واجب قوى التنوير تجاه مهمة التغيير

 

تواصل حكومة الطائفية الكليبتوقراطية مخططاتها بمستوييها: السياسي، عبر مزيد من غرس قيم الطائفية السياسية؛ والاقتصادي، عبر مزيد ارتكاب جرائم النهب ومصادرة الحقوق و\أو إيقاع المواطنين في نكبات كارثية ناجمة عن خطل السياسات العامة وفشل استراتيجياتها المتعمد من جهة والمنسجم مع الاتجاه العام لمنظومة الحكم وطابعها المافيوي الخطير من جهة أخرى..

ولعل أبرز أشكال خطل تلك السياسات يكمن في استمرار سلطات الحكومة بنهج الاقتصاد الريعي من جهة ومن جهة أخرى في حجب فرص إطلاق الاستثمار ودعم موازنات مشروعات الإنتاج بمختلف القطاعات: الزراعية والصناعية والتجارية..

وهكذا تستمر جريمة تعطيل الصناعة الوطنية من جهة وإهمال شديد الأثر على الزراعة، حتى بارت الأرض واضمحلت حصص البلاد من الماء وسادت ظاهرة التصحر، من دون تحريك ساكن تجاه ما يفرضه الدستور من تكليف بواجبات حماية مصالح البلاد والشعب.. يُضاف على ذينك المحورين، استمرار تفاقم العجز في الميزان التجاري مع دول الجوار والعالم، بطريقة لا تنم عن أية توجهات لاستعادة التوازن بخطط سليمة مؤملة…

وفي هذا الاتجاه الكارثي لحكومة الطائفية الكليبتوقراطية، نركز في هذه المعالجة على الجرائم التي ينبغي، اليوم، الانتباه عليها وتشخيصها بدقة وإدانتها والوقوف بوجهها، تلك الجرائم التي تتلاعب بتوزيع الثروة الوطنية على المواطنين فتطيح بمبدأ المساواة بينهم وتُصادر الاستحقاقات التي كفلها الدستور.. وتمعن حكومة الطائفية بسياستها، فترتكب جرائم التمييز بين المحافظات والأقاليم بصورة جعلت كل محافظة وكل جهة إقليمية تضطر لاتخاذ مواقف دفاعية وتمترسات قسّمت البلاد على خنادق متقاطعة من جهة أو أوقعت القيادات في سجالات سلبية المشاغلة، بعيداً عن الطابع الاتحادي واستراتيجيات سياقاته المرسومة دستورياً والمفروضة بحاجات الشعب وطبقاته وأطيافه..

وتصير بهذه السياسة الأزموية المفتعلة، محافظات تطالب بحقوق البترودولار وأخرى تطالب برواتب موظفيها وبإعادة التوازن في الميزانيات التشغيلية والاستثمارية في وقت ينبغي اتخاذ نهج المساواة بين المواطنين بدولة اتحادية تحترم تركيبته وأطيافه وتُصلِح من أوضاع طبقاته وتلبي معالجة الخلل بتوزيع الثروات..

وفي ضوء ذاك النهج المرضي، نجد أوضاعاً مأساوية تغزو إقليم كوردستان حيث يتعرض أهله لحيف مضاعف بخلفية سياسة انتقامية تتخفى بخطط ابتزاز قيادته، والادعاء بأن الحكومة المركزية [ولا نقول الاتحادية] تريد استعادة فرض القانون!!! لكن ما يجري حقيقة ويُرتكَب هو ما يقع على كاهل المواطن المغلوب على أمره من جهة والأنكى يتجسد بما يتابع تعطيل كل المشروعات البنيوية بـ((حصار اقتصادي)) لا يستند إلى أي مبادئ دستورية أو حقوقية لا وطنياً ولا فيما يفرضه القانون الدولي الإنساني ولوائح حقوق الإنسان الأممية…

إنَّ ما يُرتكَب من سياسة قطع المرتبات ومصادر لقمة العيش وأرزاق الفقراء ومن سياسة تعطيل المصالح الاقتصادية وشلّ فرص اشتغال أي مورد يفيد الدخلين الوطني بعامة والمحلي بإقليم كوردستان وبعض المحافظات، هي جريمة بكل أركانها ودلالاتها؛ لأنها سياسة تُديمُ عبثيةَ الإجراءات الحكومية التمييزية ضد شعب كوردستان وعدد من المحافظات من جهة بذريعة معاقبة حكومة الإقليم وقيادته السياسية وبحجج أخرى تجاه المحافظات المشمولة بلعبة حكومة الطائفية!

