أبراج عاجية وقصور رملية

 

في رواية نجيب محفوظ ” خان الخليلي ” ، كان بطل الرواية ” أحمد أفندي عاكف” دائم الجلوس على مقهى في الحي، حيث يجلس معه شاب مثقف ؛ قارئ للفكر الماركسي ؛ يتحدث بحماسة شديدة عن قضايا الجدلية والفلسفة المادية وأزمة الطبقات المجتمعية . كان ” أحمد أفندي ” – الموظف الحكومي الأربعيني- مشغولا بحبه لجارته الطالبة في المرحلة الثانوية والتي لم يتجاوز عمرها ستة عشر عاما، فكان يشرد كثيرا عن الكلام الحماسي الذي يتفوه به هذا الشاب المثقف، والذي يحمل كثيرا من التفاؤل المستقبلي ، والتغيير الراديكالي لمصر في سنوات الأربعينيات. ولكن ” أحمد أفندي ” شأنه شأن كثير من الموظفين والعامة ، لا يعي كثيرا لهذا الطرح الإيديولوجي، فكان يتهرب كلما تحين الفرصة من مجادلة هذا الشاب، خاصة أن كل قضية أو سؤال يُطرَح ، كان الشاب يتكلم فيه بحيوية ، وكأن الدنيا ستتغير بعد سنوات قليلة ، وسيكون المستقبل ورديا ، ويصبح المجتمع دون مشكلات.

*****

إذا توقفنا عند صورة الشاب المثقف بكل حماسته ، سنجد أنه يعبر بجلاء عن مرحلة في أعمارنا ، ألا وهي مرحلة الشباب المبكر ، حين تمتلئ النفوس بالعزيمة، وترى الحياة بنظرة مثالية ، فترنو للمستقبل بآمال عريضة ، وتتخيل أن جيلها سيحقق ما عجز عنه الآباء والأجداد ، وأن الوقت في صالحه . وعندما نخرج إلى واقع الحياة، وتتتابع علينا السنون ، ونرى تساقط نماذج من البشر ، ظننا فيهم يوما القدوة والنموذج ، أو نكتشف أن ظروف المجتمع وأحوال الشعب ، ومستوى تعليمه ووعيه تتطلب عقودا وسنوات طويلة ، فالتغيير لن يتم في يوم وليلة ، ولا في عقد أو اثنين، وإنما يحتاج لجهود وإمكانات عظيمة ، قد تعجز عنها الحكومات ، وإن حققتها فإنها لن تكون كما يأمل المثقفون الحالمون . هذه المرحلة يمكن أن نسميها مرحلة “الأبراج العاجية “، التي يكون الفكر فيها منعزلا عن الواقع ، فتكثر الأحلام فيه وتتعاظم الأمنيات ، وكل هذا ناتج عن قلة الخبرة بالحياة والناس والمجتمع وبالمشكلات ذاتها.

*****

عندما كنا في المرحلة الجامعية ، كانت أفئدتنا تمور بالعواطف، وعقولنا مترعة بالأفكار والتخيلات ، وكان لي صديق مثقف ، قليل الكلام ، كثير النشاط، سألته يوما عن المستقبل ، وكيف يتصوره ؟ فضحك عاليا وقال : لقد خططت لمستقبلي، وأفكاري جاهزة ، ومشاريعي قائمة ، فقط أنتظر التخرج من الجامعة، حتى أحقق ما أريد، أنا لست مثلكم ، أتكلم فقط ، وإنما أحلم وأخطط وأزن مستقبلي بعقلي.

سعدت كثيرا بكلامه ، ولكن السنين – كالعادة – هي الخصم والحكم. لقد ظل صديقي هذا ، ولا يزال ، موظفا يتنقل من شركة إلى شركة ، تبخّرت أحلامه تقريبا، أو بالأدق انحصرت في متطلبات الحياة اليومية ، وهموم الأسرة ، وما يمكن أن يجنيه من الوظيفة التي هي أضيق أبواب الرزق ، والغريب أنه صار كثير الكلام، قليل النشاط ، لأنه بات ترسا في ماكينة الحياة العملاقة ، التي تجبرنا على السير في قوانينها ، فمن أبى وتعنت ، فليكن وحده بعيدا عنها ، فهناك ملايين غيره يدورون في فلكها ، ولن يضيرها يوما أن يتخلف عنها واحد أو مئة أو ألف .

