انفلونزا الساسة وحمّى الانتخابات


 

عندما قام العلماء بتلقيح أنثى النمر من ذكر الأسد؛ يا هل ترى ماذا كانوا يتوقعون أن يكون المولود الجديد، هل وضعوا من ضمن احتمالاتهم بأن يكون المولود أرنباً، أم حمامة بيضاء، أم ديك رومي؟

هم لم يضعوا مثل هذه الاحتمالات مطلقاً، على الرغم من عدم معرفتهم الاكيدة لنتائج التلقيح إلا إنهم كانوا على علم يقين بأن المولود الغريب إما أن يكون أسداً وإما أن يكون نمراً مع احتمال علمي ومنطقي ومعقول في أن يكون مزيجاً ما بين الأسد والنمر وقد تطغى عليه إحدى المورثات على الأخرى وهذا اقصى احتمال قد ذهبوا إليه. وكانوا على دراية مسبقة بأنه سوف يحمل شراسة الأسد وقوة النمر ولم يضعوا في جدول توقعاتهم أن يكون حيواناً إليفاً دافئ المشاعر ولن يكون طيباً يجوب الغابة ليطعم صغار الحيوانات، ولن يتخلى عن مورثات امه ومورثات أبيه ولا يستبيح الطرائد ولا ينهش بطن غزال. فلا شيء سيتغير بهذا النسل الجديد من ذاك النسل القديم سوى شكله وحجمه ولونه.

عندما يصاب أحدنا بالأنفلونزا ويرقد في سرير المرض لعدة أيام لا يغير ملابسه الداخلية ولا يغير اغطية السرير ويدثر وجهه بنفس اللحاف وتمضي الأيام ولا يتماثل للشفاء ويشعر بوهن شديد. يذهبون به إلى الطبيب يتكلمون معه مستغربين من عدم تماثله للعافية وحين يقترب منه الطبيب يشتم رائحته النتنة وينظر في لون العرق المتحجر على أطراف ثيابه ويسأل أهله:

· هل غيرتم له ثيابه خلال مرضه؟

فيسارعون بالجواب:

· طبعاً لا، خفنا من أن يزداد المرض عليه.

فيضع الطبيب الكمامة على أنفه وفمه وبصوت مخنوق من خلف الكمامة يقول:

· وكيف تريدون للمريض أن يتماثل للشفاء والفايروس يأكل ويشرب وينام معه، وكيف له أن يتعافى وهو يستنشق نفس البكتريا فتتكاثر معه. اذهبوا وغيروا ملابسه القديمة وأغطيته القديمة واجعلوه يستنشق الهواء الجديد حينها سوف يتعافى مريضكم.

ثلاثون عاماً وأحياناً تصل إلى أربعين عام، والبلد يحكمه نفس الحاكم، بنفس الأسلوب والدورة الدموية في جسد البلد تدور بنفس الدماء القديمة، وبنفس الطريقة التقليدية، وتعمل بنفس النظام؛ فكيف لهذا البلد أن يتجدد دمه ويتغير نظامه وهو لأربعين سنة يدور بنفس الحلقة. نفس الوجه تراه العيون وفي كل الأماكن. الخطابات ذاتها والشعارات ذاتها ولا شيء يتغير سوى التقويم السنوي، في كل عام نفسها الاحتفالات الوطنية، ونفسها القصائد الوطنية والأغاني الوطنية هي نفسها، والدبكة الوطنية نفسها، واللافتات الوطنية هي، هي، والعبارات الوطنية ذاتها؛ فمن أين يأتي التجديد والتغيير لهذا البلد؟

أربعون عاماً والدم المتعفن لم يتغير، وفضاء البلد ملوث ببكتريا الغباء وطوال الأعوام والحاكم يمارس على شعبه سياسية الاستغباء في لعبة الانتخابات، ويسخر من عقول شعبه في بورصة الاقتراع؛ هو المرشح الأول وهو المرشح الثاني والمرشح الثالث والمرشح الرابع فمن أين يأتي المرشح الجديد والدم الجديد والفكر الجديد والرؤى الجديدة؟