وأؤكد هنا مرة أخرى، بأنّ تلك الذريعة لا يبررها قانون أو لائحة حقوقية؛ فضلا عن كونها ممارسات تنتهك الدستور وتعتدي بشكل سافر على مصالح الشعب برمته، سواء سياسياً أم اقتصاديا…

إنّ جريمة التمييز الأنكى والأخطر تظل ممثلة في شرذمة الأوضاع وتعريض الشعب لمزيد كوارث تراجيدية؛ ونجدد الإشارة هنا إلى حالات التمييز بين سكان المحافظات على وفق تقسيمات طائفية وأخرى تهمل الظرف المأساوي للمناطق التي سلمتها قوى الطائفية المتحكمة بالسلطة لشراذم الإرهاب؛ فتتابع بذاك النهج المرضي إجراءاتٍ، تضير بفرص استعادة الاستقرار والأمن بكل محاوره وتفاصيله بين من تسميهم سكان المحافظات السنية أو حتى مناق بعينها في مجمل محافظات العراق.. وهي أي حكومة المركز الطائفية، تواصل الانحدار بسياسة أخطر، تجاه الكورد وتجاه كل مكونات شعب كوردستان وأيضا تجاه مواطنين في محافظات أخرى، على خلفية تمييز قومي يتظاهر بأنه يُمارَس ضغطاً سياسياً حصراً على قياداتٍ بعينها، بينما الجوهر يكمن بمزيد تمزيق وحدة النسيج الوطني وفرض التمييز القومي والمذهبي الديني وطبعا وقوع آثار تلك السياسة التمييزية على كواهل الأبرياء بمزيد إفقارهم وتعريضهم لمخاطر إبادة وأشكال من نتائج جرائم الابتزاز تلك..

وبتوضيح أدق، فإنَّ الحصار على المطارات والمنافذ الحدودية هي سياسة ابتزاز مرضية، طاولت تنقلات المواطنين بخاصة الإجراءات وسياستها تلك التي تقف بوجه انتقالهم للعلاج في البلدان المتقدمة في ظروف انعدام الخدمة الصحية المناسبة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر لأنّ وقف التنقلات الخارجية، ذات السمة أو الطابع الإنساني؛ بات يشمل كل أشكال الزيارات لأعضاء العائلة الواحدة ولأي سبب إنساني ضروري آخر لتلك الزيارة؛ دع عنك ظاهرة تعطيل نشاط اقتصادي بارز، تعيش عليه عشرات آلاف الأيدي العاملة مثلما بمجال السياحة التي انقطعت بها السبل لا خارجيا حسب بل حتى داخليا بما بات يستنزف موارد الوطن والشعب عبر سياقات مختلفة لتلك السياسة الابتزازية لنظام الطائفية وأشكال التمييز فيه…

وعليه، فإنّ استمرار هذا النظام ودورة إعادة إنتاج آلياته وبرامجه وكل تفاصيل منظومته القيمية وسياساته، تلك الاستمرارية التي تُمرَّر بلعبة استبدال الوجوه والإتيان بشخوص مختلفة وأسماء أحزاب جديدة بالمظهر وبالاسم، مما يجري تفقيسه بالعشرات والمئات، إنما يؤدي حتماً إلى شرذمة الأوضاع وفرض التشظي والتمزق وتمكين قوى الابتزاز المافيوية من مزيد تحكم برقاب الناس وامتصاص البلاد وثرواتها..

وعليه ، فإنّ استمرار ذلك كلّهَ، لا يعني سوى الانهيار الشامل للبلاد ووضعها بكانتونات تخضع لأمراء الحرب الطائفية، حيث لا سيادة لترابها وأهلها..وحيث تمزيق النسيج الوطني ووضعه بتقاطع وعداء، يستفحل فيه ضيق أفق البصر والبصيرة، ضيق النظر إلى المصالح والحقوق؛ وهكذا يجري مشاغلة الشعب ومكوناته بصراعات جانبية بل مرضية تحمي قوى الاستغلال وتمنحهم فرص استعباد وابتزاز متصلة متجددة وتمنحهم قوة بلطجة مضاعفة متفاقمة، لمزيد استغلال وإمعان في فلسفة الطغمة المستبدة..