وهذا ما يمكن أن نسميه مرحلة ” القصور الرملية ” ، التي تتهاوى فيها الأحلام العاجية ، وتتحدر من عليائها ، لتستقر عند صخور السفح ، وسرعان ما تتحطم وتتلاشى . فهي أشبه بالقصور التي يبنيها الأطفال على شاطئ البحر، من رمال الشاطئ ، ويظلون ساعات يشيدونها ، وعندما ينتهون يضحكون أو يتعاركون، وفي الحالتين يدوسون عليها بأقدامهم ، قبل أن يدوس عليها غيرهم .

*****

هل يمكن أن يظل المثقف حالما ؟

الإجابة تحتمل الإيجاب أو السلب ، بمعنى أنه يمكن أن يظل حالما مادام يكتسب كل يوم الخبرة بالناس والحياة ، ويطوّر رؤاه وأحلامه ، فينزل إلى الواقع ، ويتعامل معه ، ويصبح عنصرا فاعلا فيه ، فيما أطلق عليه الفيلسوف الإيطالي ” غرامشي ” مفهوم ” المثقف العضوي ” الذي يكون عضوا إيجابيا في المجتمع المحلي الذي يعيش فيه ، لا يكتفي بترديد المقولات ، والتعارك في الجلسات ، وإحراز بطولات كلامية ، تنتهي بقطيعة حادة مع الخصم ، أو بالتماهي مع الشخصية الأكثر كلاما.

وإنما يترك كرسي المقهى ، ويقلل من خطبه وتنظيره ، وينزل إلى واقع الناس، يتحمل أذاهم ، ويساعدهم في حل مشكلاتهم ، ويساهم في تطوير حياتهم . عملا بالحكمة المأثورة : ” فعلُ رجل في ألف رجل ، خيرٌ من قول ألف رجل في رجل ” .

وهو يلتقي مع الرؤية الإسلامية ، في قضية التغيير، وإن كانت الأخيرة أكثر رحابة وسعة ، لأنها لا تجعل التغيير مرهونا بالمثقفين والمتعلمين والعلماء فحسب، وإنما تلزم به كل مسلم ، ليكون فاعلا مغيّرا فيما حوله ، ومع من يتعايش معه، مصداقا لقوله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} ( التوبة ، 71 ). ونلاحظ أن الآية الكريمة جعلت الولاية / الحب بين المؤمنين ؛ مقرونا بالتغيير الإيجابي ( الأمر بالمعروف) ، أو منع الأذى والفساد ( النهي عن المنكر ) ، إلا أن هناك آية تحفز أهل العلم والثقافة والفكر للتغيير ، ألا وهي قوله تعالى : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ( آل عمران ، 104).

والأمة تعني الفئة / الجماعة / الطليعة ، التي تدعو للخير أينما وكيفما كان .

*****

يروي لي أستاذ أكاديمي أنه كان يمر في طريقه إلى عمله في مدينته الصغيرة وسط الصعيد ، فيرى عامل النظافة يلقي بالقمامة التي يجمعها في النيل، وكان يتأذى نفسيا بشدة ، فهذا تلوث وتشويه وإفساد، وذات مرة ، لم يتحمل المشهد ، فأمسك بالعامل المسكين فأوسعه ضربا وشتما ، واجتمع عليه الناس ، وسألوه عن السبب، فأخبرهم بعظم الجريمة في حق النيل ، فضحكوا عليه، وكادوا يعتدون عليه ضربا ، لأنه ظلم عامل النظافة .

إننا أمام موقف لمثقف ظل في برجه العاجي ، وحينما أراد التغيير ، أساء التصرف ، ولم تصل رسالته ولا مبتغاه للعامل أو للناس . لأنه ببساطة ، لا يعرف كيف يوصلها ، ولا كيف يتواصل مع الآخرين لتوصيل أفكاره ، إنه يعرف فقط ما قرأه في الكتب : التنظير ، والتفلسف ، والأفكار الكبرى ، التي لا يعيها البسطاء، ولا عامة الناس . فحبذا إن كان ناصحا العامل أن يعطيه بديلا لمكان وضع القمامة أو يتواصل مع المسؤولين ، ليوفروا هذا أمكنة للحرق أو لتحميل القمامة .

*****

تشكل شخصية الشاعر وفنان الكاريكاتير ” صلاح جاهين ” نموذجا لحياة مثقف مبدع ، عاش في الأبراج العاجية ، ثم سكن القصور الرملية .

لقد كتب ” جاهين ” ( 1930 -1986م ) عشرات القصائد والأغاني الوطنية الحماسية، ورأى أن النظام الناصري بكل مقولاته وشعاراته ودعاياته السياسية هو الدولة النموذج والحلم، أو بالأدق أن حلمه قد تحقق ، وأن أبراجه العاجية ماثلة أمام عينيه في الواقع. فلما حدثت هزيمة 1967م ، اكتشف أن الأبراج لم تكن كائنة في الأساس؛ فأصيب بحالة من الاكتئاب المحدود ، وكان أمله أن عبد الناصر على قيد الحياة، وسيواصل الكفاح والحرب ، فكتب أغنيته الشهيرة لأم كلثوم :

راجعين بقوة السلاح راجعين نحرر الحمى
راجعين كما رجع الصباح ..من بعد ليلة مظلمة
جيش العروبة يا بطل الله معك
ما أعظمك ما أروعك ما أشجعك

فلما توفي ناصر ( 1970م ) ، لزمه اكتئاب حاد ، لم يستطع الخروج منه ، فقد تعلّق بشخص واحد ، راهن عليه ، ووضع آماله بين يديه ، فلم يجد أمامه إلا كتابة نوعية جديدة من الأغاني ، تجلت في الفيلم الذي أنتجه ، وغنت فيه سعاد حسني:

خلي بالك من زوزو .. زوزو النوز كمن نوزو
اسمع غناها .. وافهم لغاها
دي زوزو دي كلام هنعوزو

والمفارقة في الأمر ، أن الهزيمة وحالة الاكتئاب ، جعلتا صلاح جاهين في حالة نفسية فلسفية سامية ، فكتب أجمل وأنضج أشعاره ، ألا وهي الرباعيات ، موضحا حال الإنسان وتقلباته، وأن الموت يوحّد بين البشر إن كانوا سعداء أو فقراء :

ضريح رخام فيه السعيد اندفن
و حفره فيها الشريد من غير كفن
مريت عليهم .. قلت يا للعجب
لاتنين ريحتهم لها نفس العفن
عجبي !!!
كما سخر كثيرا من عالم السياسة والساسة ، وأسماها علم اللوع ، فقال :
علم اللوع أضخم كتـــــــــاب في الأرض
بس اللي يغلط فيه يجيـــــــــبــه الأرض
أما الصراحة فأمرها ســـــــــــــــــاهل
لكن لا تجلب المال و لا تصون العرض

عجبي !!!

*****

مشكلة المثقف أنه قرأ وفهم ووعى وحلم ، فشعر أنه ارتقى فوق عامة الناس : غنيهم وفقرهم ، فالأغنياء مشغولون بالمال الذي جمعوه ، والفقراء مهمومون بالكد اليومي ، فالمال عامل مشترك بينهم، وهم غارقون في دنياهم ، لا يخرجون من إسرها ، بعكس المثقف ، الذي خرج مبكرا من إسار الدنيا ، أو بالأدق لم يدخلها بعد، فقد أخذته الكتب ، وشغفته الأفكار، فانشغل عن الدنيا وجزئياتها إلى عالم رحب عال ، نسميه نحن أبراجا عاجية، ويسميه هو : عالم الأحلام . ربما يتكسر ، ولا يستطيع المثقف الصمود كثيرا فيه، فلا يجد أمامه إلا القصور الرملية ، التي يعلم جيدا أنها خاوية هاوية ، ليس لأنها من رمال فحسب ، وإنما لأنها خالية من لذة الحلم ، ولا تعرف معنى الغد ، فمن بناها سيهدمها بنفسه ، أو يتركها لتركلها الأقدام.

*****

يظل الحلم جميلا وإن لم يتحقق ، يكفي أنه يعطينا دفعة تجعل للحياة طعما ولذة، ولكن انتبه ، إذا أردت أن تحلم فعليك أن تهبط من البرج ، وتعيش بين الناس، وما أجمل كلمات أغنية محمد منير ، التي سطّرها الشاعر عصام عبد الله :

لو بطلنا نحلم نموت .. لو عاندنا نقدر نفوت
لو عدينا مرة خلاص .. لو ردينا ضاع الخلاص
حبة صبر ، حبة حماس .. يبقى الحلم صورة و صوت
لو بطلنا نحلم نموت

لا تعليقات

اترك رد