج في التعامل مع المضمون سواء كان ذلك في أسلوب التصوير وحركة الكاميرا أم في اختيار الكادر المناسب.

لا تعليقات

اترك رد