فهل أصبح مكشوفاً اليوم عبث الحكومة وما تمثل من نظام (طائفي كليبتوقراطي) لا ينفع معه ترقيع (إصلاحي) كما يحمل أصحاب مشروع (الإصلاح)؟

هل أصبح واضحاً أن شعار (تغيير لا إصلاح) هو الممر الوحيد للتحرر والانعتاق من سلطة تكاد تصل بنا لحافة انهيار لا منقذ منه بعد وقوعه؟

هل مازال هناك من ينادي بحقوق العراقيات والعراقيين ويتوهم أنه يمكن استعادة تلك الحقوق بمناشدة من يُصادرها ويستلبها ويتوقع أن يصحو ضمير المستغِل المستعبِد ليحمنو على فقير وحق له؟

إنّ حقوقياً أو تنويرياً سياسياً سيساهم بمزيد مفاقمة استبداد واستعباد وإذلال إذا ما آمن بدجل الإصلاح ومعانيه الترقيعية التي لن تعيد حقاً لأصحابه.. ولذا وجب التنبيه والتحذير من تحالفات تمرر تزكية للفاسدين وتساهم استراتيجيا بإعادة إنتاج النظام والكارثة في مزيد تضليل ومخادعة تمكِّن الفاسدين وفسادهم من السطو لا على الثروات المادية حسب بل تمكنهم أيضاً من السطو على الثروة البشرية بوصفها مصدر إنتاج الخيرات وإدارة الأوضاع وتوجييها وإحداث التغيير حقاً وفعلاً…

وما يجب اليوم، أولا توجه الحركة الاحتجاجية نحو فصم العلاقة بمنظزمة الفساد الطائفية، واستعادة التمسك بشعار التغيير الذي توصل إليه الشرفاء رفاق مسيرة التنوير وتبني طريق بناء الدولة العلمانية الديموقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية…

إنّ استقلالية حركة التقدم والتنوير والتغيير ووحدتها هو ما يتقدم بنا نحو تشخيص دقيق للمرحلة وقواها والانتقال كذلك من مستوى الإدانات التي جرى تفريغها من محتوى فعلها فمرغت جباه الجموع بـ طين الذل والهوان إلى مستوى استعادة الفعل وقدرة إحداث التغيير المنشود..

أما كيف جرى تفريغ الاحتجاج وطاقة الإدانة فيه من قدرة الفعل والتغيير فيكمن في التحول الكارثي من النضال التنويري وسط الجموع إلى حصر الكفاح الحقوقي والسياسي بمجرد حصول على مقاعد نيابية مسلوبة الأثر والصوت كون الحصول عليها يجري بإطار ذات المنظومة وذات القوانين المفصلة على مقاس قوى الاستغلال (الطائفية الكليبتوقراطية)..

لنعِ ما يجري ولنتخذ طريق الخلاص بعيداً عن التبريرية والذرائعية التي أطاحت بنهج التنوير والتغيير وباعت فعلياً المبادئ ووسائل تحقيقها وإن سمحت قوى الاستعباد والإذلال بإظهار التمسك اللفظي بها فذلك في جوهره هو نهج العبث والتخرصات المخادعة، إذ تلك القوى بالأساس تعتاش على التضليل وإظهار ما تتستر به لفظيا وبالاسم فقط لا غير…

لنواصل فضح الجريمة، لنواصل إدانتها، لنواصل حركة الاحتجاج وجذب القوى الشعبية صاحبة المصلحة إليها عبر تحرير المواطنين من قيود الأسر بخبيث منطق الخرافة ونهج الطائفية السياسية وما يستغله..

ولنواصل مسيرة التنوير لتلبية شروط إطلاق مهمة التنمية وإعادة الإعمار وأنسنة وجودنا وتحقيق التغيير فعليا لا في الوهم وأشكال المخادعة والتضليل..

ليكن مؤكداً، عبر تجاريب حركة التقدم وانعتاق الشعب وتلبية حقوقه وكفالة حرياته، بأنّ خطى قوى التنوير في استعادة شروط مهمة التغيير؛ تقتضي أن تبدأ بتكتيكات تركِّز على تفعيل حركة احتجاجية: تدين سياسة تحميل الشعب نتائج منظومة الفساد وتتبنى وحدة قواها الوطنية الديموقراطية وتؤكد استقلاليتها التي لا تسمح بتحالفات وخطى تخلط الأوراق وتتعلق بوهم تغيُّر جناح من أجنحة سلطة الطائفية الكليبتوقراطية و\أو بوهم خطوة هي في جوهرها أدخل بدعم تضليل ذاك الجناح ومخادعته منه إلى الانتصار لتحرر الشعب وانعتاقه ولمهمة التغيير وإطلاق مسيرة التنمية وإعادة الإعمار…

لا تعليقات

اترك رد