وفي الحكم الملكي يتناسلون من أنفسهم ويتصاهرون من أنفسهم ويحكمون البلد من أول التاريخ إلى يوم القيامة بأنفسهم وبنفس السلالة؛ فمن أين يأتي ملكاً من غير سلالة ومن غير دم يكون لبلده ملكاً بعزف منفرد وموسيقى جديدة؟

وفي انتخابات الحكومة الجديدة يذهب الفاسد ليستريح لفترة ويُنتخب الفاسد الجديد لينشر البكتريا الفاسدة ومن ثم يستريح ليعود الفاسد الأول وهكذا دواليك يتناوب الفاسدون على مقاعد الحكومة ولا شيء يتغير لا الوجوه ولا الأفكار ولا الساسة ولا السياسة وكل شيء يدور في حلقة مفرغة والشعب المغلوب على أمره يذهب مجبراً إلى صناديق الاقتراع إما برشوة أو بتهديد وإما مجبراً أخاك العربي لا بطل.

هذا الكلام وتلك الصور تصلح لكل البلاد العربية وهي لا ترمي لبلد دون آخر، نفس المشهد يتكرر في كل البلاد ولا يوجد أي فرق ما بين نظام الجمهورية والنظام الملكي فالنظام الجمهوري العربي هو ملكي في ماهيته ولم يتنح أي رئيس لجمهورية عربية من تلقاء نفسه أو انه يفسح المجال لرئيس غيره إلا بالانقلاب والمعارضة والإطاحة والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة وإلى يومنا هذا ونحن نعاني من ملكية الحاكم للبلد وتمسكه بالعرش فأما البقاء والخلود، وإما أن يُحرق البلد ويهجّر الشعب وإما أن يستباح البلد وتزحف إلى حدوده الثعالب والذئاب وتعم الفوضى ويكثر في البلد الفساد وتتفاقم حمّى الانتخابات ويعود الفاسدون من الخارج لينالهم من الوطن لحسة العسل الكبيرة؛ فلم يعد هناك قانون يحاسبهم وليس هناك قضاء عادل يحاكمهم فالفوضى واعمال الشغب والفساد والنهب تحيط بالوطن من جهاته الأربع. أحزاب تأتي وأحزاب تذهب يمين يفوز ويسار يخسر، وطاحونة الدم تدور والشعب من الجوع معها يدور، يتفشى الجهل وتكبر مساحة الظلام ويتراجع التعليم ويفقد الوطن هيبته.

فلا تتأملوا ولو وهماً أن تتجدد الدورة الدموية للساسة العرب، أو تتجدد دماء ووجوه الملوك والحكام العرب، ولا تأملوا ولو مجازاً بأن تتعافى حكومات الوطن ووزارتها من حمّى الانتخابات الباطلة ومن تكرار الوجوه ذاتها والعقائد ذاتها والايدولوجيات ذاتها؛ والكرسي يدور من حمد إلى حمدان، فلا أحد يأتي سوى حمدان أو حمد.

فمن أين تتجدد ذرات الهواء العربي، وكيف تتعافى الشعوب العربية من سرطان الرئة ومن تلوث الفضاء بالهواء الفاسد ومنذ عقود وهي تتنفس من نفس الهواء الفاسد ولم تستأصل سرطان الحكم الفاسد. كل أنواع الانفلونزا التي ظهرت قديماً وحديثاً وجد لها المضاد والعلاج إلا انفلونزا الساسة وحمى الانتخابات العربية لم ولن يجدوا لها المضاد والعلاج ” فالج لا تعالج”

شارك
المقال السابقالاغلبية السياسية هي فرض الامر الواقع
المقال التالىأبراج عاجية وقصور رملية
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد